شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

أمام باب المدرسة… أمهات يجمعن تجارب متشابهة

أمام باب المدرسة… أمهات يجمعن تجارب متشابهة

بن حليمة: حضور الأم إلى المدرسة قد يكون انعكاسا لواقع اجتماعي إن باب المدرسة ليس مجرد نقطة عبور بين البيت والقسم، ولا هو مكان تتوقف عنده خطوات الأمهات في انتظار خروج أبنائهن، إنه مساحة تختصر حكايات يومية كثيرة، تختلط فيها مشاعر القلق بالأمل، وتتقاطع عنده هموم التربية مع تحديات الحياة. ومن هذه المساحة الإنسانية والاجتماعية تستلهم الباحثة الجزائرية في علوم التربية، مليكة قاصدي كتابها “حكايات الأمهات أمام باب المدرسة”، الصادر عن منشورات رومنس القرن 21 للنشر والتوزيع والترجمة، لتفتح ملفا يتجاوز تفاصيل الحياة المدرسية نحو أسئلة أعمق عن الأمومة والتحولات التي تعرفها الأسرة الجزائرية. وللمهتمين بالأدب الاجتماعي والقضايا التربوية، فإن كتاب “حكايات الأمهات أمام باب المدرسة” سيعرض في إطار الطبعة التاسعة والعشرين للصالون الدولي للكتاب بالجزائر، بقاعة فلسطين، ففي هذا العمل، لا تبدو الأم مجرد متلقية لأخبار المدرسة أو متابعة لنتائج أبنائها، بل تظهر في صورة امرأة تخوض تجربة تعليمية موازية، تحاول من خلالها مواكبة متطلبات الدراسة وفهم المناهج ومساعدة أطفالها على تجاوز صعوبات التعلم. وبحسب مضمون الكتاب، فقد تجد الأم نفسها أمام دروس لم تعد تتذكر تفاصيلها، أو مصطلحات تتطلب منها البحث والسؤال، فتعود إلى التعلم من جديد، لا من أجل شهادة تخصها، بل من أجل مستقبل أبنائها. وهنا تتجلى إحدى أبرز صور التضحية الصامتة التي تقدمها الأم داخل الأسرة؛ فهي لا تكتفي بتوفير احتياجات الطفل اليومية، بل تتحول، في كثير من الأحيان، إلى رفيقة دربه الدراسي، تراجع معه الدروس، وتشاركه رهبة الامتحانات، وتبحث عن الكلمات المناسبة حين يتعثر، وتستمد من نجاحه شعورا بأن ساعات التعب لم تذهب سدى الأمومة حين تصبح تجربة تعليمية ثانية. وتمنح مليكة قاصدي، من خلال عنوان كتابها، قيمة رمزية لمكان قد يبدو عاديا في نظر الكثيرين، فالأمهات اللواتي يلتقين أمام أبواب المؤسسات التربوية لا يجمعهن انتظار الأبناء فحسب، بل تجمعهن أيضا تجارب متشابهة وأسئلة مشتركة، تتعلق بالتفوق الدراسي، وصعوبات التعلم، والعلاقات مع المعلمين، والسبل الكفيلة بتوفير بيئة أفضل لنمو الأطفال. وفي هذا الفضاء، تتشكل شبكة غير رسمية لتبادل الخبرات، نصيحة تقدمها أم قد تختصر على أخرى طريقا طويلا من الحيرة، وتجربة شخصية قد تمنح أسرة أخرى وسيلة للتعامل مع مشكلة ظنت أنها تواجهها وحدها. وهكذا، وبحسب كتاب مليكة قاصدي، يصبح باب المدرسة، خارج وظيفته اليومية، مكانا للتواصل الاجتماعي وتبادل المعرفة، حيث تتعلم الأمهات بعضهن من بعض، بقدر ما تسعين إلى تعليم أبنائهن. وهذا الدور المتنامي يطرح، في المقابل، سؤالا مهما وهو: إلى أي حد تستطيع الأسرة تحمل الأعباء التعليمية المتزايدة من دون أن تتحول المرافقة المنزلية إلى ضغط نفسي على الأم والطفل معا؟… مساندة الأبناء ضرورة، لكن مسؤولية التعليم لا ينبغي أن تنتقل من المدرسة إلى المنزل، ولا أن تصبح الأم مطالبة بأداء دور المعلم والمتابع النفسي والمنظم اليومي لكل تفاصيل المسار الدراسي. وفي سياق الموضوع، أكد الدكتور مسعود بن حليمة، أستاذ علم النفس العيادي لـ”الشروق”، أن دلالات الحضور اليومي للأمهات أمام المدارس، لا تتوقف عند حدود المتابعة الدراسية، بل تمتد إلى مسألة أكثر حساسية تتعلق بالأمن والشعور بالطمأنينة، فإصرار بعض الأولياء على مرافقة أطفالهم ذهابا وإيابا يعكس رغبة طبيعية في