اقتصاد 2027 .. حين تنتهي الحروب وتبدأ معركة البقاء
الحروب لا تنتهي اقتصاديًا يوم تتوقف المدافع، فثمة ديون تراكمت، وأجور تآكلت، ومصانع فقدت أسواقها، وحكومات اعتادت توجيه الموارد إلى الأمن بدل التنمية، ومع اقتراب ٢٠٢٧ يبرز سؤال يتجاوز توقعات النمو، من سيحصل على عوائد السلام، ومن سيواصل دفع فاتورة الحرب؟ فالانتقال من القتال إلى الإعمار لا يلغي الصراع على الموارد، بل ينقله من الجبهة إلى الموازنة، حيث قد يتقدم الدائنون والمقاولون على العاملين والأسر، ولا تكمن المشكلة في أرباح الإعمار بحد ذاتها، بل في غياب قواعد تضمن أن تصنع تلك الأرباح اقتصادًا منتجًا بدل إعادة توزيع المال العام داخل دائرة ضيقة من المستفيدين.في الولايات المتحدة بلغ التضخم ٣٫٧٪ في سبتمبر ٢٠٢٦، مقابل ٢٫٦٪ للتضخم الأساسي، وقفز سعر البنزين ٣٤٫٢٪ سنويًا، هذه الأرقام تجعل الاحتياطي الفيدرالي أمام اختيار مكلف، فالتشديد يرفع تكلفة الاقتراض، والتيسير المتعجل قد يرسخ الغلاء، وما يبدو قرارًا أميركيًا داخليًا ينتقل عبر الدولار وأسواق السندات إلى دول لا تشارك في صنعه، وتتعرض الأسر فيها لضغط مزدوج من الأسعار وخدمة الدين العام، حتى دون تغير أجورها.وفي أوروبا تبدو العودة إلى النمو أقل بساطة من الأرقام، فألمانيا تتوقع توسعًا بنسبة ١٫٣٪ في ٢٠٢٦ و١٫١٪ في ٢٠٢٧، بمساندة الصادرات والاستثمار العام، لكن المشروعات الحكومية لا تتحول تلقائيًا إلى وظائف جيدة أو استثمار خاص دائم، وفي فرنسا ترجح المفوضية الأوروبية نموًا بنسبة ١٫١٪ في ٢٠٢٧ وبطالة تبلغ ٨٫٧٪، بينما يقترب الدين العام من ١٢٠٪ من الناتج، وتزيد ضغوط الموازنة صعوبة الموازنة بين احتياجات السكان والوفاء بالتزامات الدين .والدليل الأقرب إلى حياة الناس لا يأتي من الناتج وحده، ففي تقرير التوظيف لعام ٢٠٢٦ كشفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الأجور الحقيقية، في الربع الأول من العام، بقيت دون مستواها في الربع الأول من ٢٠٢١ لدى ١٣ دولة من أصل ٣٧ شملتها المقارنة، رغم التعافي المسجل في معظم الاقتصادات، أي إن مرور خمسة أعوام لم يكن كافيًا لاستعادة قدرة الشراء في ثلث العينة تقريبًا، وهذه فجوة لا تكشفها عناوين النمو، ولا تعني تراجع أجور الجميع .ويتوقع صندوق النقد نمو الاقتصاد العالمي ٣٫٤٪ في ٢٠٢٧، لكن الاستفادة منه غير متكافئة، فالاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتركز في شركات ودول محددة، بينما تواجه الاقتصادات المستوردة للطاقة تكاليف أعلى وهوامش مالية أضيق، كما أن مشروعات إعادة الإعمار قد ترفع الناتج وأرباح شركات البناء قبل أن تصل ثمارها إلى المجتمعات المنكوبة، خصوصًا إذا ذهبت العقود إلى قلة، أو مولت بقروض تسددها أجيال لم تقرر الحرب أصلًا .وفي مصر مثلًا، يمكن لتحسن عائدات قناة السويس أن يدعم احتياطيات النقد الأجنبي ويخفف الضغط على العملة، لكنه لا يعني ارتفاع دخل العامل فورًا، فالانتقال من الإيراد الخارجي إلى المعيشة يتوقف على الإنتاج وفرص العمل والسياسات الضريبية والإنفاق الاجتماعي، ولهذا يجب التمييز بين قدرة الدولة على سداد التزاماتها وقدرة المواطن على تسديد احتياجاته .وقد يخفف وقف القتال تكاليف الشحن والتأمين ويعيد فتح طرق التجارة، لكن المصانع المدمرة لا تعود بقرار سياسي، والمهارات المفقودة لا تستعاد سريعًا، والديون لا تسقط مع توقيع الاتفاق، بل قد تتضخم بفواتير الإعمار، وهكذا يمكن أن ينخفض سعر النفط بينما تبقى أسعار الغذاء والسكن مرتفعة، لأن انخفاض التضخم يعني تباطؤ الغلاء، لا الرجوع إلى الأسعار القديمة .لهذا ينبغي قياس نجاح التعافي بالأجور الحقيقية ونوعية الوظائف وجودة الخدمات، لا بحركة البورصات وحدها، وأن تخضع عقود الإعمار للشفافية والمنافسة، وتحمى الموازنات الاجتماعية من أن تصبح أول ضحايا خدمة الدين، وتربط الحوافز الاستثمارية بفرص عمل قابلة للتحقق، فالسؤال ليس فقط من يمول السلام، بل من يملك عوائده اقتصاديًا بصورة عادلة، ومن يستطيع مساءلته .قد تنجو الأسواق من الركود في ٢٠٢٧، بينما يبقى الملايين تحت وطأة خسائر الحرب، وعندها لن تكفي الحكومات صورة توقيع اتفاق أو إعلان نمو جديد، لأن السلام الذي لا يغير حياة الناس قد يوقف إطلاق النار دون أن ينهي أسباب الغضب .
المصدر: عمون