عُمان والصين.. التاريخ يُكتب اليوم
حاتم الطائي ◄ جلالة السلطان أول سلطان عُماني يزور الصين في التاريخ ◄ العلاقات الثنائية تؤكد الحرص على تحقيق التطلعات المشتركة ◄ ترقب لنتائج الزيارة السامية على المستوى الإقليمي والدولي على مرِّ مئات السنين ومنذ حقب زمنية تعود لأكثر من 1200 سنة، أرسى العُمانيون علاقات تجارية وبحرية مع الصين، في وقتٍ لم تكن البشرية قد توصَّلت لمصطلح "الدبلوماسية"؛ إذ لم يكن للعلاقات الرسمية بين الدول ثقلٌ وتأثير كما هو الواقع اليوم، وإنما اعتمدت الشعوب على التواصل الحضاري والإنساني، فتوَّلت بنفسها مسؤولية بناء الجسور للتقارب مع الآخر، وقد بَرَعَ العُمانيون في هذا المضمار، فكانوا خير سفراء لهذا الوطن العزيز. وامتدادًا للنهج الحضاري وترسيخًا للعلاقات الرسمية التي تأسَّست بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية الصديقة منذ عام 1978، يبدأ حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله ورعاه- زيارة دولة اليوم، إلى جمهورية الصين، في أول زيارة لسلطان عُماني إلى هذه البلاد، التي ظل اسمها محفورًا في الوجدان العُماني والعربي والإسلامي باعتبارها من البلاد التي يُشد لها الرحيل سعيًا للتجارة وطلبًا للعلم والمعرفة. اليوم، نستطيع القول إنَّ التاريخ يُكتَب على مرأى ومسمع من العالم بأسره، تاريخُ حضارتين وضعتا الأسس المتينة لواحدة من أقدم العلاقات الإنسانية عبر التاريخ، وقد حَرِص البلدان طيلة عقود ممتدة على تثبيت هذه العلاقات بلبنات راسخة من التعاملات التجارية والثقافية. وطيلة 48 سنة من العلاقات الدبلوماسية الرسمية، أولتْ كلٌ من مسقط وبكين اهتمامًا متزايدًا بتوطيد عُرى الصداقة وترجمة التطلعات إلى واقع عملي يرسم مسارات المستقبل، تلك المسارات التي أسهمت في إعلان قيام الشراكة الاستراتيجية في عام 2018، في بيان تاريخي صدر آنذاك، وضع الأساس الثابت للعلاقة بين عُمان والصين، والتي تنبثق منها اليوم هذه الزيارة التاريخية لجلالة السلطان المُفدى إلى الصين. لقد برهنتْ عُمان والصين حرصهما على تعزيز العلاقات الثنائية في العديد من المحطات والمراحل التاريخية، وعكست الزيارات المتبادلة التي قام بها مسؤولون رفيعو المستوى، حجم الروابط التي تجمع البلدين، وأسهمت في ترسيخ التعاون في مجالات مختلفة، نجحت من خلالها في إحراز تقدمٍ لافتٍ في ملفات دبلوماسية واقتصادية وثقافية وأمنية. ورغم أنَّ البعض قد يعتقد أنَّ العلاقات العُمانية الصينية تنحصر في الجانب التجاري، إلّا أنها تتعداه إلى مجالات أخرى، ومن بينها العلاقات الثقافية، خصوصًا مع بدء تدريس اللغة الصينية في عدد من مدارس السلطنة، وقبل ذلك إنشاء كرسي السلطان قابوس للدراسات العربية في جامعة بكين، ويكفي أن نعلم أن نحو 2000 طالب صيني يدرسون اللغة العربية سنويًا، مستفيدين من تنامي العلاقات العربية الصينية، وفي القلب منها العلاقات العُمانية الصينية. أضف إلى ذلك العلاقات الإعلامية؛ حيث أبرم البلدان اتفاقيات ومذكرات تعاون في المجال الإعلامي، إلى جانب التعاون الإعلامي بين مؤسسات صحفية عُمانية؛ إذ نُعرب في جريدة الرؤية، عن اعتزازنا بأننا من أوائل المُؤسسات الصحفية العُمانية التي أرست أُسسًا للتعاون المُستدام مع عدد من المؤسسات الإعلامية الصينية، وعلى رأسها مجموعة الصين للإعلام وصحيفة الشعب الصينية. وعندما نتحدث عن العلاقات العُمانية الصينية، لا يُمكن بأي حالٍ إغفال التعاون التقني بين البلدين؛ حيث يولي البلدان اهتمامًا متزايدًا بالتعاون في مجالات الثورة الصناعية الرابعة، خاصةً وأن الصين أثبتت تفوقًا جديراً بالإشادة في هذا الجانب، في ظل التضييق الغربي عليها لمنعها من امتلاك وتطوير التقنيات الحديثة. وتتعاون عُمان والصين