شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

نواب الزيدي يزاحمونه مبكراً على صلاحياته: "نحن هيئة رئاسة"!

نواب الزيدي يزاحمونه مبكراً على صلاحياته: "نحن هيئة رئاسة"!

 بغداد/ تميم الحسن

في أول اجتماع للحكومة الموسعة مع نواب رئيس الوزراء، قال أحدهم لعلي الزيدي عبارة بدت أقرب إلى إعلان مبكر عن تقاسم السلطة منها إلى ملاحظة عابرة: "نحن هيئة رئاسة"، بحسب ما نقل مصدر حضر الجلسة لـ(المدى).
لم ينتظر الصراع على صلاحيات رئيس الحكومة طويلاً. فبعد نجاح القوى السياسية في استحداث مناصب نواب رئيس الوزراء، بدأت مفاوضات جديدة على نواب رئيس الجمهورية هذه المرة، وسط خلافات طالت شخصيتين بارزتين، إحداهما شيعية والأخرى سنية. ويبدو أن الاتجاه يتجه إلى استبدالهما بمرشحين آخرين، من دون التخلي عن فكرة توسيع المناصب.
تجري هذه المساومات فيما يواجه العراق احتمال حراك شعبي، ومخاوف من عودة الحرب إلى المنطقة، واقتصاداً متعثراً. لكن القوى السياسية الشيعية تبدو أقل انشغالاً بهذه المخاطر، معتمدة على تطمينات يُعتقد أن مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى العراق، توم باراك، قدمها بشأن المرحلة المقبلة.
جملة واحدة لاختبار حدود السلطة
قدمت الحكومة والقوى السياسية في الاسابيع الأخيرة، استحداث المناصب باعتباره إجراءً بروتوكولياً لا يضيف أعباء مالية جديدة.
لكن مصادر خاصة لـ(المدى) تقول إن السؤال الأهم لا يتعلق بكلفة المكاتب أو الرواتب، بل بطبيعة الصلاحيات التي سيمارسها نواب رئيس الوزراء، وبما إذا كانت مناصبهم ستتحول إلى وسيلة لتقاسم القرار داخل مجلس الوزراء.
في الاجتماع الذي أعقب تصويت البرلمان، الأسبوع الماضي، على 3 نواب للزيدي واستحداث 3 وزارات، ظهرت هذه المخاوف مبكراً. فقد نقل مستشار في أحد الأحزاب أن أحد النواب خاطب رئيس الوزراء بالقول: "لا تقود الحكومة وحدك.. نحن هيئة رئاسة".
تكتسب عبارة "هيئة رئاسة" دلالتها من الطريقة التي فسرها بها المستشار. فالمقصود، بحسب روايته، أن القرارات ينبغي أن تتخذ بالإجماع أو بالأغلبية، بما يحد من قدرة الزيدي على الانفراد بها، خلافاً لما كان عليه الحال خلال الأشهر الخمسة الماضية.
ويقول المستشار إن طرفاً شيعياً لم يسمه حرك أحد النواب ليكون أول من يعلن هذا الموقف، فيما يراه محاولة لإرسال رسالة مبكرة إلى رئيس الوزراء بأن السلطة لم تعد محصورة في مكتبه، وأن المناصب المستحدثة لن تبقى مجرد مواقع مساعدة.
لا تعني هذه الرواية أن صيغة "هيئة الرئاسة" أصبحت آلية رسمية لاتخاذ القرارات، لكنها تكشف عن خلاف سياسي مبكر بشأن حدود دور رئيس الوزراء، وعن محاولة محتملة لتحويل المناصب الجديدة إلى أدوات نفوذ داخل الحكومة.
وليس الصراع على إعادة تعريف المناصب غريباً على النظام السياسي العراقي. فبعد انتخابات 2021، ظهرت محاولة مشابهة حين سعت أطراف إلى جعل رئاسة مجلس النواب أقرب إلى "هيئة رئاسة"، بما يغير طريقة إدارة المنصب وحدود سلطة شاغله قبل أن يتدخل القضاء ويفشل هذه المحاولات.
هذه المرة، بدأ الاختبار داخل الحكومة نفسها. وما إن دخل نواب رئيس الوزراء إلى المشهد حتى اتسع النقاش ليشمل مواقع أخرى وصلت هذه المرة الى نواب رئيس الجمهورية.

