شمس الخنساء وليل آن كارسون ..الأخ الذي لا ينتهي
”يُذكّرني طلوعُ الشمسِ صخرًا وأذكره لكلِّ غروبِ شمسِ“.هذا ما يحدث عندما تصير الشمس موعدا يتجدد مع الغائب. يجيء الصباح، فتتذكر. ويأتي المساء، فلا تكون قد نسيت. وبينهما يمضي يوم كامل لا يخف فيه الموت، ولا تتناقص فيه الحاجة إلى ذكر الميت. للشمس عند الخنساء وظيفة أخرى.. إنها تنكزها لتذكّرها بأخيها صخر كلما أشرقت، وتعيده إليها حين تغرب..هكذا ترثي الخنساء أخاها.وبعد أكثر من أربعة عشر قرنا، تكتب آن كارسون في مرثيتها لأخيها مايكل:”أحدّق طويلا في صمت أخي.. يقاومني صمته“...وبين شمس تستدعي ذكرى الغائب كل يوم، وصمت يقاوم محاولات اختراقه، تقف امرأتان أمام الموت.. لكل منهما ما تعرفه عن أخيها، وما لا تستطيع استعادته منه.صنعت الشاعرة الكندية آن كارسون، الحائزة نوبل للآداب عام 2026، مرثية لأخيها أيضا. لكنها لم تكتب قصيدة بالمعنى المألوف، فقد صنعت كتابا داخل صندوق، تطوى صفحاته المتصلة مثل آلة الأكورديون، ويمكن فردها حتى تصبح شريطا طويلا من الصور والرسائل والكلمات المبعثرة. سمته ”نوكس“ (Nox)، أي ”الليل“ باللاتينية، ونشرته سنة 2010.كان أخوها مايكل قد مات قبل صدور الكتاب بعشر سنوات في كوبنهاجن - سنة 2000 - ولم يصلها الخبر إلا بعد أسبوعين من رحيله. لم تكن أرملته قد عثرت على رقم هاتفها بين أوراقه. تلك التفصيلة وحدها تكفي لتكشف طبيعة الفقد الذي تكتب عنه كارسون... فقد غادر مايكل أسرته سنة 1978، ولم تتحدث إليه أخته خلال السنوات التالية إلا مرات قليلة. وحين مات، كان غيابه عن حياتها قد تجاوز عقدين.هنا تبدأ مقارنة تستحق التأمل بين امرأتين فصل بينهما أكثر من ألف عام، ولم تجمعهما لغة ولا حضارة.. إلا طقوس واحدة في الحزن. الخنساء ترثي أخًا ظل حاضرا في ذاكرتها حتى استحال عليها قبول غيابه. وكارسون ترثي أخا غاب عنها طويلا قبل أن يموت، فلم يكن الموت وحده ما سلبها إياه. قبله سنوات لم تعرف كيف عاشها، وأشياء لم يقلها، وأسئلة لم يعد ممكنًا طرحها عليه.حين نرثي من نحب، هل نحفظ صورته كما عرفناه، أم نصنع له الصورة التي نريد أن تبقى بعده؟ هل نرثي من فقدناه، أم نرثي معه كل ما لم نعرفه عنه، ولن نعرفه أبدا؟في رثاء الخنساء، يتكرر اسم صخر كما لو أن ترديده يستطيع مقاومة الموت. وحين تقول:”أعينيَّ جودا ولا تجمدا ألا تبكيان لصخر الندى“تأمر عينيها بالبكاء.. هل قصر الجسد في أداء واجبه نحو الغائب؟!ألهذا لا تترك الحزن لما يتيسر من دموع.. فعليها أن تستدعيه، تجدده، تمنحه إيقاعا يستطيع الآخرون سماعه.غير أن رثاء الخنساء ليس بكاء أخت فحسب. ففي قصائدها يعود صخر فارسا وسيدا وكريما وملاذا لقومه. تقول:”وإن صخرا لتأتمُّ الهداةُ به كأنه علمٌ في رأسه نارُ“.إنها تمنحه بعد موته حضورا عاما يتجاوز علاقته الخاصة بها. فالرجل الذي غاب عن البيت يبقى في القصيدة دليلا يهتدي به الناس. وكأن المرثية تعيد بناء مكانته في العالم الذي تركه، وتطلب من الجماعة أن تحفظ منه وعنه ما يستحق البقاء.لكن هذه الصورة المضيئة تثير سؤالا آخر: ماذا نعرف عن صخر الإنسان، خارج صفاته التي تليق بالفارس والسيد والأخ المرثي؟ ماذا كان يقول في لحظاته العادية؟ وكيف كان يبدو حين لا يحتاج إلى أن يكون مثالا للكرم والشجاعة؟لا أقصد التشكيك في معرفة الخنساء بأخيها، وإنما السؤال عما تسمح المرثية بإظهاره، وعما قد تستبعده وهي تنتقي من حياة الميت ما تريد أن يبقى منه.