حمايتهم، لكنه يفتح الباب أيضا أمام تساؤلات حول مدى استقلالية الطفل، وحدود الحماية الأسرية، ومدى شعور الأولياء بالأمان في المحيط الذي يتحرك فيه أبناؤهم. والطفل، بحسب بن حليمة، يحتاج إلى الرعاية، لكنه يحتاج كذلك إلى اكتساب الثقة بالنفس والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية تدريجيا، وفق سنه والظروف المحيطة به، فبين الحماية والاستقلالية مساحة دقيقة تتطلب تعاون الأسرة والمدرسة والمجتمع، بدل ترك الأم وحدها في مواجهة مخاوف الطريق ومخاطر المحيط. وقال إن حضور الأم أمام باب المدرسة قد يكون تعبيرا عن الحب والحرص، لكنه قد يكون أيضا انعكاسا لواقع اجتماعي يدفع الأولياء إلى توخي الحذر، ومن ثم، فإن معالجة هذه المسألة لا تكون بلوم الأمهات على مرافقة أطفالهن، بل بفهم الأسباب التي تجعل هذه المرافقة ضرورة في نظرهن، والعمل على توفير بيئة آمنة تساعد الأطفال على النمو باستقلالية. وأشار الدكتور مسعود بن حليمة، إلى أن الحياة اليومية أمام بعض المؤسسات التربوية تثير قضية احترام الفضاء العام، فالتجمعات التي تعيق حركة المارة، أو الأصوات المرتفعة، أو السلوكيات التي تتجاهل راحة الآخرين، كلها ممارسات تستدعي النقاش، لا باعتبارها صفة مرتبطة بالأمهات أو بفئة اجتماعية بعينها، بل بوصفها مسألة تتصل بثقافة المواطنة والتربية على احترام المجال المشترك. ويرى أستاذ طب النفس العيادي والتربوي، مسعود بن جليمة، أن المكان الذي ينتظر فيه الأولياء أبناءهم يمكن أن يتحول بدوره إلى درس عملي في التربية، فالطفل الذي يشاهد والديه يحترمان الدور، ويتحدثان بهدوء، ويحافظان على نظافة المكان، يتلقى رسالة تربوية لا تقل أهمية عن الدروس التي يتعلمها داخل القسم. وأكد الدكتور بن حليمة أن القيمة التي يمكن استخلاصها من موضوع” الأمهات أمام باب المدرسة”، تتجاوز صورة الأم التي تنتظر طفلها، لتصل إلى سؤال العلاقة بين الأسرة والمدرسة، وحدود المسؤولية المشتركة في بناء شخصية الناشئة، فالتعليم ليس عملية محصورة في الكتاب المدرسي، والتربية ليست مجموعة من التوجيهات التي يسمعها الطفل، بل تجربة يومية تتشكل من المواقف الصغيرة، ومن طريقة الحوار داخل البيت، ومن احترام القواعد، ومن كيفية التعامل مع الاختلاف والآخرين، ومن هنا، بحسبه، تبرز أهمية الشراكة الحقيقية بين الأولياء والمؤسسات التربوية؛ وهي شراكة لا تقوم على تحميل طرف مسؤولية إخفاق الطرف الآخر، بل على تبادل الثقة والخبرات، وإيجاد قنوات تواصل فعالة، ومساعدة الطفل على التعلم من دون إرهاق الأسرة أو إضعاف دور المدرسة. وللإشارة، فإن كتاب مليكة قاصدي “حكايات الأمهات أمام باب المدرسة” يأتي ليمنح هذه التفاصيل اليومية فرصة للخروج من دائرة المألوف إلى فضاء القراءة والنقاش. فالحكايات التي تبدو بسيطة في ظاهرها، وبحسب الكتاب، قد تكشف عن تحولات عميقة في بنية الأسرة، وعن أمهات وجدن أنفسهن أمام مسؤوليات متجددة، وعن مجتمع يحتاج إلى إعادة التفكير في معنى التربية وحدودها وشروط نجاحها. وإن كتاب “الأمهات أمام باب المدرسة” هو دعوة إلى النظر إلى الأم لا بوصفها امرأة تنتظر انتهاء الدوام المدرسي، بل باعتبارها فاعلا أساسيا في صناعة الوعي، وشريكا في بناء المستقبل، وإنسانة تحتاج هي الأخرى إلى الدعم والتقدير وتقاسم المسؤوليات، وإن المدرسة الحقيقية لا تنتهي عند باب المؤسسة، والتربية لا تُقاس بما يحفظه الطفل من دروس فحسب، بل بما يتعلمه من سلوك الكبار، فبين البيت والمدرسة، تظل الأم إحدى أهم الحلقات التي تصل المعرفة بالقيم، والنجاح بالمسؤولية، والحاضر بالأمل في مستقبل أفضل.

المصدر: الشروق