شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الشائعات الرقمية.. فوضى تستهدف استقرار المجتمع

الشائعات الرقمية.. فوضى تستهدف استقرار المجتمع

في زاوية مظلمة بأحد المقاهي الشعبية في وسط البلد، كان «محمود» (اسم مستعار) ينقر على شاشة هاتفه الذكي بحماس مريب، ناقلاً رسالة صوتية مجهولة المصدر تزعم قرب انهيار مؤسسة مالية كبرى واختفاء مدخرات المواطنين. لم يكد محمود يضغط على زر إعادة الإرسال حتى انطلقت الرسالة كالنار في الهشيم عبر مجموعات الواتساب وتطبيقات التواصل الاجتماعي، حافرةً موجة من الهلع العارم والفزع المصرفي الوهمي بين آلاف الأسر البريئة. وقف محمود يتابع الفوضى التي صنعها بابتسامة صفراء، غير مكترث بأن حروفه العابثة أربكت الكثيرين في المجتمع، وحولت خيالاً مرضياً إلى حقيقة مرعبة يعاني منها المواطنون على مدار الساعة. ولم تكن هذه الحادثة سوى قطرة في بحر من الفوضى الرقمية التي تحاول ضرب استقرارنا اليومي والعبث بأمننا النفسي والمجتمعي. تتجسد هذه الممارسة التدميرية في أقسى صورها داخل النسيج الاجتماعي الأردني؛ وهي ظاهرة إطلاق وترويج الإشاعات المحلية المغرضة عبر الفضاء الرقمي. لم تعد الإشاعة مجرد نميمة عابرة تتناقلها الألسن في المجالس الضيقة بين الأصدقاء والمعارف، بل تحولت إلى صناعة منظمة وممنهجة تدار بذكاء عبر منصات التواصل الاجتماعي لتسميم الوعي الجمعي، وبث الرعب، وإثارة البلبلة والفتن بين أبناء الوطن الواحد. وحين تصبح الأكاذيب أسرع انتشاراً من الحقائق، فإننا نكون أمام خلل نفسي وأخلاقي خطير يهدد السلم الأهلي، ويفرغ المجتمع من مناعته، ويجعل الأفراد أسرى لفقاعات الوهم والتشكيك الدائم بكل شيء جميل وثابت. هذا العبث غير المسؤول يعيد إنتاج القلق بأساليب مستحدثة، مستغلاً الشاشات الزرقاء لتمرير سموم التفرقة ومحاولة هدم الثقة المشتركة بين مؤسسات الدولة والمواطن، لنجد أنفسنا أمام حرب معنويات صامتة تأكل الأخضر واليابس دون أن تطلق رصاصة واحدة في العلن، بل بفضل حروف طائشة تُكتب بلا رقيب ولا حسيب. تتغذى ظاهرة الإشاعات المحلية على تربة خصبة من الاحتقان والرغبة الدفينة في «إثبات السبق» ولو على حساب أعراض الناس وأمنهم واستقرارهم ومستقبلهم. الشخص الذي يتلقى خبراً مثيراً أو خبراً كارثياً لا يمتلك الصبر أو الوعي الكافي للتحقق من مصداقيته عبر القنوات الرسمية والمهنية، بل يسارع لنسخه وبثه في كل الاتجاهات متلذذاً بدور «الناقل الحصري» للحدث والمثير للجدل. هذا الاستسهال في تداول الأكاذيب يعكس تراجعاً حاداً لدى البعض في المسؤولية الوطنية والأخلاقية، حيث ينسى المتداول أن لكل شائعة ضحية حقيقية، وأن زعزعة أمن المجتمع واستقرار اقتصاديات أفراده تبدأ غالباً بنقرة إصبع طائشة لا تقيم وزناً لعواقب الكلمة. وهنا تكمن الخطورة الكبرى في انخراط أعداد هائلة من المواطنين بحسن نية في ترويج الأكاذيب، مساهمين