وربما ليس من الإنصاف أن نطلب من الخنساء ما نطلبه من كاتب سيرة.. فالمرثية لا تتعهد بأن تروي حياة كاملة. إنها تنتقي من تلك الحياة ما تريد أن تقاوم به الموت. لكن الانتقاء نفسه يستحق أن نتأمله. فحين يخرج صخر من القصيدة فارسًا وسيدًا وملاذًا لقومه، نحن هنا لا نتعرف إلى الأخ وحده، فمعها صورة الرجل الذي أراد قومه أن يخلدوه. وهنا تصبح المرثية أكثر من شهادة حب... إنها تشارك في صناعة الذاكرة، وتمنح بعض الصفات حياة قد تطول أكثر من حياة أصحابها. لكن ماذا يحدث لما لا يتسع له هذا المثال من ضعف أو تردد أو تناقض؟أما كارسون فتواجه المشكلة من زاوية أخرى. ليس لديها من أخيها مايكل ما يكفي لبناء صورة مكتملة، ولا تحاول تعويض ذلك بسيرة متخيلة. ها هي تجمع صوره القديمة، وبطاقات بريدية، ورسالة أرسلها إلى البيت، وتفاصيل صغيرة من طفولته وحياته. تتذكر، مثلا، أنه كان يطفئ أعقاب سجائره في مقلاة المطبخ. تفصيلة لا تصلح لتمثال تذكاري له، لكنها تصلح لكي نصدق أن هذا الإنسان كان هنا يوما، بعبثه وعاداته وما تركه وراءه.ثم تستعين كارسون بشاعر روماني رحل قبلها بأكثر من ألفي سنة. فقد كتب كاتولوس مرثيته الشهيرة رقم 101 لأخيه الذي مات بعيدا عنه، وروى عن رحلته عبر البلاد والبحار ليقف عند قبره، ويقدم إليه ما يقدمه الأحياء للموتى، ثم يحييه ويودعه إلى الأبد.تأخذ كارسون تلك القصيدة وتترجمها كلمة كلمة. لا تكتفي بنقل معناها إلى الإنجليزية.. تفرد للكلمات اللاتينية مداخل تشبه صفحات المعاجم: معانٍ واستعمالات واحتمالات تتسع كلما حاولت الإمساك بها. وعلى الصفحات المقابلة تتناثر أوراق مايكل وصوره وشذرات حكايته. ما الذي تفعله كارسون هنا؟!تبدو كأنها تمارس عملين في وقت واحد: تحاول ترجمة مرثية قديمة، وتحاول ترجمة حياة أخيها من خلال آثار قليلة بقيت منه. لكن الكلمات اللاتينية، على كثرة معانيها، لا تمنحها معناها كاملا، كما أن الصور والرسائل لا تستطيع أن تخبرها بكل ما كانه مايكل.في هذا تحديدا تكمن قوة ”نوكس“. فالكتاب لا يوهمنا بأن جمع الوثائق قادر على استعادة الإنسان. كل ورقة تضيف شيئا إلى معرفتنا، لكنها تذكرنا أيضا بما ينقصها. وكأن كارسون كلما فتحت نافذة على حياة أخيها، وجدت وراءها غرفة أخرى تتوق لدخولها.لكن هل تكون الوثيقة أصدق من القصيدة؟ الصورة لا تخبرنا بما جرى قبل التقاطها أو بعدها، والرسالة لا تقول كل ما أخفاه كاتبها. ثم إن كارسون هي التي اختارت هذه الأوراق، وقررت ما تعرضه منها، وبأي ترتيب. إنها تمارس، على نحو مختلف، سلطة الخنساء نفسها في اختيار ما يبقى من صورة الأخ. ويظهر هنا سؤال أخلاقي لا يقل إلحاحًا عن السؤال الأدبي: إلى أي حد يملك الأحياء حق رواية حياة من لم يعد قادرا على الموافقة أو الاعتراض؟ وما الذي كان سيختاره مايكل من حكايته لو أتيح له أن يرويها بنفسه؟!تكتب كارسون في مستهل “نوكس”: “أردت أن أملأ مرثيتي بكل ضروب الضوء. لكن الموت يجعلنا بخلاء”. والمفارقة أن الشمس التي تُجبر الخنساء على تذكّر صخر، تحاول كارسون أن تستدعي ضوءها إلى كتاب سمّته “الليل”. غير أن الموت، كما تعترف، يجعلنا بخلاء. كأننا، حين نعجز عن منح الراحل شيئا آخر، نبدأ في التساؤل عما تستطيع الكلمات أن تمنحه. وهل يمكن للمرثية أن تضيء حياة انتهت، أم أنها لا تكشف إلا مقدار ما بقي من تلك الحياة في ذاكرة الأحياء؟