في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة، والاقتصاد الرقمي والبنية الأساسية الذكية، إلى جانب مجالات التدريب في مختلف قطاعات التقنية الحديثة. ويُمكن لعُمان والصين الارتقاء بعلاقات التعاون الاقتصادي والتجاري إلى مستويات أكبر مما هي عليه الآن، وجميعنا يترقَّب أن تُسهم الزيارة السامية في تحقيق هذا الهدف، خاصةً وأنَّ الاستثمارات الصينية لا تعكس مستوى الشراكة الاستراتيجية حتى الآن، علاوةً على أنَّ هناك فرصًا واعدة لنمو التبادلات التجارية. والأرقام الحالية تشير إلى أن صادرات سلطنة عُمان غير النفطية إلى جمهورية الصين الشعبية وصلت إلى 210.7 مليون ريال عُماني حتى نهاية أغسطس من العام الجاري، بينما بلغ إجمالي واردات عُمان من الصين نحو 1.74 مليار ريال عُماني في نفس الفترة، ما يُشير إلى عجز في الميزان التجاري لنا؛ الأمر الذي يستلزم زيادة الصادرات العُمانية، وهذا يتحقق من خلال تأسيس مشروعات مشتركة تستفيد من الموانئ العُمانية والمقومات التي تزخر بها المناطق الاقتصادية الخاصة والحرة والمدن الصناعية كذلك، على أن تساعد هذه المشروعات في زيادة الإنتاج الصناعي، ومن ثم تنمية الصادرات العُمانية. هذا إلى جانب أنَّ عُمان مؤهلة للإسهام في إنجاح أهداف مبادرة الحزام والطريق، من خلال إطلاق ممر تجاري بحري، يربط الموانئ الصينية بالعُمانية، ومن ثم إعادة تصدير البضائع الصينية إلى مختلف أنحاء دول الخليج وشرق أفريقيا، فضلًا عن الأسواق الواعدة التي وضعت عُمان بذور الشراكة فيها، مثل آسيا الوسطى وغرب وجنوب القارة الأفريقية. ولذلك، نؤكد أنَّ إنشاء ممر تجاري لوجستي بين عُمان والصين يوفر مسارات تجارية أكثر أمانًا واستدامة، بعيدًا عن الممرات البحرية الضيقة، والتي تشهد بين الحين والآخر صراعات عسكرية واضطرابات. هذا إلى جانب التعاون في القطاع السياحي الواعد، مع التأكيد على ضرورة عودة الخطوط الجوية المُباشرة للطيران العُماني وإطلاق خط مباشر كذلك للطيران الاقتصادي من خلال شركة طيران السلام، بما يُساعد على جذب المزيد من السياح الصينيين. وفي الشق الدبلوماسي، فإنَّ السياسة الخارجية في كلٍ من سلطنة عُمان والصين، تؤمن بثوابت مشتركة، ما يعكس اتساقًا وتوافقًا في المبادئ والقيم المُنظِّمة للعمل السياسي والدبلوماسي؛ فقد أرستْ سلطنة عُمان سياسة خارجية تقوم على تغليب لغة الحوار واحترام سيادة الدول ورفض التدخل في الشؤون الداخلية لها، ونشر السلام وقيم التعايش بين الجميع. ونجد ذلك مُتحقَّقًا في رؤية الرئيس الصيني للسلام والاستقرار، في الشرق الأوسط، من حيث التمسُّك بمبدأ التعايش السلمي وسيادة الدول وسيادة القانون الدولي، علاوة على التمسك بالتوفيق بين التنمية والأمن. ولعل النقطة الأبرز في هذا الجانب، توافق الرؤى بين عُمان والصين فيما يخص القضية الفلسطينية وتأييد بكين لحل الدولتين ورفض أي تصعيد عسكري في الأراضي المحتلة. ولا شك أنَّ الأزمات الإقليمية والدولية، خاصة الحرب على إيران، ستكون حاضرة على طاولة المباحثات بين جلالة السلطان والرئيس الصيني، ولن نُخفي تفاؤلنا بشأن نتائج مثل هذه المُباحثات، خاصةً في ضوء المبادرة العُمانية التاريخية التي أعلن عنها معالي السيد وزير الخارجية الأسبوع الماضي لتوقيع اتفاق عدم اعتداء بين دول الخليج الثمانية، ورفض تدخلات القوى الخارجية في المنطقة. ويبقى القول.. إنَّ الزيارة التاريخية غير المسبوقة لجلالة عاهل البلاد المُفدى- أيده الله- إلى بكين، تؤذن ببداية مرحلة جديدة في العلاقات العُمانية الصينية، وتُتَرجِم التطبيق الفعلي لعلاقات الشراكة الاستراتيجية، وتفتح الباب أمام مزيدٍ من الاستثمارات في مختلف القطاعات، علاوةً على بناء تفاهمات مشتركة تدعم أمن الإقليم وتسهم في إحلال السلام المنشود.
المصدر: الرؤية