متى يلمس المواطن ثمار التنمية؟
د. سالم بن عبدالله العامري يمثل إصدار وزارة الاقتصاد مجلد البرامج الاستراتيجية للخطة الخمسية الحادية عشرة (2026-2030)، التي تضم 190 برنامجًا استراتيجيًا ضمن أربعة محاور رئيسية لرؤية «عُمان 2040»، خطوة مهمة في مسار التخطيط التنموي، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تعدد البرامج والأهداف، بل في قدرة الجهات المعنية على تحويلها إلى نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطن والمقيم. فالمواطن لا يقيس نجاح الخطط بعدد البرامج المعتمدة، وإنما بقدرته على الحصول على فرصة عمل مناسبة، وتحسين دخله، ومواجهة الأعباء المعيشية، والحصول على خدمات حكومية ذات جودة أعلى، والشعور بأن التنمية تفتح أمامه وأمام أبنائه آفاقًا أفضل للمستقبل. كما أن المقيم يتطلع إلى خدمات ميسرة، وبيئة عمل مستقرة، وإجراءات واضحة، ومستوى معيشي يتيح له أداء دوره في المجتمع والاقتصاد. ومن هنا، فإن نجاح الخطة يتطلب ربط أهدافها الاستراتيجية بالتحديات اليومية التي تواجه المجتمع، وفي مقدمتها توفير فرص عمل مستدامة تتناسب مع مؤهلات الشباب، وتعزيز مواءمة التعليم والتدريب مع احتياجات سوق العمل، وتحفيز القطاع الخاص على الاستثمار في مشروعات ذات قيمة مضافة، لا تقتصر آثارها على العوائد الاقتصادية، بل تمتد إلى التوظيف وتطوير الكفاءات الوطنية ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. فالنمو الاقتصادي لا يكتمل أثره ما لم يتحول إلى فرص حقيقية لتحسين الدخول وتعزيز الاستقرار المعيشي. وفي ظل الضغوط المرتبطة بتكاليف السكن والغذاء والنقل والخدمات، تبرز أهمية أن تتكامل السياسات الاقتصادية مع الإجراءات التي تعزز كفاءة الإنفاق العام، وتحسن جودة الخدمات الأساسية، وترفع كفاءة استخدام الموارد، وتزيد قدرة الأسر على الاستفادة من ثمار التنمية. فالمطلوب ليس مجرد تحقيق معدلات نمو اقتصادي، بل ضمان انعكاس هذا النمو على جودة الحياة بصورة يشعر بها الناس في واقعهم اليومي. كما أن التنمية المنشودة لا ينبغي أن تظل متركزة في مناطق أو قطاعات محددة، بل يجب أن تمتد آثارها إلى مختلف المحافظات، وفق احتياجاتها وميزاتها النسبية. ويستدعي ذلك توجيه الاستثمارات إلى المجالات التي تملك فيها المحافظات فرصًا حقيقية للنمو، وتطوير البنية الأساسية والخدمات، وتمكين المؤسسات المحلية، وخلق فرص عمل تستفيد منها المجتمعات المحيطة بالمشروعات. فالمحافظة التي تمتلك مقومات سياحية أو زراعية أو صناعية ينبغي أن تتمكن من تحويل تلك المقومات إلى فرص اقتصادية مستدامة، مع حماية مواردها الطبيعية وضمان استفادة السكان من عوائد التنمية. إن التحدي الأهم أمام الخطة الخمسية الحادية عشرة ليس نقص الطموحات، بل ضمان التنفيذ الفاعل والتكامل بين الجهات المعنية، والاستجابة للتحديات التي يلمسها المواطن والمقيم. وهذا يتطلب الاستماع إلى المجتمع، والاستفادة من ملاحظاته، ومعالجة أوجه القصور أولًا بأول، وتوجيه الموارد نحو البرامج الأكثر تأثيرًا في حياة الناس. وفي المحصلة، فإن نجاح الخطة لا ينبغي أن يُقاس بعدد الاستراتيجيات والبرامج التي أُعدّت، بل بما ستحدثه من تحسن في فرص العمل، ومستوى المعيشة، وجودة الخدمات، وعدالة توزيع الفرص التنموية بين المحافظات؛ فالتنمية الحقيقية ليست ما تحققه الخطط على الورق وحسب، بل أيضًا ما يلمسه الإنسان في حياته اليومية، وحين تتحول الأهداف إلى فرص، والبرامج إلى خدمات أفضل، والنمو الاقتصادي إلى استقرار معيشي، عندها فقط تصبح الاستراتيجية إنجازًا يشعر به الجميع.
المصدر: الرؤية