جرائم نسائية غريبة… تحولات صامتة في المجتمع الجزائري
لم تعد المرأة حاضرة في المشهد الاجتماعي كضحية فقط في قضايا العنف والجريمة، إذ كشفت بعض القضايا التي عالجتها مصالح الأمن الوطني مؤخرا، عن نساء يشتبه في تورطهن في أفعال إجرامية مختلفة، من بينها ترويج المخدرات والمؤثرات العقلية، والنصب والاحتيال، والسرقة، وصولا إلى قضايا ذات شبهة جنائية خطيرة. وأعادت بعض القضايا التي تم تداولها خلال سنة 2026، طرح تساؤلات حول دوافع تورط بعض النساء في الجريمة، وطبيعة الأدوار التي قد تؤديها بعضهن داخل الشبكات الإجرامية، إضافة للتحديات التي تواجهها الأجهزة الأمنية في كشف هذه الأنشطة وتفكيك الشبكات المتورطة فيها. ومن بين الوقائع المنشورة الخطيرة التي تعكس جرائم صاحبات الأيادي الناعمة، قضية بحاسي مسعود ولاية ورقلة، تناولت توقيف مجموعة من المشتبه فيهم، من بينهم خمس نساء، مع حجز كمية من المؤثرات العقلية. وقضية امرأة بالشلف يشتبه في تورطها في النصب وانتحال صفة، إلى جانب قضايا أخرى تخضع لإجراءات التحقيق والمتابعة القضائية. الباحث بوشكيوة: المحيط الاجتماعي والعالم الرقمي أكثر عوامل دفع المرأة إلى الإجرام وتبرز هذه الوقائع أهمية الدور الذي تؤديه مصالح الأمن في جمع المعلومات والتحري وكشف ملابسات الجرائم، بالتنسيق مع الجهات القضائية المختصة، مع ضرورة احترام قرينة البراءة إلى حين صدور أحكام قضائية نهائية. وحول هذا الموضوع، يرى البروفسور عبد الحليم بوشكيوة، أستاذ التعليم العالي بجامعة جيجل، ومدير مخبر الدراسات القانونية المعمقة، من منظور علم اجتماع الجريمة، أن تورّط بعض النساء في الجرائم لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتيجة تداخل مجموعة من العوامل الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فالتفكك الأسري، والعنف داخل الأسرة، والضغوط المعيشية، والتهميش الاجتماعي، وتأثير المحيط الاجتماعي والفضاء الرقمي، كلها عوامل، بحسبه، قد تسهم، بدرجات متفاوتة، في دفع بعض النساء إلى السلوك الإجرامي. وينبغي التأكيد، بحسب بوشكيوة، أن هذه العوامل لا تبرر الجريمة، ولا تعني أن كل امرأة تعيش ظروفا صعبة تصبح مجرمة. وأوضح أن الحديث عن تزايد الجريمة النسائية يتطلب الاستناد إلى دراسات علمية وإحصائيات رسمية، وليس الاكتفاء بما تنقله وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي من أخبار. في تقدير البروفسور عبد الحليم بوشكيوة، فإن أخطر ما في الظاهرة هو التعامل معها باعتبارها مشكلة أمنية فقط، في حين هي تحمل أبعادا اجتماعية وتربوية ونفسية أيضا، ولذلك، فإن مواجهتها لا تقتصر على تطبيق القانون، بل تتطلب كذلك تعزيز دور الأسرة، والوقاية من العنف، وتحسين فرص الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، ونشر ثقافة الحوار واحترام القانون. فكلما فهمنا الأسباب العميقة للجريمة، بحسبه، ازدادت قدرتنا على الوقاية منها ومعالجتها بفعالية. ولا يمكن، في رأي المتحدث، اعتبار قضايا عولجت مؤخرا تورطت النساء فيها، أنها دليل على انتشار الجريمة بين النساء عموما، إذ يتطلب الوصول إلى استنتاجات دقيقة الاستناد تستند إلى إحصائيات رسمية ومقارنة تطور الجرائم بحسب نوعها والفئات المتورطة فيها، كما يستدعي تناول الظاهرة البحث في عواملها الاجتماعية والاقتصادية، وفي أساليب استغلال بعض النساء أو تجنيدهن ضمن شبكات إجرامية. وبين جهود المكافحة الأمنية والحاجة إلى الوقاية الاجتماعية، تظل، بحسب بوشكيوة، دراسة هذه القضايا مدخلا مهما لفهم تحولات الجريمة في المجتمع الجزائري، بعيدا عن التهويل والتعميم، وبالاعتماد على الوقائع المثبتة والمصادر الموثوقة. ومن جهتها، قالت عتيقة حريشان رئيسة جمعية “حورية” للمرأة الجزائري، إن الجريمة في سياقها العام ارتفعت وسط كل فئات المجتمع الجزائري، من الشباب والرجال والنساء، وهي مرتبطة، بحسبها، بالتغيرات الاجتماعية المتسارعة، وبانتشار تعاطي المخدرات والمهلوسات، وترى إن ناقوس الخطر يدق اليوم حول الضغوطات الاجتماعية والتفكك الأسري، التي باتت تلقي بظلالها على الفرد والمجتمع ككل. وأكد عتيقة حريشان، أن أهمية الأسرة التي نص عليها الدستور، تراجعت عند البعض بفعل تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، هذه التي أصبحت طرفا قويا، مشيرة إلى أن هذه المواقع لعبت دورا إيجابيا في سرعة تداول المعلومة، وفي إطلاع الجزائريين عن الجريمة. وعابت عتيقة حريشان، رئيسة جمعية “حورية”، في السياق، عن تلك السلوكيات التي باتت تتداول وسط العنصر النسوي، جراء التفاخر والبهرجة والتظاهر المادي عبر “التيك توك” و”الفايس بوك”، خاصة بحسبها أن “عقلية” سائدة باتت تعطي قيمة لأصحاب المال والتمظهر دون محاولة البحث عن مصادر الغنى وكسب المادة، وهو ما ساهم في ظهور نساء مجرمات، يسرقن ويمارسن النصب والاحتيال والاتجار بالمخدرات. وذلك، بحسبها، يكون غالبا في حالة نقص الوازع الديني، والقناعة، قائلة إن المرأة هي حامية القيم، وللأسف مرة اليوم بحسبها، الكثيرات ضمن قضايا الإجرام، مضيفة بالقول: “المرأة آخر القلاع، تحمي المجتمع الجزائري، ومن المفروض تكون كذلك مثلما كانت شهيدات ومجاهدات الثورة التحريرية المجيدة”.
المصدر: الشروق