نوبل للسلام تكشف انفجار الغرب من الداخل!

يبدو أن الغرب اليوم بدأ ينقسم على ذاته بعد أن بسط الشرق سيطرته ورؤيته وحضارته على شرق الكرة الأرضية إلى غاية آسيا الغربية. لم تعد الصراعات الداخلية بين القوى الغربية المتصارعة مجرد تنافس سياسي في إطار النظام الديمقراطي القائم، بل باتت تمثل رؤى متضاربة داخل البيت الواحد. والأكثر خطورة أن هذه القوى المتضاربة جميعها في حالة صعود وتنامي حدّية الخلاف بينها يوما يعد يوم. من جهة، نجد اليمين المتطرف الذي بات يحكم في أكثر من عاصمة أوروبية وفي الولايات المتحدة وأستراليا، ومن جهة أخرى، القوى الشعبية بمختلف اتجاهاتها، المناهضة للتغول الرأسمالي والمتعاطفة مع الشعوب والحضارات الأخرى ومع قضاياها العادلة. في الولايات المتحدة، يمثل الاتجاه الأول التيار الحاكم اليوم بقيادة الرئيس ترامب الذي له وجهة نظر مختلفة عن الآخرين في مجال السياسة الداخلية والخارجية والنظام والقانون الدوليين، ويمثل الاتجاه الثاني القوى الشعبية الأخرى سواء أكانت منضوية تحت لواء الحزب الديمقراطي أو مستقلة عنه في رمزية زهران ممداني حاكم مدينة نيويورك الواضحة مواقفه من النظام الدولي والسياسة الداخلية ومن المهاجرين والهجرة إلى الولايات المتحدة.
وتأتي القضية الفلسطينية وما يحدث في قطاع غزة والموقف من الكيان الصهيوني وقرار الجنائية الدولية ضد مجرم الحرب نتنياهو ومن معه، وقرار منح جائزة “نوبل” للسلام بالذات للجنوب إفريقية السيدة نافي بيلاي (بما يحمل ذلك من مغزى) بدل رموز سياسية ودولية أخرى لتقدم لنا جميعها مؤشرات على طبيعة الانفجار الداخلي الذي يحدث في الغرب الرأسمالي.
ويبدو أن هذه الجائزة بالذات تقدم لنا المؤشر الأكثر وضوحا على ما يحدث داخل مجموعة الدول الرأسمالية التي تشكّل قلب ما كان يعرف سابقا بالنظام العالمي الغربي وكيف أننا نعيش حاليا مرحلة مختلفة عما عرفناه سابقا من تطورات.
أولا، لم يعد هذا النظام عالميا – كما كان يسمّى- يحكمه نمط حكم غالب وأيديولوجية وقيم مهيمنة، بل بات نظاما متعدد الأقطاب ترمز الصين بقوتها الاقتصادية والتكنولوجية إلى جزء منه وهي خارج الغرب تماما. وثانيا، لم يعد هذا النظام نتيجة ذلك غربيا وحّدته العولمة كما اعتقد منظروه مع بداية تسعينيات القرن الماضي على إثر نهاية الاتحاد السوفياتي وتحوله إلى روسيا الفيديرالية.
وثالثا: لم تعد المجموعة الغربية النواة الصلبة له منسجمة مع نفسها.
بالأمس، “كندا” باتت لها مواقف متباينة بوضوح مع السياسة الأمريكية. وإسبانيا تميزت بمواقفها القوية عنها رافضة مجاراتها في حربها على إيران، وقبلها واقفة بحزم ضد الإبادة الجماعية التي قام بها ومازال الكيان الصهيوني في غزة… واليوم تتخذ مؤسسة جائزة “نوبل” ذات الصيت العالمي قرارها التاريخي بمنح الجائزة إلى من أدانت جرائم الكيان الصهيوني في غزة وقدّمت الدليل للجنائية الدولية لتصدر قرارها باعتبار نتنياهو ومن معه مجرمي حرب ينبغي محاكمتهم.
وهذا ليس بالتحول الهين في العلاقات الدولية. إنه يشير إلى أن الولايات المتحدة لم تعد تخيف بعقوباتها وقوتها العسكرية لا إيران ولا اليمن ولا الجنائية الدولية!
إننا نعيش بالفعل نهاية حقبة إمبراطورية وبداية تفكّك كتلة غربية هيمنت على العالم لعدة قرون.
يبقى فقط أن نعلم أن هذا الانفجار الداخلي للغرب قد يدفع ببعض حكوماته المتطرفة الآن أو التي ستحكم مستقبلا، إلى التفكير في استعادة مواقعها السابقة بالقوة العسكرية كما فعلت في القرون الثلاثة الأخيرة، ولكنها لن تستطيع ذلك ذلك أنها إن فعلت، ستدفع بنفسها إلى الانفجار من الداخل بوتيرة أسرع، وعندها سيستعيد كل صاحب حق حقه كما حدث عند نهاية موجة الاستعمار الأولى وذلك في تقديرنا أرجح، وتلك مساحة الأمل….
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post نوبل للسلام تكشف انفجار الغرب من الداخل! appeared first on الشروق أونلاين.
المصدر: الشروق