شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

جيل يعرف العالم ويجهل نفسه (2-2)

جيل يعرف العالم ويجهل نفسه (2-2)

د. محمد بن عوض المشيخي ** تُعد ظاهرة الترند العالمي وسلطة تأثيرها على الشباب في قراراتهم الشخصية والمهنية من أهم التحولات التي شهدتها المجتمعات المعاصرة في هذه المرحلة؛ إذ إنها تجاوزت الصيحات العابرة لتصبح قوة ضاربة في تغير السلوك واختيار المهن الجديدة التي افرزتها التكنولوجيا الرقمية وخوارزمياتها؛ فهي تتكرر وتعاد كوسوم محببة للجماهير. الخوارزميات المزودة بالذكاء الاصطناعي قد احكمت سيطرتها على تفاصيل الحياة اليومية للأجيال الجديدة؛ فإذا نظرنا إلى من يسيطر على المضامين المعبرة عن الترندات اليومية وتأثيراتها على الجانب المهني للجيل الصاعد؛ نجدها حاضرة بقوة في المنصات الرقمية المختلفة التي بدورها تشجع الاخرين على اختيار المسارات الوظيفية الأكثر رواجًا وانتشارًا في شبكات العالم الافتراضي من مهن جديدة لم تكن موجودة من قبل ولكنها تتصدر يوميًا الترندات العالمية؛ فالشباب الخليجي اليوم يقود المشهد العالمي فمن هاوٍ ومستكشفٍ إلى محترفٍ وصاحب وظيفة تُدِر له مبالغ خيالية؛ حيث ظهر اقتصاد المُبدعين ما بين هؤلاء الشباب مُسجِّلًا في هذا العام 2026 أكثر من 60 مليار دولار أمريكي؛ وذلك كرافد يدعم خطط تنويع مصادر الدخل بعيدًا عن الطاقة الاحفورية؛ النفط والغاز اللذان يسيطران على معظم إيرادات الدخل القومي في دول المنطقة. وتتجلى اتجاهات الشباب نحو الوظائف ذات العائد المادي مثل "التجارة الالكترونية وصناعة المحتوى الرقمي والبرمجيات"، بحيث أصبح لهؤلاء الشباب علاماتهم التجارية ذات الشهرة العالمية؛ إذ يتم استقطاب الأرقام الفلكية من المشاهدين، وتستحوذ الهواتف الذكية على 70 بالمائة من سوق الإعلانات، بينما تعد أرباح العاملين في هذا القطاع في دول الخليج ما بين 1000 دولار للمبتدئين إلى أكثر من 100 الف دولار أمريكي شهريًا، وقد يصل إلى الرقم للملايين لعدد قليل من المشاهير الذين لهم خلفية إعلامية، ونجحوا في الترويج لشركات ذات علامات تجارية دولية. ومن أهم التحديات التي تواجه المهن الجديدة، عدم ضمان استدامتها على المدى البعيد، كما أن معظم الملتحقين بالسوق الإلكترونية لا يملكون المهارات والتدريب المتقدم في تلك المجالات المهنية التي يمكن القول عنها إنها "وظيفة من لا وظيفة له"، على الرغم من أنها سريعة الربح وسهلة، ولا تتطلب في أحوال كثيرة الوقوف فقط أمام كاميرات الهواتف والحديث بشكل تلقائي عن منتج أو بضاعة معينة، أو الترويج لفكرة سياسية أو دينية. هكذا نجح صُنَّاع المحتوى في إطلاق مشاريعهم الواعدة الخاصة بهم كالأزياء والعطور والألعاب الإلكترونية، معتمدين على الوسوم التي تُعبِّر عن علاماتهم التجارية التي يقودها المتابعون من جمهورهم الخاص والعام؛ إذ أصبح نجاح المؤثرين أو المشاهير مرتبطًا بالتسويق لأنفسهم في المنصات الرقمية؛ مما جعل هذا التواجد الدائم يمنحهم قوة ناعمة وشرطًا أساسيًا للحصول على الترقيات والمكاسب في مجال العمل. وظهر مفهوم "الهوس بالإنتاجية"؛ فانتشار الوسوم التي تصل إلى الترندات التي تُقدِّس العمل والإنتاجية المفرطة، دفع المشاهير لاتخاذ قرارات تضغط على صحتهم النفسية والجسدية لتلبية متطلبات معايير النجاح الرقمي. وقد ارتبط هذا البعد المهني بمنظورين رئيسيين؛ أحدهما إيجابي ويتمثل في تحفيز ريادة الاعمال وتشجيع الكوادر الشابة على تأسيس مشاريعهم الخاصة بدخول سوق العمل بدعم مالي من الحكومات الخليجية. فيما يظهر في الافق الجانب السلبي الذي يتجلى في ثقافة الاستهلاك التي ترتبط بزخم الإعلانات التجارية التي تشكل ضغط كبير على المجتمع. هكذا هي سُلطة التأثير الرقمي على القرارات الشخصية للأجيال المتعاقبة، والتي أفرزت أنماطًا جديدة للحياة التي نعيشها من خلال فرض معايير محددة قد لا تكون مناسبة لنا: كالسفر ومواصفات الجمال واللباس والغذاء؛ مما يدفع جيل الشباب لتبنى خيارات قد لا تُمثِّل احتياجاتهم