نواب الرئيس يعودون إلى طاولة التفاوض
يصف قيادي في حزب شيعي الزيدي بأنه الحلقة الأضعف في المعادلة السياسية، ويقول إن القوى المتنفذة تتعامل معه باعتباره رئيس حكومة يمكن الضغط عليه وتقييد سلطته.
ويضيف القيادي، في حديث لـ(المدى)، أن تجربة استحداث المناصب فتحت شهية الأحزاب لمزيد من المواقع، وأن الحصص السياسية اكتملت إلى حد بعيد، فيما حصلت شخصيات مثل محمد شياع السوداني ونوري المالكي على مناصب تتجاوز حصصهما المتوقعة.
ومع ذلك، عادت فكرة نواب رئيس الجمهورية إلى طاولة المفاوضات، وسط ما يصفه القيادي بأنه شبه اتفاق على المضي بها.
كانت هذه المناصب قد طُرحت في بداية مفاوضات تشكيل حكومة الزيدي، قبل نحو 6 أشهر، ثم اختفت من النقاش خلال المفاوضات التي سبقت تمرير الدفعة الثانية من الوزراء الأسبوع الماضي. والآن، تعود الفكرة بأسماء وحصص مختلفة.
يكشف القيادي أن المفاوضات الجديدة شهدت طرح بدلاء للشخصيات التي كانت مرشحة سابقاً، وأن الأسماء البديلة ستكون من كتلة السوداني. ومن بين الأسماء المتداولة جبار الكناني، النائب السابق، الذي طُرح ليحل محل عالية نصيف، بعد الحكم الصادر بحقها، وفق رواية القيادي.
ويقول المصدر إن اسم الكناني طُرح أيضاً بديلاً عن فالح الفياض لمنصب نائب رئيس الجمهورية. وكان الفياض قد واجه في وقت سابق اعتراضات من قوى شيعية طالبته بالتقاعد، فيما يرى أصحاب هذا الموقف أن حصوله على وزارة الزراعة أنهى استحقاقه في توزيع المناصب.
لكن الفياض لم يستبعد رسمياً من موقعه في الحشد الشعبي. فقد سارعت هيئة الحشد، يوم الأحد، إلى نفي الأنباء المتعلقة بترشيح رئيسها لمنصب نائب رئيس الجمهورية، ووصفتها في بيان بأنها "مشبوهة"، مؤكدة أنها عارية عن الصحة وأن الفياض مستمر في أداء مهامه رئيساً للهيئة.
أما المنصب الثاني، فيتردد أن يذهب إلى خالد بتال، وزير الصناعة السابق، بديلاً عن محمد الحلبوسي، زعيم تحالف "تقدم" وزعيم تحالف "قمم" التي يقودها الأول، وفق ما أورده القيادي. ويعتقد أن استبعاد الحلبوسي يرتبط بقضيته السابقة المتعلقة باتهامات بالتزوير، والتي أدت إلى إبعاده عن رئاسة مجلس النواب قبل نحو 3 سنوات.

اعتراضات في الشارع.. واطمئنان في الأحزاب
تجري المفاوضات فيما تتصاعد الاحتجاجات على البطالة ورفع سعر الدولار، وتتزايد الانتقادات لتوسيع الحكومة في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً مالية وتلجأ الحكومة إلى الاقتراض.
ويقول القيادي إن احتمال عودة الحرب إلى المنطقة يضيف سبباً آخر للقلق، خصوصاً بعد رفع واشنطن مستوى التحذيرات في دول عدة، بينها العراق. لكن هذه المخاوف، بحسب روايته، لم تدفع القوى السياسية إلى وقف المفاوضات أو مراجعة مشروع التوسع.
ويشير القيادي إلى أن المرجعية الدينية في النجف غير مرحبة بتوسيع المناصب، ويصف القوى الشيعية بأنها "تعيش في أحلام وردية"، في تعبير عن اعتقاده بأنها تتصرف كما لو أن الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية المحيطة بها لن تفرض عليها أثماناً لاحقاً.
ويربط القيادي هذا الاطمئنان بالرهان على توم باراك. فالقوى السياسية، وفق تقديره، تنظر إلى المبعوث الأميركي باعتباره مصدراً للتطمينات بشأن توسيع الحكومة، ودخول الفصائل المسلحة إلى مواقع فيها، وتمديد المهلة المتعلقة بنزع السلاح إلى الصيف المقبل.
لكن هذا الرهان لا يبدو مضموناً. فسياسيين قريبين من مؤسسات أميركية يقولون إن باراك يواجه اختباراً صعباً، وإن واشنطن تنتظر نتائج سياسته في العراق والمنطقة. ويتوقع القيادي أن باراك لن يستمر طويلاً في مهمته، محذراً حينها من أن القوى الشيعية قد تجد نفسها في مأزق.

