وطن الأنقياء
عائض الأحمد يحدثني ذاك الشيخ الوقور، دون أن يعلم من أنا، أو ماذا أريد، أو من كان معي حاضرًا يستمع إلى حديثه، فيقول: في سنواتٍ مضت، كنا نقاتل ونتقاتل من أجل البقاء، بحثًا عن قوت يومنا، نجوب التلال والصحاري والوديان، نتجرّع قسوة الحياة، ونصبر على الجوع، ونتمسّك بالأمل في غدٍ أفضل. وبين عشيّةٍ وضحاها، أتانا فارسٌ، فوحّد شتاتنا، وجمع كلمتنا، وأرسى دعائم وطنٍ أصبح لنا هويةً وكرامةً وعزّة. فأورثنا وطنًا مترامي الأطراف، تتوارث الأجيال حبّه، وتحمل اسمه بفخر، وتعيش على أرضه بكرامة، وتعتزّ بانتمائها إليه، وتتحمّل مسؤولية الحفاظ على إرثه ومكتسباته. وكل هذا يرعاه قادةٌ يحملون مسؤولية وطنٍ عظيم، ويمضون به نحو مستقبلٍ يليق بأرضه وشعبه وتاريخه. ثم قال الشيخ: أبنائي، حينما أسمع بغدر عدو، أو تطاول طائش، أضحك وأحزن. أتدرون لماذا؟ أحزن على «منفلتٍ» لا يدرك إلى أين تقوده أفعاله، وعلى من يظن أن الإساءة إلى أسياده بطولة، وأن التنكّر لما قدّموه له شجاعة، متناسيًا أن ما ينعم به اليوم لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة وطنٍ احتضنه، وأمنٍ رعاه، وخيرٍ امتدّ إليه. وأضحك على أولئك الذين يصفّقون من بعيد، فرحًا وشماتةً، لكل من يحاول النيل من هذا الوطن، وهم أكثر من يعلم أن الشوكة التي يتمنّون غرسها في خاصرته لن تقف عند حدودها؛ فالأوطان لا تُؤذى وحدها، بل يمتدّ أذاها إلى كل من يعيش على أرضها. إنها همجية الإنسان حين يعتقد زورًا أنه أكبر ممن وُلد قبله، وربّاه، ورعاه، وآواه، وعطف عليه، وأخذ بيده حتى وقف على قدميه؛ ثم ينقلب عليه، ويتنكّر لفضله، متوهّمًا أن الإساءة إلى من أحسن إليه ضربٌ من البطولة. ومما يثير العجب أن ترى من يقف بعيدًا عن هذا الوطن، متوهّمًا أن المسافات تُضعف عزيمته، أو أن حملات التشويه تنال من تاريخه، أو أن الشماتة بما يواجهه تصنع نصرًا لأصحابها. يا هؤلاء، إنّ هذا الوطن لم تقم دعائمه على أوهامكم، ولم تصنع أمجاده ألسنتكم، ولم يكن أمنه واستقراره رهينًا بما تتمنّونه له. إنه وطنٌ له جذورٌ ضاربة في التاريخ، وقيادةٌ تحمل مسؤولية حمايته، وشعبٌ يعرف قدر أرضه، ويتمسّك بولائه، ولن تنال منه ضوضاء العابرين. هذه هي المملكة العربية السعودية؛ حكاية أرضٍ لم تستسلم لقسوة الحياة، وشعبٍ لم يفقد إيمانه بغده، وقيادةٍ حملت مسؤولية البناء والتوحيد، حتى أصبح لنا وطنٌ نفخر به، ونعيش في أمنه، ونحمل اسمه حيثما اتجهنا. بلادي هي الوطن الأكبر، والحاضن الذي يستقبلكم؛ فما هكذا يُرَدّ له الجميل، ولا يكون الوفاء بالتنكّر لتاريخه أو الوقوف مع من يسعى إلى النيل منه. فمن لا يعرف كيف كان الوطن، لن يدرك حقًّا ما يعنيه أن يكون وطنًا. ومن لا يرى في أمنه وكرامته نعمةً تستحق الوفاء، فليتأمّل قليلًا في أحوال من فقدوا أوطانهم، قبل أن يصفّق لمن يهدّد وطنه. لم أعتد الخوض في الصراعات، ولا الحديث عن كواليسها، لكنني أقول لمن يحاربون وطني اليوم من الخارج، ولمن يصفّقون لهم فرحًا وشماتةً: رويدكم، رويدكم؛ فنحن هنا، فماذا أنتم فاعلون حينما نُقصيهم؟ وبأي وجهٍ ستظهرون حينها؟ أُفٍّ لكم، وإن لم تكفِ، فثكلتكم أمهاتكم! رهانكم خاسر كوجوهكم القَتَرَة. لهم: اِقْطَعْ لسانَكَ قبل أن تَقْطَعَ به أخاكَ الأكبر. شيء من ذاته: ينظر إلى الأعلى، حاملًا معوله الصدئ، معتقدًا أنه سيصل إلى مبتغاه، ناسيًا أن قامته أقصر من أن تبلغه. نقد: الغباء يولد مع البعض، والبعض أيضًا يشتريه.
المصدر: الرؤية