22 إطارا متهما بالتقاعس عن حماية العقار الفلاحي في البليدة
رصد 519 مخالفة و1873 مستثمرة فلاحية تحت المجهر لم تعد الاعتداءات على الأراضي الفلاحية بسهول متيجة مجرد تجاوزات متفرقة، بل تحولت، وفق ما كشفه تحقيق قضائي انطلق أواخر سنة 2021، إلى ملف ثقيل تتداخل فيه شبهات التقاعس الإداري وضعف الرقابة وتغيير الطابع الفلاحي لأراضي الدولة. ففي ولاية البليدة، حيث تمتد 1873 مستثمرة فلاحية عبر 22 بلدية، رصدت التحريات 519 إخلالا خلال الفترة الممتدة من 2015 إلى 2024، شملت بنايات فوضوية وتجزئات سكنية غير مرخصة وتحويلات غير قانونية للعقار الفلاحي. يواجه 22 إطارا ومسؤولا وموظفا عموميا، بينهم مسيّرون لأراضي الدولة، تهما تتعلق بالتقاعس والتساهل المؤديين إلى التعدي على الأراضي الفلاحية التابعة لأملاك الدولة، واستغلال الوظيفة وإساءة استعمالها عمدا على نحو يخرق القوانين والتنظيمات، وفق ما ورد ضمن معطيات التحقيق، الذي انتهى إلى إحالة المتهمين على محكمة الجنح للمحاكمة خلال الأسبوع الجاري. التحقيق انطلق أواخر 2021 وشمل التسيير الإداري والمالي تعود وقائع التحقيق إلى 28 ديسمبر 2021، حين باشرت الضبطية القضائية بمصلحة البحث والتحري للدرك الوطني بالبليدة، تحرياتها بشأن نشاطات المسؤولين المحليين التابعين لوزارة الفلاحة عبر بلديات الولاية، من خلال فحص جوانب التسيير الإداري والمالي والمعاملات التجارية، وكيفيات منح الصفقات والاتفاقيات المتعلقة بالاستيراد والتخزين والتسويق والتموين والتوزيع، إلى جانب آليات المراقبة والإنتاج والتسويق. كما امتدت التحريات إلى طرق تسيير العقار الفلاحي واستغلاله ومنحه والتنازل عنه للخواص، والأساليب المنتهجة للتلاعب بغرض تحويل المواد عن وجهتها الأصلية، وكيفيات توزيع قرارات الاستفادة من الأراضي الفلاحية ومدى التزام المستفيدين بتجسيد استثماراتهم وفق الشروط المحددة، فضلا عن طبيعة علاقاتهم بأصحاب المال والمستثمرين والوسطاء، وكذا ممتلكاتهم. وشملت التحقيقات معاينات ميدانية بالتنسيق مع مختلف المصالح المعنية بتسيير القطاع الفلاحي، واستغلال الوثائق والسجلات الإدارية، وسماع المسؤولين والموظفين المكلفين بمراقبة الأراضي الفلاحية وحمايتها وتسييرها، لاسيما المستثمرات الحائزة على عقود امتياز التابعة لأملاك الدولة بولاية البليدة، إلى جانب الاستماع إلى عدد من مستغلي المستثمرات الفلاحية. مسؤولون قيدوا شكاوى وإعذارات… وقصور في الردع وبحسب ما خلص إليه التحقيق، أكد المسؤولون الذين جرى سماعهم أنهم اتخذوا إجراءات إدارية لمواجهة التجاوزات، تمثلت في رفع شكاوى وتقارير وتوجيه إعذارات إلى المخالفين. غير أن هذه التدابير اعتُبرت غير كافية بالنظر إلى حجم الاعتداءات التي طالت العقار الفلاحي، إذ استمرت، على مدار سنوات، عمليات تغيير طبيعة الأراضي وإنجاز تجزئات سكنية وتشييد بنايات من دون رخص، فضلا عن تحويل بعض الأوعية العقارية الفلاحية إلى عقارات ذات طابع صناعي. وسجل التحقيق أن تصريحات عدد من المسؤولين تضمنت، وفق تقييم جهات التحقيق، محاولات للتملص من المسؤولية الملقاة على عاتقهم باعتبارهم مكلفين بحماية الأراضي الفلاحية ومراقبتها، ولاسيما تلك الحائزة على عقود امتياز، مع إلقاء المسؤولية على جهات أخرى، من دون اتخاذ إجراءات ردعية كافية أو متابعة فعلية لتنفيذ التدابير المتخذة. ومن بين أوجه القصور المسجلة عدم المتابعة الجدية لتنفيذ قرارات هدم البنايات غير الشرعية الصادرة عن السلطات المحلية والإدارية، وعدم تفعيل الإجراءات المتعلقة بسحب عقود الامتياز أو توجيه الإعذارات ومتابعة تنفيذها، إلى جانب