الاقتصاد الفضي في الفضاء الاقتصادي العربي (2-6)
عبيدلي العبيدلي ** الإطار القيمي الإسلامي للمفهوم تنسجم روح الاقتصاد الفضي بجانبيه الرعائي والتشاركي مع المنظومة القيمية الإسلامية. فالقرآن الكريم يقرر في سورة الروم أن الشيخوخة مرحلة طبيعية من مراحل الحياة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾، ويجعل الإحسان إلى الوالدين عند الكبر مقرونًا بالتوحيد. وفي السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا»، وقوله: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم». والإكرام في هذه النصوص لا يقتصر على الرعاية المادية، بل يشمل معرفة "شرف" الكبير، أي تقدير خبرته ومكانته، وهو ما يلتقي مع الاتجاه التشاركي الذي يرى في كبار السن رأس مال بشريًا ومعرفيًا. حجم الاقتصاد الفضي يتفاوت تقدير حجم الاقتصاد الفضي بحسب التعريف المعتمد وطريقة الحساب، غير أن التقديرات المختلفة تتفق على أنه من أكبر الكتل الاقتصادية في العالم وأسرعها نموًا. 1. على المستوى العالمي يعد تقرير "آفاق اقتصاد طول العمر العالمي" الصادر عن جمعية المتقاعدين الأمريكية عام 2022 أشمل تقدير متاح، وخلص إلى أن مساهمة من تجاوزوا الخمسين، البالغة 45 تريليون دولار عام 2020، يتوقع أن ترتفع إلى 118 تريليون دولار أو 39% من الناتج العالمي بحلول العام 2050. واستحوذت هذه الفئة عام 2020 على نصف الإنفاق الاستهلاكي العالمي تقريبًا (35 تريليون دولار)، ويتوقع أن تبلغ حصتها نحو 60% (96 تريليون دولار) في العام 2050، وكانت مسؤولة عن 60% من الإنفاق العالمي على الصحة، و52% من الإنفاق على الخدمات المهنية والمالية، و51% من الإنفاق على السكن والمرافق. ودعم إنفاقها ما يزيد قليلًا على مليار وظيفة، أي ثلث وظائف العالم، بدخل عمل قدره 23 تريليون دولار، ويتوقع أن يدعم 1.5 مليار وظيفة بحلول عام 2050. 2. الاتحاد الأوروبي قدّر التقرير الذي أُعد لحساب المفوضية الأوروبية أن الاقتصاد الفضي في الاتحاد بلغ نحو 3.7 تريليونات يورو عام 2015، وتوقع أن يصل إلى 5.7 تريليونات يورو في العام 2025، ما يجعله -لو كان دولة مستقلة- ثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين. كما قدّر أنه كان يدعم 78 مليون وظيفة عفي الام 2015، ترتفع إلى 88 مليونًا عام 2025، أي ما يقارب 40% من إجمالي التوظيف في الاتحاد. 3. الصين بلغ عدد من تجاوزوا الستين نحو 297 مليون نسمة نهاية عام 2023، أي 21.1% من السكان، وتجاوز 320 مليونًا نهاية عام 2025، ويتوقع أن يتخطى 400 مليون بحلول 2035. ويقدر حجم اقتصادها الفضي بنحو 7 تريليونات يوان (قرابة تريليون دولار)، أي نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقع بلوغه 30 تريليون يوان أو نحو 10% من الناتج بحلول عام 2035. 4. المنطقة العربية لا يتوافر حتى الآن تقدير رسمي موحد لحجم الاقتصاد الفضي في المنطقة العربية، وهو غياب يدل على حداثة المفهوم في سياساتها. غير أن المؤشرات الديموغرافية تكشف حجم الطلب الكامن، وإن اختلفت أرقامها بحسب الحد العمري المعتمد (60 أو 65 عامًا) وتاريخ الإسقاطات. فوفق تقديرات الإسكوا بلغ عدد من هم في الخامسة والستين فأكثر 20.8 مليونًا عام 2020، أي نحو 4.8% من السكان، ويتوقع أن يبلغ 71.5 مليونًا، أي نحو 10.6%، عام 2050. وتذهب تقديراتها المحدثة إلى أن عدد كبار السن بلغ نحو 36 مليونًا عام 2025 (نحو 7%)، وسيصل إلى نحو 94 مليونًا (نحو 13%) عام 2050. أما إذا اعتُمد حد الستين، فقد كان العدد نحو 