حكومة للجميع.. ولا معارضة
يضع سيف السعدي، الباحث في الشأن السياسي والقانوني، ما يجري في إطار سعي الكتل السياسية إلى ضمان مشاركتها في الحكومة، حتى لو أدى ذلك إلى زيادة عدد المناصب وتداخل الصلاحيات.
ويقول السعدي لـ(المدى) إن المبررات المطروحة لاستحداث هذه المواقع تتمثل في إرضاء الكتل السياسية ومحاولة جعل الجميع شركاء في الحكومة.
والمفارقة، بحسب رأيه، أن الأنظمة الديمقراطية تقوم على وجود حكومة ومعارضة، أو ما يعرف بحكومة الظل، بينما تريد القوى السياسية في العراق أن تكون جميعها جزءاً من الحكومة نفسها
وبذلك، تصبح المناصب وسيلة لتوزيع الحصص أكثر مما تكون استجابة لحاجة إدارية واضحة.
لكن السعدي يميز، من الناحية الدستورية، بين نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء.
في ما يتعلق بنواب رئيس الجمهورية، يشير إلى المادة 69 ثانياً من الدستور، وإلى القانون رقم 1 لسنة 2011، مستشهداً بقرار المحكمة الاتحادية رقم 119 لسنة 2016، الذي صدر خلال حكومة حيدر العبادي بعد إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء.
ويقول السعدي إن المحكمة الاتحادية خلصت إلى عدم جواز إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية لارتباطها بنص دستوري.
أما نواب رئيس الوزراء، فيرى أن وضعهم مختلف. فالمادة 139 من الدستور نصت على وجود نائبين لرئيس مجلس الوزراء في الدورة النيابية الأولى فقط، لكن العدد ارتفع في دورات لاحقة، ووصل إلى 3 نواب في الدورة الثانية.
ويشير إلى أن المحكمة الاتحادية، في قرارها رقم 24 لسنة 2011، منحت رئيس مجلس الوزراء سلطة تقديرية في هذا الشأن. لكنه يعد هذا التفسير موضع إشكال، مستنداً إلى قاعدة "لا اجتهاد في مورد النص"، ومعتبراً أن النص الدستوري ينبغي أن يكون المرجع في تحديد حدود هذه المناصب.
ويستند السعدي إلى أن الدستور حدد دور نواب رئيس الجمهورية عند غياب الرئيس أو خلو منصبه، ثم حدد رئيس مجلس النواب بديلاً في حال عدم وجود نواب. أما عند غياب رئيس مجلس الوزراء أو خلو منصبه، فإن الدستور يجعل رئيس الجمهورية بديلاً عنه، من دون أن يمنح نواب رئيس الوزراء الدور نفسه.
ومن هنا، يتساءل السعدي عن الحاجة الدستورية إلى استحداث مناصب إضافية لنواب رئيس الوزراء، ولا سيما خارج الإطار الذي حدده الدستور للدورة النيابية الأولى.
ويضيف أن استحداث هذه المناصب في ظل التقشف الذي تتحدث عنه الحكومة، والأزمة الاقتصادية والمشكلات المالية، يعزز الاعتقاد بأنها جاءت لإرضاء الكتل السياسية، لا استجابة لحاجة إدارية واضحة.

The post نواب الزيدي يزاحمونه مبكراً على صلاحياته: "نحن هيئة رئاسة"! appeared first on جريدة المدى.

المصدر: المدى