في تضخيم كرة الثلج حتى تصبح كوارث معنوية، وتخلق بيئة خصبة للاستغلال المنهجي من قبل الجهات المغرضة التي تستهدف تماسك الدولة وسلامة جبهتها الداخلية. يؤكد الناشط القانوني حازم الحسن أن المشرّع الأردني كان حاسماً في تجريم ترويج الإشاعات والأخبار الكاذبة عبر قانون الجرائم الإلكترونية والتشريعات ذات العلاقة، مشيراً إلى أن العقوبات وصلت إلى مستويات رادعة نتيجة الأثر التدميري الخطير الذي تتركه الإشاعة على الاقتصاد الوطني والسلم المجتمعي. ويضيف الحسن أن التحدي الأكبر لا يكمن في نصوص القانون فحسب، بل في سرعة الانتشار الرقمي عبر التطبيقات الحديثة، مؤكداً أن الأجهزة الأمنية ووحدة الجرائم الإلكترونية تقف بالمرصاد لكل من يحاول بث الرعب أو ترويج الأكاذيب المغرضة، غير أن الوعي المجتمعي يبقى الخط الدفاعي الأول لإجهاض الإشاعة قبل وصولها لغاياتها الخبيثة. ويشدد على أن تهاون الأفراد في التعامل مع الأخبار الملفقة باعتبارها «مزحة عابرة» يشكل مشاركة فعلية في الجريمة يستوجب العقاب الرادع والمساءلة القانونية الصارمة بلا تهاون أو استثناء. من جهته، يوضح الباحث الاجتماعي سامر فليفل أن انتشار الإشاعات المحلية يعكس حالة عميقة من عدم الثقة وافتقاد الأمان النفسي لدى قطاع واسع من الأفراد، مما يجعلهم سريعي التأثر بكل ما هو مثير وسلبي. ويؤكد أن العقل البشري المأزوم بالضغوط يميل بطبعه لتصديق الأسوأ والبحث عن تفسيرات جاهزة ومبسطة لأزماته عبر الأكاذيب المتداولة التي تمنحهم شعوراً زائفاً بامتلاك المعلومة. ويقترح فليفل ضرورة إطلاق برامج وطنية شاملة لترسيخ التفكير النقدي والثقافة الرقمية في المدارس والجامعات، لتعليم النشء كيفية التحقق من مصادر المعلومات ووأد الإشاعة في مهدها وعدم المشاركة في جريمة ترويجها. ويبين أن محاصرة هذه الظاهرة تتطلب بناء جدار من الوعي الجمعي الذي يلفظ مروجي الأكاذيب ويعتبر تداول أخبار الفتنة خيانة عظمى لاستقرار المجتمع وسلامة نسيجه الوطني. تتطلب مواجهة وباء الإشاعات المحلية تبني استراتيجيات وطنية حاسمة ومستدامة ترتكز على التطبيق الصارم للتشريعات الجزائية بإنزال أشد العقوبات الرادعة بحق مروجي الأكاذيب المغرضة وصانعي الفتن الافتراضية دون محاباة، إلى جانب تفعيل الشفافية المؤسسية والإعلامية عبر سد الفراغ الإخباري وسرعة الرد الرسمي الموثوق من الجهات المعنية لتجفيف منابع الإشاعة قبل انتشارها وتغلغلها في عقول العامة. كما تبرز الحاجة الملحة لإدراج مفاهيم التربية الإعلامية والتحقق الرقمي في المناهج التعليمية لبناء مناعة فكرية لدى الأجيال الناشئة، فضلاً عن تعزيز الرقابة المجتمعية والوعي الفردي بمقاطعة الحسابات والصفحات المروجة للفتن واعتبار إعادة نشر الخبر الكاذب جريمة أخلاقية ووطنية لا تُغتفر، لتظل الجبهة الداخلية الأردنية منيعة وصلبة في وجه كل عواصف الزيف والاضطراب الرقمي.

المصدر: الدستور