وقد يبدو للوهلة الأولى أن الخنساء تفعل نقيض ذلك كله. فحيث تجمع كارسون أجزاء متناثرة في ملمح ”إيزيسي“، تكرر الخنساء الاسم. وحيث تستدعي الأولى المعجم والصورة والرسالة، تستدعي الثانية العين والدموع والشمس والقبيلة. لكن الفرق ليس بين حزن عربي يفيض بالعاطفة وحزن غربي يختبئ وراء الفكر. ربما يكون في هذا تبسيط يظلم الاثنتين. قوة الخنساء ليست في بكائها وحده، وإنما في ذلك البناء المحكم الذي تجعل به التكرار قادرا على حمل الحزن. و“نوكس“، رغم هيئته الأرشيفية، أبدا لا يحمل برودة الأرشفة .. إن ترتيب قصاصاته نفسه صورة لما يفعله الفقد بالنفس حين تعجز عن جمع ما انكسر فيها.وهناك تفصيلة في شعر الخنساء تجعل الفرق بين التجربتين يتقلص أكثر مما قد نتصور. فهي تقول عن أناس يبكون إخوتهم مثلها:”وما يبكون مثل أخي ولكن أُعزّي النفسَ عنه بالتأسّي“.فمع أنه لا حزن يشبه حزنًا ... ومع أنها لا ترى أن فقدهم معادلًا لفقدها، فإنها تعبر عن معنى بالغ الإنسانية.. حين نلتمس العزاء في أن آخرين مروا بما مررنا به.أليست هذه، على نحو مختلف، حال كارسون حين تذهب إلى كاتولوس؟ تبحث فيه عن شاعر سبقها إلى حزن فقد الأخ، وتستعير منه كلمات تحاول أن تترجم بها حزنها. لكنها تكتشف أن مرثيته لا تستطيع أن تصبح مرثيتها تماما. فأخو كاتولوس له قبر يقصده الشاعر، أما مايكل فقد نُثر رماده في البحر، ووصل خبر موته إلى أخته بعدما انتهت مراسم وداعه.ولعل السؤال الأصعب هو.. ماذا نفعل بالكلام الذي لم نقله للراحلين وهم أحياء؟ فالمرثية تستطيع أن تمدح، وأن تستعيد، وأن تسأل، لكنها لا تمنحنا سكينة الإجابة. وقد يكون في ذلك سر التكرار فيها. الخنساء وكارسون تتقاطعان في هذا العجز تحديدا، لا في التشابه بين قصيدة وكتاب، ولا في الاشتراك في فقد أخ. فكلتاهما تصنع شكلا أدبيا يتيح لها أن تواصل مخاطبة من انقطع عن الإجابة. وتعرف، أو تكاد تعرف، أن الكتابة لن تعيده.لكنني أتساءل أيضا عما تفعله المرثية بنا نحن، لا بالموتى. فربما كانت، إلى جانب محاولة الاحتفاظ بالغائب، مراجعة متأخرة لعلاقتنا به. نعدد صفاته، ونفتش في آثاره، ونختار ما نذكره وما نسكت عنه. وفي كل مرة نظن أننا نكتب عنه، نكشف شيئا عن الطريقة التي أحببناه بها، وعن حدود معرفتنا به وبأنفسنا.تكتب كارسون: ”الأخ لا ينتهي. أقتفي أثره. إنه لا ينتهي“.لا تقول إن الحزن لا ينتهي، الأخ نفسه لا ينتهي. وربما كان في هذا الفارق ما يفسر إصرارها على تقصي حياته بعد موته. فالمرثية لا تستطيع إعادة من رحل، لكنها تستطيع أن تبقي علاقتنا به مفتوحة على سؤال جديد.كانت الخنساء تعرف أن الشمس ستطلع في اليوم التالي، فتعود بذكرى صخر. وكانت كارسون تعرف أن فتح طية جديدة من كتابها لن يكشف لها كل ما غاب من حياة مايكل. ومع ذلك، لم تتوقف الأولى عن النداء، ولا الثانية عن جمع الكلمات.ربما كانت تلك إحدى حقائق الرثاء التي لا تتغير بتغير العصور وأشكال الكتابة.. أن نطلب من اللغة ما نعرف أنها لا تستطيع منحه، ونلح في الطلب.فالأخ لا يعود، سواء نادته قصيدة تحفظها الأجيال، أم ظللنا نفتح كتابًا ”أكورديونيًا“مطويًا بحثًا عن صوته. لكن شيئا منه يبقى في الطريقة التي نحاول بها الوصول إليه.وما المرثية، في النهاية، إلا هذا الإصرار على مخاطبة من لن يجيب.
المصدر: المصري اليوم