بعد انسحاب القوات الأميركية.. توم باراك يعودإلى بغداد لاختبار وعود الزيدي
بغداد/ تميم الحسن
جاء توم باراك، مبعوث ترامب، إلى بغداد في أول زيارة له بعد الانسحاب الأميركي، وفق محللين، للتأكد من تعهدات رئيس الوزراء علي الزيدي، التي أطلقها أمام الرئيس الامريكي، وأن يختبر ما إذا كانت بغداد قادرة على الانتقال من الوعود إلى التنفيذ.
لكن الزيارة جاءت في توقيت لا تبدو فيه الملفات التي تنتظر الحل أقرب إلى التسوية. فملف سلاح الفصائل لا يزال متعثراً، فيما أعلنت جماعات مسلحة أنها لن تسلّم سلاحها، وأنها لا تلتزم بأي موعد تحدده الحكومة.
وفي الوقت نفسه، تثير علاقات بعض هذه الجماعات بحلفاء إيران، ودعمها الحوثيين، مخاوف من اتساع المواجهة الإقليمية، بما في ذلك احتمال استهداف دول الخليج، وفق تقديرات استخبارية. قبل لقاء باراك بالزيدي ومسؤولين عراقيين، كان الإطار التنسيقي قد اجتمع في منزل عمار الحكيم، زعيم تيار الحكمة، وأكد ما وصفه بـ"حياد العراق". وبعد لقائه الزيدي، كتب باراك على منصة "إكس" أن "الاستقرار لا يُورث، بل يصنعه القادة الذين يختارون الطريق الصعب". وأضاف أن "أمن العراق وازدهاره هما أمن المنطقة وازدهارها".
كانت تلك عبارات دبلوماسية عن الاستقرار والشراكة، لكنها لم تحسم السؤال وراء الزيارة: هل ترى واشنطن أن حكومة الزيدي قادرة على الوفاء بالتزاماتها، أم أنها بدأت تستعد للتعامل مع عراق لا تستطيع حكومته تنفيذ ما تعهدت به؟
"البيت الأبيض ينتظر إجابات سريعة"
يقرأ مثال الألوسي، مؤسس حزب الأمة والنائب السابق، زيارة باراك من زاوية الضغط الأميركي على الحكومة العراقية. ففي تقديره، لم تكن الزيارة مجرد محطة دبلوماسية بعد الانسحاب، بل محاولة لاختبار الوعود التي قدمها الزيدي للرئيس ترامب.
يقول الألوسي لـ(المدى) " أعتقد أن توم باراك، جاء للضغط على الزيدي لتنفيذ الوعود التي أطلقها أمام الرئيس ترامب". ويرى أن البيت الأبيض ينتظر إجابات سريعة من الطرفين بشأن أسباب تردد بغداد في مكافحة الفساد، ووقف الهجمات التي تستهدف العراق، بما فيها الهجوم الأخير على أربيل الذي ينسبه إلى الحرس الثوري الإيراني، فضلاً عن ملف نزع سلاح الفصائل. ولا يقف الاختبار، بحسب الألوسي، عند حدود الأمن. فهو يشمل تشكيل حكومة عراقية متكاملة، بعيدة عن الهيمنة الإيرانية، واتخاذ موقف من دعم الحوثيين والحرس الثوري الإيراني وحزب الله.
ويعتقد الألوسي أن باراك سيعود إلى الإدارة الأميركية بإجابات وتفسيرات عن هذه الملفات، وأن وضوحها سيؤثر في تقييم واشنطن لمدى نجاح الزيدي أو فشله في تحقيق الأهداف التي تعهد بها. ويحذر من أن الإخفاق في ذلك قد يفتح الباب أمام سياسة أميركية جديدة في العراق والمنطقة، يصفها بأنها قد تكون "خطيرة جداً". لكن الألوسي يطرح قراءة أخرى للزيارة، تتعلق بباراك نفسه. فالمبعوث الأميركي، في رأيه، يريد أن يؤكد أمام الإدارة الأميركية ورئيسه أن الأمور في بغداد لا تزال تحت السيطرة، رغم عجز الحكومة العراقية عن تنفيذ الوعود التي أطلقتها في واشنطن أو بغداد. وهنا تظهر المفارقة التي يراها الألوسي في الانسحاب الأميركي، فالولايات المتحدة تغادر عسكرياً، محققة بذلك هدفاً إيرانياً معلناً، لكنها تفعل ذلك في مقابل وعود بتحويل العلاقة العراقية الأميركية من الشراكة أمنية وعسكرية إلى شراكة اقتصادية. ويشكك الآلوسي في إمكان تحقيق هذا التحول في ظل استمرار وجود الميليشيات خارج السيطرة الكاملة للدولة.
