قــطــاع الـســيــاحــة.. بــيـــن الـتـــعـــافـــــــــي وتحديات الاستدامــة
يمتلك الأردن مقومات سياحية متنوعة تجمع بين المواقع التاريخية والدينية، والصحراء والبحر والمحميات الطبيعية، فضلاً عما اشتهر به الأردن من كرم الضيافة، لكن تحويل هذه المقومات إلى صناعة مستدامة يتطلب تجاوز هدف زيادة أعداد السياح إلى تحقيق عوائد اقتصادية محلية، وحماية البيئة، وتوزيع ثمار النمو بصورة أكثر عدالة. من البترا ووادي رم إلى شواطئ العقبة وغابات عجلون، تتنوع المنتجات السياحية الأردنية لتشمل السياحة العلاجية والدينية والمغامرات والسياحة الداخلية، التي يدعمها برنامج «أردنا جنة». ويعكس هذا التنوع فرصاً واعدة لتعزيز مكانة المملكة سياحياً، لكنه يطرح تساؤلات حول استدامة النمو ومدى استفادة المجتمعات المحلية منه. وأظهرت بيانات وزارة السياحة والآثار أن الإيرادات السياحية بلغت نحو 1.217 مليار دينار خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2025، بزيادة 8.9% مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024، فيما ارتفع عدد الزوار الدوليين بنسبة 19% إلى 2.125 مليون زائر. ووفق الأرقام الواردة في التقرير، بلغت الإيرادات السياحية خلال عام 2025 نحو 7.79 مليار دولار، بزيادة 7.6%. اقتصادياً، يوفر القطاع العملات الأجنبية وفرص العمل المباشرة وغير المباشرة، إذ بلغ عدد العاملين فيه نحو 57 ألفاً خلال عام 2025. كما أسهمت الرحلات الجوية المباشرة وشركات الطيران منخفضة التكلفة في دعم الحركة السياحية، وفتح أسواق جديدة أمام المنتج السياحي الأردني. لكن القطاع يواجه تحديات عدة، أبرزها الموسمية، إذ تشهد مواقع مثل البترا ووادي رم والعقبة ازدحاماً خلال فترات الذروة، مقابل تراجع النشاط في أشهر أخرى، ما يؤدي إلى تذبذب دخول العاملين وإيرادات المنشآت السياحية، ويحد من قدرتها على التخطيط والاستثمار طويل الأمد. وتبرز أيضاً محدودية استفادة بعض المجتمعات المحلية من العوائد السياحية، إذ تمر مجموعات من الزوار بمناطق سياحية دون إنفاق ملموس في القرى والبلدات المحيطة. ويستدعي ذلك دعم المشاريع الصغيرة، وتشجيع شراء المنتجات المحلية، وإشراك السكان في تقديم الخدمات السياحية، لضمان انعكاس النشاط على الاقتصاد المحلي. أما بيئياً، فيفرض تزايد أعداد الزوار ضغوطاً على الموارد المائية وإدارة النفايات، خصوصاً في البتراء ووادي رم، ما يتطلب تنظيم الحركة السياحية، وتحسين الخدمات، وحماية المواقع الطبيعية والأثرية من التدهور. وفي السياحة الداخلية، لا تزال تكاليف الرحلات والالتزامات المالية للأسر تحد من مشاركة بعض الأردنيين، رغم البرامج المدعومة، ما يستدعي توسيع الخيارات وتوفير رحلات تتناسب مع مستويات الدخل المختلفة. كما تظل السياحة الأردنية عرضة للتوترات الإقليمية والأزمات التي تؤثر في قرارات السفر وحركة الطيران الدولية، الأمر الذي يؤكد أهمية تنويع الأسواق السياحية وتعزيز السياحة الداخلية. وفي ظل هذه التحديات، لا يقاس نجاح القطاع بأعداد الزوار والإيرادات وحدها، بل بقدرته على توفير وظائف مستقرة، ودعم المجتمعات المحلية، وحماية الموارد الطبيعية، وتحقيق توزيع أكثر عدالة للعوائد. التحدي الحقيقي أمام الأردن هو تحويل التعافي السياحي إلى تنمية مستدامة تحقق التوازن بين النمو الاقتصادي ومصلحة المواطن وحماية البيئة، وتجعل السياحة رافعة للتنمية في مختلف المحافظات.
المصدر: الدستور