شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

حتمية تعريب الجامعة الجزائرية والتحول الشامل نحو اللغة الأم

حتمية تعريب الجامعة الجزائرية والتحول الشامل نحو اللغة الأم

لا يمكن لأمة أن تبلغ مدارج الاستقلال التام، أو تنال مرتبة الندّية في مصاف الأمم المتقدمة، طالما ظلت عاجزة عن التفكير، والبحث، والابتكار، والإنتاج بلغة أمها. إن استقلال الدول لا يكتمل بمجرد رفع الرايات الوطنية، أو امتلاك الحدود الجغرافية، أو إصدار العملة المحلية، بل يقاس في جوهره الأساسي بمدى امتلاك “السيادة المعرفية واللغوية”. فاللغة ليست مجرد أداة محايدة للتواصل البشري البسيط، بل هي الوعاء الأنطولوجي الذي يُشكل العقل، ويصوغ المفاهيم، ويبني التصورات الحضارية للإنسان. وفي الجزائر، وبينما تحققت إنجازات استراتيجية معتبرة في مجالات السيادة الأمنية والدفاعية – حيث تُدير المؤسسة العسكرية تكوينها ومناهجها التقنية والعلمية الدقيقة باللغة العربية بكفاءة عالية واقتدار مشهود – لا تزال الجامعة المدنية تتخبط في إرث التبعية اللغوية والانفصام المؤسساتي المزمن. إن الانتقال المزعوم للجامعة الجزائرية اليوم نحو اللغة الإنجليزية بدل الفرنسية، وإن بدا في ظاهره هروباً تكتيكياً من هيمنة لغة استعمارية مندرجة، إلا أنه يظل في جوهره “ترقيعاً بنيوياً” وحلاً هروبياً لا يمس صلب الأزمة المعرفية. إن الحل الجذري والأصيل لا يكمن في استبدال تبعية بلغة أجنبية بتبعية بلغة أجنبية أخرى، بل يكمن في التحول الشامل والواعي نحو اللغة العربية (مع إدماج اللغة الأمازيغية في مسارها التاريخي والحضاري والتطويري) لغةً للتعليم والبحث والإنتاج في كافة التخصصات الأدبية، والاجتماعية، والعلمية، والتكنولوجية، مع جعل اللغات الحية – وفي مقدمتها الإنجليزية – أدوات طيعة للتواصل، والانفتاح، والاطلاع الواعي على إنتاج الآخرين. أولاً: الخلل النسقي الممتد من المدرسة الابتدائية إلى رحاب الجامعة إن إخفاق المنظومة الجامعية في تبني لغتها الوطنية والسيادية ليس إلا امتدادا طبيعيا لخلل نسقي متسلسل يبدأ حلقاته الأولى من الحجر الأساس في مسار التكوين الفردي والعقلي للإنسان: ثانياً: وهم الهروب إلى الإنجليزية وخطيئة “تغيير الأداة لا الجوهر” إن الإصرار الحالي للمشرفين على قطاع التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر على تحويل التخصصات العلمية والتقنية من اللغة الفرنسية إلى اللغة الإنجليزية يُعد قاصراً استراتيجياً لعدة اعتبارات جوهرية وموضوعية: ثالثاً: النموذج العسكري الجزائري كدليل قاطع على قدرة اللغة العربية إن أكبر رد عملي وميداني على المشككين في قدرة اللغة العربية على استيعاب العلوم الدقيقة والتكنولوجيا المتقدمة يتمثل بوضوح في تجربة وزارة الدفاع الوطني. فالمؤسسة العسكرية الجزائرية أدركت مبكراً وبوعي استراتيجي حاد أن السيادة الأمنية والوطنية تبدأ حصراً من لغة القيادة، والتفكير، والتكوين. ومن خلال تخطيط محكم، وانضباط مؤسساتي صارم، وتوفير دائم لهياكل الترجمة والتأليف العسكري، أصبحت المدارس العليا والأكاديميات العسكرية تُدرس الطيران، والهندسة الميكانيكية المتقدمة، والهندسة النووية، والإلكترونيات الدقيقة، وأنظمة الاتصالات المعقدة باللغة العربية بنسبة مائة بالمائة. هذا النجاح الباهر والملموس يثبت ساطعاً أن العائق لم يكن يوماً في اللغة ذاتها، بل في الإرادة السياسية والشجاعة الاستراتيجية للنخب المدنية. وإذا كانت المؤسسة العسكرية قد أمنت حدود الوطن وسيادته بتعريب العلوم العسكرية المعقدة، أفلا تستحق الجامعة الجزائرية المدنية أن تحذو هذا الحذو لتأمين سيادة الوطن العلمية والصناعية والاقتصادية؟ رابعاً: معالم المشروع الوطني للتحول الشامل في الجامعة لكي تتحول الجامعة الجزائرية إلى قلعة حقيقية للسيادة والإنتاج، لابد من إرساء استراتيجية وطنية شاملة ومدروسة ترتكز على المحاور الأساسية التالية: لا يمكن لجامعة بمعزل عن محيطها الاقتصادي والصناعي أن تفرض لغتها. يجب أن تتحول الجامعة إلى منتج حقيقي لحلول تكنولوجية وبراءات اختراع تطلبها المؤسسات الصناعية الوطنية، مما يفرض على قطاع المال والأعمال التعامل باللغة الوطنية التي تُكتب بها تلك الابتكار والتطبيقات الميدانية. خامساً: شروط الإقلاع والقرار السيادي الجريء إن الانتقال نحو هذه النهضة الشاملة والمستدامة لا يتطلب معجزات تقنية مستحيلة، بل يتطلب شروطاً سياسية ومجتمعية حاسمة: إن مسألة لغة التدريس في الجامعة الجزائرية ليست تفصيلاً أكاديمياً ثانوياً، وليست نقاشاً أيديولوجياً عابراً وعبثياً، بل هي معركة الوجود والسيادة بامتياز. فإما أن نظل مستهلكين دائمين لمعارف الآخرين، عالة على ثقافاتهم وعلَمهم، نتبادل التبعيات اللغوية بلا هُدًى ولا بينة؛ وإما أن نتحمل مسؤوليتنا التاريخية والأخلاقية في بناء جامعة وطنية سيادية، تفكر بلغتها، وتبتكر بلسان أبنائها، وتتواصل مع العالم بندية واقتدار. إن الأجيال القادمة لن ترحم نخباً تملك كل مقومات الإقلاع ثم تختار البقاء في قاعات الانتظار الخلفية للتاريخ. وحين يمتلك القرار الأكاديمي شجاعة المؤسسة العسكرية، ستصبح الجزائر فعلاً مستقلة بالمعنى التام: أمة تقرأ، تفكر، وتبدع بلسانها الأصيل والحر.

المصدر: الشروق