عدم رفع تقارير استعجالية بالقدر المطلوب إلى والي الولاية والسلطات الإدارية بشأن التعديات المسجلة وعدم تنفيذ القرارات المتخذة في شأنها. كما أشار التحقيق إلى غياب المتابعة الدورية الكافية للمناطق التي تعرف انتشارا واسعا للاعتداءات على الأراضي الفلاحية، وعدم برمجة خرجات ميدانية مشتركة بصورة منتظمة، فضلا عن تسجيل إهمال واضح تمثل في ضياع بعض السجلات والوثائق ذات الأهمية. وتكتسي القضية أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة الفلاحية لولاية البليدة، التي تتمتع بموقع استراتيجي لقربها من الجزائر العاصمة، وتضم جزءا من سهل متيجة المعروف بأراضيه الخصبة وكثافة نشاطه الفلاحي. وحسب المعطيات الواردة في التحقيق، تضم الولاية 1873 مستثمرة فلاحية موزعة عبر 22 بلدية، يسيّرها 8820 فلاحا حائزا على عقود امتياز مرتبطة بأملاك الدولة، وهو ما يجعل مراقبة هذا الرصيد العقاري وحمايته من التعديات مسؤولية واسعة النطاق تتطلب تنسيقا مستمرا بين مختلف الهيئات المعنية. وفي إطار توسيع دائرة التحريات، جُمعت معلومات بشأن المديرين السابقين الذين تعاقبوا على تسيير الديوان الوطني للأراضي الفلاحية خلال الفترة الممتدة من سنة 2010 إلى غاية سنة 2024، من خلال طلب محاضر تنصيبهم، مع استغلال القوائم التفصيلية للمستثمرات الفلاحية والمستثمرين الحائزين على عقود امتياز. كما وُجهت تكاليف وتعليمات إلى مدير الديوان الوطني للأراضي الفلاحية بالبليدة، ومدير المصالح الفلاحية، ورؤساء القسمات الفلاحية عبر إقليم الولاية، وفرق الدرك الوطني، من أجل تنفيذ خرجات ميدانية مشتركة لمعاينة المستثمرات الفلاحية بكل بلدية على حدة، وتوثيق الاختلالات المسجلة بواسطة الصور الفوتوغرافية. وأسفرت المعاينات الميدانية المنجزة في إطار التحقيق عن تسجيل ومعاينة 519 إخلال خلال الفترة الممتدة من سنة 2015 إلى سنة 2024، وفق الحصيلة الواردة في الملف. وتنوعت التجاوزات المرصودة بين تغيير الطابع الفلاحي للأراضي المصنفة، وتشييد بنايات فوضوية من دون رخص على الأوعية العقارية التابعة للمستثمرات الفلاحية، وإنجاز مرائب للسيارات وأحواش، وإقامة تجزئات سكنية غير مرخصة، فضلا عن إهمال بعض المستثمرات وعدم استغلالها من طرف أصحاب عقود الامتياز. كما شملت الاختلالات عدم تجسيد بعض أصحاب الامتياز للاستثمارات الفلاحية الملتزم بها وفق دفاتر الشروط وعقود الامتياز الممنوحة لهم، وهو ما دفع إلى رفع المخالفات والنتائج التي أسفرت عنها المعاينات ضد المخالفين. وفي جزء آخر من المعطيات الواردة في التحقيق، جرى الحديث عن مساحة إجمالية مقدرة بـ19.5 هكتارا ضمن الأراضي التي شملتها المعاينات والمتابعات خلال الفترة الممتدة من 2015 إلى 2024، مع الإشارة إلى تغيير طابع أراض مصنفة فلاحية، وتشييد بنايات من دون رخص، وإنشاء تجزئات سكنية غير مرخصة، فضلا عن عدم استغلال بعض المستثمرات وعدم تجسيد الاستثمارات المتفق عليها. وتكشف هذه الأرقام، وفق ما تضمنه ملف التحقيق، عن حجم التحديات التي تواجه حماية الأراضي الفلاحية بولاية البليدة، وعن اتساع نطاق التجاوزات التي طالت أوعية عقارية يفترض أن تظل موجهة للنشاط الفلاحي. وشملت عمليات سماع المديرين المتعاقبين على تسيير الديوان الوطني للأراضي الفلاحية، والمدير العام السابق للديوان، ومسؤولين حاليين بالمصالح الفلاحية، ورؤساء القسمات الفلاحية، ومسؤولي السلطات المحلية، والمسيّرين السابقين للمزارع النموذجية التي سجلت بها إخلالات وتجاوزات، إلى جانب المستثمرين الحائزين على عقود امتياز وبعض الفلاحين المستغلين للمستثمرات المتضررة. كما