"نهاية الأحلام"
ولا يحصر الألوسي دلالات الزيارة في العلاقة بين واشنطن وبغداد، فهو يرى فيها أيضاً محاولة من باراك لإثبات أنه لا يزال يدير الملف الأميركي في العراق، في وقت قد يشهد تنافساً داخل الإدارة الأميركية على الجهة التي تتولى رسم سياستها تجاه بغداد.
ويشير إلى احتمال وجود تنافس بين باراك ووزارة الخارجية الأميركية، وخصوصاً ماركو روبيو، بعد إرسال القائم بالأعمال الأميركي الجديد إلى العراق. ويصف الدبلوماسي الجديد بأنه صاحب خبرة كبيرة، معتبراً أن زيارة باراك ولقاءاته قد تعكسان تنافساً على إدارة العلاقة مع بغداد. ومن هذه الزاوية، لا يرى الألوسي في الزيارة مؤشراً على تقدم السياسة الأميركية بقدر ما يراها محاولة لإعادة تأكيد النفوذ الشخصي لباراك، وتقديم صورة عن استمرار السيطرة على الملف العراقي، رغم تعثر الأهداف التي رافقت المرحلة السابقة. ويذهب إلى أبعد من ذلك، واصفاً الزيارة بأنها تمثل "نهاية حقبة الأحلام" الأميركية بشأن قدرات الزيدي على تحقيق التحولات المطلوبة.
ويعتقد أن المرحلة المقبلة قد تشهد تغييراً في طريقة تعامل واشنطن مع العراق، بعدما أخفقت الحكومة، وفق تقييمه، في تنفيذ أهدافها المتعلقة بالسلاح والفساد والعلاقات الاقتصادية. ومع ذلك، لا يعفي الألوسي الزيدي من المسؤولية، لكنه يميز بين صدق النوايا والقدرة على التنفيذ. فهو يقول إن الحرس الثوري الإيراني والفصائل نجحوا، في تقديره، في دفع الولايات المتحدة إلى الانسحاب وإفشال الأهداف التي يسعى الزيدي إلى تحقيقها، رغم اعتقاده بأن رئيس الوزراء يريد الوصول إليها.
انسحاب تركي.. وخطر يتقدم في الظل
ويمتد تشكيك الألوسي إلى ملف آخر يتصل بالوجود العسكري التركي في إقليم كردستان. فهو يرى أن الحديث عن انسحاب القوات التركية من الأراضي العراقية لا يمثل تحولاً استراتيجياً كبيراً، ويصفه بأنه "ذر للرماد في العيون"، على أساس أن هذه القوات، وفق تقديره، لم يكن لها دور فعال، وأن تركيا ليست بحاجة إلى وجودها هناك بالشكل الذي يصور به الملف. ويعتقد الألوسي أن باراك قد يحتاج إلى إبراز هذا الانسحاب أمام الإدارة الأميركية بوصفه إنجازاً إضافياً، في محاولة لتأكيد نجاح سياسته في المنطقة.
لكن الخطر الذي يشغله لا يقتصر على التنافس الأميركي أو الملفات العسكرية. فهو يحذر من أن عودة نشاط تنظيم "داعش" في العراق، مع تحرك خلاياه في محافظات عدة، لا تحظى، في رأيه، بالاهتمام الكافي، ويقول إن هناك تقليلاً من أهمية هذا التهديد وخطورته.