الحقيقة؛ بل تأتي من باب التقليد ومواكبة التطورات الجديدة. وبالفعل هناك ظواهر عديدة أصبحت سائدة بين الشباب تتمثل في اقتناء واستهلاك الجديد في ما أنتجته المصانع من أجهزة وهواتف ذكية ومتابعة آخر الصيحات في الأزياء التي تظهر على الدوام في المنصات، وتوصل صاحبها إلى الترند بسبب ترويج المشاهير بدون توقف، والأهم من ذلك كله تشكيل القناعات وتثبيتها من خلال ما يُعرف بغرف الصدى (Echo Chambers) التي تقوم بالترويج للمضامين والأفكار المنتشرة بقوة عبر المنصات ومحاولة إضفاء عليها الجانب الإيجابي؛ بحيث يضعف الجانب النقدي الذي يعتمد على مقاييس منطقية في الرجوع للعقل والبصيرة. وتبرز أهمية توجيه الشباب وتثقيفهم في كيفية التعامل الايجابي مع وسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات الإعلام الرقمي بشكل عام، والانتقال من استهلاك ما يُنشر والايمان المطلق بتلك المشاهد التي تخترق عقول الجماهير، إلى مرحلة الانخراط والمشاركة الفعلية في إنتاج مضامين هادفة معبرة عن قضايا الشباب وكذلك عن ثقافتنا وتقاليدنا الإسلامية، بأسلوب عصري وجذاب لكي لا نُصنَّف في خانة الانعزال أو الانغلاق عن العالم، وبدلًا من ذلك نعمل بجهود مضاعفة لتمكين شبابنا من المساهمة في الفكر الإنساني؛ فالتكنولوجيا أصبحت في متناول الشباب وجهاز الهاتف الذكي المزود بالكاميرات ولوحة كتابة، قد تحولت إلى منصة للإنتاج ومحطة متكاملة تتوفر فيها عناصر الرسائل الإعلامية التي يفترض أن تكون جذابة ومقنعة. وعملية الضبط والسيطرة على الصور والمقاطع المرئية لحماية الهوية والثقافة الوطنية لم تعد الخيار المناسب في منع بعض المواقع غير المرغوب فيها، لأن ذلك لا يحل المشكلة؛ فلا أحد اليوم يستطيع السيطرة على ملايين القنوات والمواقع التي يُراد لها ان تصل إلى كل ركن من اركان هذا الكوكب الذي اصبح سكانه مستهلكين ومدمنين للترندات التي لا تتوقف لحظة وتطارد الانسان من الصباح الباكر حتى يأوي إلى فراشه آخر الليل! لذا يجب أن يكون الخيار هنا التوعية واقناع المجتمع وخاصة الشباب بمنهجية وقاعدة القياس والنقد وتفكيك المقاطع المتداولة؛ لتجنب الوقوع في المحظور فهذا هو الاجدر بالشباب العُماني. إن الاهم هو تمكين الأجيال الصاعدة من أدوات التربية الإعلامية الرقمية التي تعد جواز السفر النافذ لحمايتهم من التدفق المعلوماتي الهائل الذي أصبح خارج السيطرة؛ فالتمييز بين الغث والسمين في عصر التضليل وانتشار الشائعات، بات مطلبًا لا غنى عنه لحماية عقول الناشئة من الضياع في غياهب العالم الافتراضي. وقد توصل الخبراء إلى رسم استراتيجية ناجحة تكشف وتفكك ما يتم تداوله في الوسوم من مضامين ومشاهد عبر المواقع الإلكترونية في شبكة الانترنت من خلال النقاط الآتية: طرح الأسئلة الخمسة الأساسية لتدريب الشباب على الاستقصاء وفهم ابعاد المضامين الإعلامية من خلال: أولًا: من صانع القصة؟ وما الهدف منها؟ ومن الجمهور المستهدف؟ ما الجانب الاخر المُغيَّب في تلك القصة؟ وأخيرًا: كيف يمكن فهم هذه الرسالة بشكل مختلف؟ كما أن هناك ما يعرف بالبحث العكسي عن الصور المزيفة في بعض المواقع مثل TinEye وGoogle Images. وهناك ما يُعرف بالبصمة الرقمية، التي هي عبارة عن بوصلة الوعي التي يفترض بأي شاب أن يدرك ما ينشره أو يعلق عليه يؤثر على مستقبله المهني والشخصي معا، كما يجب تجنب خطاب الكراهية، والتفكير أكثر من مرة قبل المشاركة في إعادة نشر أي موضوع متداول والتأكد من مصداقيته وصدقه، لكي لا نساهم دون أن ندري في نشر الشائعات والأكاذيب والنميمة بين الناس. وفي الختام.. حان الوقت لوضع استراتيجية إعلامية واضحة تهدف إلى تعزيز الهوية الوطنية من خلال إنتاج محتوى مرئي يتماشى مع القيم الدينية والثقافية العُمانية، ولا يمكن يتحقق ذلك إلّا بدعم المؤسسات التعليمية والبحثية؛ لتعزيز الوعي الثقافي والاجتماعي في المجتمع لحماية هذا الإرث الثقافي من التحديات المعاصرة. ** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

المصدر: الرؤية