أُجريت معاينات للمستثمرات التي تغير طابعها الفلاحي أو تعرضت لاعتداءات تمثلت في تشييد بنايات فوضوية وإنجاز تجزئات ترابية أو تحويل العقار إلى استعمال صناعي. وخلص التحقيق إلى وجود نقص كبير في عمليات المراقبة والتفتيش، مع اعتماد المديرين المتعاقبين بدرجة كبيرة على القسمات الفلاحية ومديرية المصالح الفلاحية في مراقبة المستثمرات ورفع الشكاوى ضد المخالفين. وبرر المشتبه فيهم الذين جرى سماعهم هذا الوضع بنقص الموارد البشرية ووسائل النقل، لاسيما سيارات الخدمة، مقارنة بالعدد الكبير للمستثمرات الفلاحية المنتشرة عبر إقليم الولاية. وأشار التحقيق إلى أن الإعذارات الكتابية التي وُجهت إلى المخالفين، أحيانا عن طريق القسمات الفلاحية وبواسطة محضر قضائي، لم تحمل أثرا ردعيا كافيا، كما لم تُتابع إجراءات تنفيذها بصورة فعالة، ولم تحقق النتائج المطلوبة للحد من التجاوزات المسجلة. ومن بين النقاط التي أثارها التحقيق أيضا عدم العثور على سجلات البريد الصادر وسجلات البنايات المشيدة من دون رخص على مستوى الديوان الوطني للأراضي الفلاحية بالبليدة، بالنسبة إلى الفترة الممتدة من سنة 2010 إلى سنة 2014، وهو ما اعتُبر مؤشرا إضافيا على اختلالات في حفظ الوثائق والتسيير الإداري. وسجل التحقيق أن بعض التجاوزات تعود إلى سنوات التسعينيات، وأن تراكمها على مدار سنوات جعل حماية الأراضي الفلاحية تتطلب تدخلا مشتركا ومستمرا لمختلف الهيئات المعنية. وفي هذا السياق، طُرحت ضرورة تشكيل لجنة يقظة دائمة على مستوى كل بلدية من بلديات الولاية، تتولى التنسيق بين المصالح المعنية ومتابعة الاعتداءات المسجلة، والعمل على ضمان تنفيذ القرارات الإدارية والقضائية ذات الصلة. وفي تقييمه لمجمل النتائج، أشار التحقيق إلى توافر قرائن وصفها بالقوية والمتماسكة، يرى أنها تدعم الوقائع المنسوبة إلى المتهمين في القضية، مستندا إلى المعاينات الميدانية التي أجرتها الضبطية القضائية بالتنسيق مع المصالح الفلاحية، والوثائق التي جرى استغلالها، وتصريحات المسؤولين والموظفين المكلفين بمراقبة الأراضي الفلاحية وحمايتها وتسييرها، إضافة إلى أقوال بعض مستغلي المستثمرات. وتفيد خلاصة التحقيق بأن الإجراءات التي أكد المسؤولون اتخاذها لم تكن كافية، بحسب ما ورد في الملف، بالنظر إلى حجم الاعتداءات التي طالت العقار الفلاحي، واستمرار تغيير طبيعته من خلال إنجاز تجزئات وبنايات من دون رخص وتحويل بعض الأوعية العقارية إلى استعمالات صناعية. كما أشار التحقيق إلى أن المسؤولين عن تسيير المصالح الفلاحية لم يتخذوا، وفق ما خلصت إليه التحريات، تدابير ردعية كافية، ولم يتابعوا تنفيذ الإجراءات المتخذة بصورة جدية، سواء تعلق الأمر بقرارات الهدم أو الإعذارات أو رفع التقارير المستعجلة إلى السلطات الإدارية، فضلا عن عدم انتظام الخرجات الميدانية المشتركة في المناطق التي تشهد تعديات واسعة. وتنسب المعطيات الواردة في التحقيق إلى المتهمين أفعالا مرتبطة بالتقاعس والتساهل المؤديين إلى التعدي على الأراضي الفلاحية التابعة لأملاك الدولة، واستغلال الوظيفة وإساءة استعمالها عمدا على نحو يخرق القوانين والتنظيمات. كما أشار الملف إلى مواد قانونية تتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، وحماية أراضي الدولة والمحافظة عليها، من بينها المادة 33 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، وبحسب المعطيات المتاحة، فإن عدد المعنيين بالإحالة يبلغ 22 إطارا ومسؤولا وموظفا عموميا، ويواجهون التهم المذكورة في انتظار عرض القضية على محكمة الجنح خلال الأسبوع الجاري.
المصدر: الشروق