ويربط الألوسي بين هذه المخاوف وبين احتمال تصاعد صدام إقليمي ذي طابع سني- شيعي، نتيجة ما يصفه بهيمنة إيران والفصائل والإطار التنسيقي، وفشل حكومة الزيدي في تحقيق أهدافها. ويحذر من أن الإخفاق الأميركي والعراقي في هذه الملفات قد يؤدي إلى تأجيج المشاعر والمصالح الطائفية، في بيئة يمكن أن يستفيد منها "داعش"، بالتوازي مع أدوار إقليمية أخرى ينسبها الألوسي إلى الحرس الثوري الإيراني. وينصح الألوسي الحكومة: "شخصياً أتمنى على الحكومة أن لا يضعوا كل بيضاتهم في سلة توم باراك".
ويضيف أن بعض اللقاءات التي جرت في بغداد بين باراك ومسؤولين عراقيين قد تكون جاءت لتحسين صورته وموقفه أمام الإدارة الأميركية، لا بالضرورة لخدمة المصلحة العراقية. ويوصي بغداد بأن تراهن على السفارة الأميركية ووزارة الخارجية والمؤسسات الأميركية، لا على شخصية واحدة.
خريطة إقليمية تتجاوز ملف الانسحاب
في المقابل، يقدم غازي فيصل، الدبلوماسي السابق ورئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، قراءة مختلفة للزيارة. فبدلاً من التركيز على تعثر الوعود أو التنافس داخل الإدارة الأميركية، يرى أن باراك يعمل على رسم ملامح شرق أوسط جديد، يكون العراق وسوريا وتركيا في قلبه. ويقول فيصل لـ(المدى) إن زيارة مبعوث ترامب ترسم خريطة لمنطقة تتجه فيها الدول الثلاث نحو التعاون والتكامل الاقتصادي، بما في ذلك نقل النفط من العراق إلى سوريا.
ويشرح أن الفكرة، في جوهرها، تقوم على الانتقال من دول متنافرة إلى دول تتعاون في الاقتصاد والسياسة والثقافة والتكنولوجيا والعلوم. ويرى أن هذا التحول يمكن أن يكتسب أهمية كبيرة بالنسبة إلى السياسة العراقية، إذا استمر المسار الذي بدأ يتطور بين بغداد ودمشق وأنقرة. ويشير فيصل إلى أن باراك شجع على بناء علاقات وثيقة بين العواصم الثلاث، معتبراً أن استمرار هذه الاستراتيجية قد يفتح مستقبلاً مختلفاً للمنطقة، ويهيئ ظروفاً أفضل للأمن والاستقرار.
اتفاقية 2008.. من النصوص إلى التنفيذ
ويستشهد فيصل باهتمام باراك بلقاء القائم بالأعمال الأميركي في بغداد، ويرى في ذلك إشارة إلى تقدير خبرة الدبلوماسي الجديد، ومعرفته بالتحديات الداخلية والإقليمية التي تواجه العراق، وما يمكن أن يتيحه وجوده من فرص لتطوير العلاقات بين واشنطن وبغداد.
ويضع فيصل هذا الاهتمام ضمن إطار أوسع، هو تفعيل اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الموقعة بين العراق والولايات المتحدة عام 2008. ويقول إن الدبلوماسيين الأميركيين يؤكدون أهمية الاعتماد على الاتفاقية وتفعيلها، باعتبارها قاعدة لبناء علاقات وثيقة بين البلدين.
ويعتقد فيصل أن باراك يسعى إلى نقل العلاقة من النصوص إلى برامج عمل مشتركة. ويضيف أن باراك يتابع المنهج نفسه، بهدف الوصول بالعلاقات العراقية الأميركية إلى مستوى يضمن المصالح الوطنية العراقية، بالتوازي مع المصالح الاستراتيجية الأميركية في العراق والشرق الأوسط.
The post بعد انسحاب القوات الأميركية.. توم باراك يعودإلى بغداد لاختبار وعود الزيدي appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى