شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

هل تخلّى حزب الله عن جبهة الجنوب؟

هل تخلّى حزب الله عن جبهة الجنوب؟

في الجنوب اللبناني، حيث تواصل إسرائيل فرض وقائع عسكرية جديدة وتوسيع هامش تحرّكها الميداني، يثير صمت "حزب الله" تساؤلات تتجاوز حدود الردّ على الاعتداءات إلى طبيعة المرحلة التي يمرّ بها "الحزب"، وحساباته العسكرية والسياسية في ظل التحولات التي فرضتها الحرب. فغياب المواجهة المباشرة عن المشهد لا يكفي وحده للحكم على خياراته المقبلة، خصوصاً أن التجارب السابقة أظهرت أن قرار استخدام القوة لا يرتبط بالضرورة بحجم القدرات المتاحة، بقدر ما تحكمه ظروف الميدان وحسابات التوقيت والنتائج. وبين استمرار الضغوط الإسرائيلية وتصاعد الدعوات الداخلية إلى حصر السلاح بيد الدولة، تبدو المرحلة الراهنة محكومة بمعادلة معقّدة، يحاول فيها "الحزب" الحفاظ على موقعه العسكري من دون الانجرار إلى مواجهة قد تتجاوز حدود الجنوب. Advertisement وتستند هذه القراءة إلى طبيعة الخيارات المتاحة أمام "حزب الله" في المرحلة الحالية، إذ لم يعد قرار المواجهة منفصلًا عن الظروف الإقليمية أو عن التداعيات التي يمكن أن تترتب على الداخل اللبناني. فالحرب الأخيرة وما أعقبها من تطورات فرضت على "الحزب" إعادة النظر في أولوياته، وفق مقتضيات المرحلة، مع التمسّك بخيار "المقاومة" بوصفه ثابتاً في مقاربته للصراع مع إسرائيل، والتركيز على تحديد الظروف الملائمة لاستخدام قدراته العسكرية، ومدى قدرته على تحمّل كلفة أي مواجهة جديدة.من هنا، يمكن فهم الصمت بوصفه خياراً في إدارة الصراع، خصوصاً أن استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية يُبقي أسباب المواجهة قائمة، وإن اختلفت وسائل التعامل معها. وفي هذا السياق، تبرز فرضية أن الفترة التي امتنع فيها الحزب عن الردود الواسعة لم تكن بالضرورة فترة جمود عسكري، بل ربما أتاحت له إعادة ترتيب بعض أولوياته واستيعاب التحولات التي طرأت على الميدان. فإعادة بناء القدرات، وتأمين متطلبات الاستمرار، والحفاظ على الجهوزية، جميعها احتمالات تدخل في حسابات أي قوة تواجه تهديداً مستمراً، من دون أن يعني ذلك الجزم بحجم ما أنجزه "الحزب" أو بطبيعة استعداداته الفعلية. وتكتسب مسألة الإمدادات أهمية خاصة في هذه القراءة، لا سيما بعد الجدل الذي أثارته شحنة متفجرات «ضهر البيدر»، وإن كانت هذه الحادثة وحدها لا تكفي لتحديد حجم الإمداد أو مساراته أو مدى انتظامه. أما الصمت السياسي والعسكري، فلا يمكن فصله، وفق مصادر مطلعة، عن محاولة "الحزب" تجنّب استنزاف جديد في توقيت قد لا يخدم حساباته. فالردّ على كل اعتداء إسرائيلي قد يفتح الباب أمام تصعيد أوسع، في حين أن الامتناع عن الردّ يعرّض "الحزب" لضغوط وتساؤلات تتعلق بقدرته على الردع وحماية المناطق الجنوبية. وبين هذين الاحتمالين، تتشكّل معادلة دقيقة تقوم على إبقاء الخيارات مفتوحة من دون استباق التطورات. غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى مرتبطاً بقدرة "الحزب" على منع إسرائيل من تحويل غياب الردّ إلى فرصة لفرض وقائع دائمة، وهي نقطة أساسية في تقييم حدود الصمت وجدواه. ولا تنحصر حسابات "حزب الله" بالجبهة الجنوبية، إذ تفرض علاقته بالمؤسسة العسكرية اللبنانية تحدياً لا يقلّ حساسية عن التهديدات الخارجية. فالمؤسسة العسكرية باتت في موقع تتقاطع عنده مسؤولياتها الأمنية مع القرارات الحكومية المتعلقة بحصرية السلاح، الأمر الذي يضع العلاقة بينها وبين "الحزب" أمام اختبارات متكررة. وفي مقابل حرص "الحزب" المعلن على عدم الانزلاق إلى صدام داخلي، يبقى الجيش ملزماً بتنفيذ مهامه وقرارات السلطة السياسية وفق الأطر القانونية. وتبعاً لذلك، تصبح كيفية إدارة الخلافات الميدانية عاملاً حاسماً في منع تحوّل التباينات السياسية إلى احتكاكات أمنية يصعب احتواؤها. وقد أعادت حادثة «ضهر البيدر» هذا الملف إلى الواجهة بصورة أكثر حدّة، بعدما تحوّل ضبط الشحنة إلى قضية تجاوزت أبعادها الأمنية والقضائية، وأثارت سجالاً واسعاً بشأن السلاح وعلاقة "الحزب" بمؤسسات الدولة. وبمعزل عن التحقيقات الجارية وما ستنتهي إليه، فإن حجم الاهتمام الإعلامي والسياسي بالحادثة يطرح مسألة توظيف الملفات الأمنية في الصراع الداخلي، خصوصاً حين تنتقل القضية من نطاق التحقيق إلى تبادل الاتهامات والمواقف التصعيدية. في المقابل، لا يمكن إغفال أن طبيعة المواد المضبوطة تفرض على الأجهزة المختصة التعامل معها وفق مسؤولياتها القانونية، بما يجعل التمييز بين مقتضيات التحقيق والاستثمار السياسي في نتائجه ضرورة للحفاظ على صدقية المؤسسات. وفي هذا الإطار، تشير المصادر إلى أن شحنة «ضهر البيدر» لم تكن الأولى من نوعها، إذ سبق أن جرى ضبط شحنات مماثلة والتعامل معها بقدر كبير من التكتّم والتنسيق، بعيداً عن السجالات العلنية والتصعيد الإعلامي. غير أن ما ميّز الحادثة الأخيرة هو حجم الإضاءة الإعلامية والسياسية التي رافقتها، الأمر الذي يثير تساؤلات حول خلفيات هذا التعاطي والغاية من تحويل قضية أمنية إلى مادة للتجاذب الداخلي. وتبرز هنا مخاوف من أن يؤدي توظيف الحادثة في الصراع السياسي إلى تأجيج التوترات وإثارة حساسيات قد تنعكس على العلاقة بين "حزب الله" والمؤسسة العسكرية، في مرحلة تستدعي تجنّب أي احتكاك من شأنه تهديد الاستقرار الداخلي، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط الإسرائيلية على لبنان. من هذه الزاوية، يمكن قراءة حرص "حزب الله" على تجنّب المواجهة مع الجيش باعتباره جزءًا من حساباته الداخلية الأوسع. فالصدام مع المؤسسة العسكرية، إن وقع، لن يغيّر طبيعة الخلاف حول السلاح فحسب، بل قد ينقل البلاد إلى مستوى أشد خطورة من الانقسام. لذلك، فإن اختبار المرحلة المقبلة لن يقتصر على مدى استعداد "الحزب" لأي تصعيد إسرائيلي، بل سيشمل أيضاً قدرته على إدارة علاقته بالدولة ومؤسساتها، في ظل تباين جوهري حول مستقبل السلاح والقرار العسكري. وتزداد أهمية هذا التوازن مع استمرار إسرائيل في ممارسة الضغط العسكري والسياسي على لبنان، إذ إن أي توتر داخلي واسع قد ينعكس سلباً على قدرة الدولة والمجتمع على التعامل مع التهديدات القائمة. غير أن تجنّب الصدام لا يلغي الخلاف حول حصرية السلاح، كما أن الحفاظ على الاستقرار لا يعفي الأطراف من البحث عن مقاربة واضحة للعلاقة بين قرار الدولة ومتطلبات الدفاع عن الأراضي اللبنانية. وهنا تحديدًا تكمن صعوبة المرحلة، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع الحسابات السياسية، وتصبح إدارة التناقضات الداخلية جزءًا من معادلة المواجهة الأوسع. في المحصلة، لا يقدّم صمت "حزب الله" جواباً نهائيًا عن مستقبل الجبهة الجنوبية، مثلما لا تكشف الحوادث الأمنية المتفرقة وحدها عن حقيقة استعداداته أو حجم قدراته. لكن ما يبدو واضحاً أن "الحزب" يواجه اختبارين متلازمين: الأول يتعلق بكيفية التعامل مع استمرار التهديد الإسرائيلي من دون الدخول في استنزاف جديد، والثاني يرتبط بإدارة علاقته مع المؤسسة العسكرية اللبنانية بما يحول دون انتقال الخلافات إلى مواجهة داخلية. وبين هذين الاختبارين، لا تُقاس المرحلة المقبلة بما إذا كان الحزب سيلجأ إلى الردّ أو سيواصل الصمت فحسب، بل بقدرته على الحفاظ على خياراته في مواجهة إسرائيل، من دون أن يتحوّل الداخل اللبناني إلى جبهة إضافية تستنزف الدولة والحزب معاً.

المصدر: لبنان 24