26.5 مليونًا عام 2015 (نحو 7%)، ويتوقع أن يتجاوز 100 مليون (نحو 15%) عام 2050. وتدل هذه الأرقام، على اختلاف مصادرها، على أن عدد كبار السن في المنطقة العربية سيتضاعف ثلاث إلى أربع مرات خلال ثلاثة عقود، وهي وتيرة أسرع بكثير من المتوسط العالمي. وستبقى المنطقة أصغر سنًا من المتوسط العالمي الذي ستبلغ فيه نسبة من تجاوزوا الستين نحو 22% عام 2050، لكنها ستواجه سرعة تحول تفوق قدرة مؤسساتها الحالية على التكيف. قراءة في دلالات الأرقام تكشف الأرقام السابقة ثلاث حقائق أساسية. الأولى أن الاقتصاد الفضي ليس قطاعًا هامشيًا، بل هو ثلث الاقتصاد العالمي تقريبًا إذا احتُسب وفق منهج "اقتصاد طول العمر". الثانية أن نموه مضمون ديموغرافيًا لأن من سيكونون كبار السن عام 2050 قد ولدوا بالفعل، وهو ما يجعله من أكثر الأسواق قابلية للتنبؤ. الثالثة أن الفجوة بين الحجم الديموغرافي والحجم الاقتصادي في المنطقة العربية واسعة، إذ إن تضاعف عدد كبار السن لا يعني تلقائيًا تضاعف قوتهم الشرائية ما لم تتوسع أنظمة المعاشات والادخار. نشأة الاقتصاد الفضي تشكل الاقتصاد الفضي عبر أربع مراحل متعاقبة انتقل فيها النظر إلى الشيخوخة من كونها قضية رعاية اجتماعية إلى كونها فرصة اقتصادية. المرحلة الأولى: الجذور اليابانية (السبعينيات والثمانينيات) تعود البدايات العملية للمفهوم إلى اليابان. ففي عام 1973 خصصت السكك الحديدية الوطنية اليابانية مقاعد لكبار السن سمّتها "المقاعد الفضية" (Silver Seats)، ومن هنا شاع استعمال اللون الفضي وصفًا لكل ما يتعلق بكبار السن. وأدرك المصنعون اليابانيون مبكرًا أن تصميم منتجات سهلة الاستعمال لكبار السن يوسع السوق لجميع الفئات، وهو ما عرف لاحقًا بمبدأ "التصميم الشامل". المرحلة الثانية: التأطير الأممي (1982-2002) عقدت الأمم المتحدة أول جمعية عالمية للشيخوخة في فيينا عام 1982 بتركيز على الأبعاد الإنسانية والاجتماعية. ثم اعتمدت الجمعية العالمية الثانية في مدريد عام 2002 "خطة عمل مدريد الدولية للشيخوخة" التي أحدثت نقلة نوعية، إذ دعت إلى النظر إلى كبار السن بوصفهم مشاركين في التنمية ومستفيدين منها. وفي العام نفسه تبنت جامعة الدول العربية بالتعاون مع الإسكوا "الخطة العربية للمسنين حتى عام 2012"، أول إطار إقليمي عربي لقضايا الشيخوخة. المرحلة الثالثة: التحول الاقتصادي للمفهوم (2005-2018) انتقل المفهوم في هذه المرحلة من أروقة السياسات الاجتماعية إلى دوائر الاقتصاد والأعمال. فأكاديميًا، خلص بلوم وكانينغ وفينك إلى أن الآثار السلبية للشيخوخة في النمو ليست قدرًا محتومًا، إذ يمكن تخفيفها بزيادة مشاركة كبار السن في سوق العمل وإصلاح أنظمة التقاعد. وعلى صعيد السياسات، أعلن الاتحاد الأوروبي عام 2012 "السنة الأوروبية للشيخوخة النشطة والتضامن بين الأجيال"، ثم تبنت المفوضية الأوروبية مصطلح "الاقتصاد الفضي" رسميًا ضمن استراتيجياتها للنمو، وتوجته بتقريرها المرجعي عام 2018. المرحلة الرابعة: المأسسة والاستراتيجيات الوطنية الشاملة (2020 حتى اليوم) أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 2020 الفترة 2021-2030 "عقد الأمم المتحدة للشيخوخة الصحية" بقيادة منظمة الصحة العالمية. وبلغت المأسسة ذروتها في يناير 2024 حين أصدر المكتب العام لمجلس الدولة الصيني أول وثيقة وطنية مخصصة بالكامل للاقتصاد الفضي، تضمنت 26 إجراءً في أربعة محاور، ونصت على إنشاء نحو عشرة مجمعات صناعية للاقتصاد الفضي. ** خبير إعلامي
المصدر: الرؤية