ليس مجرد جدول للرواتب.. تحذير برلماني من تغييرات تمس مستقبل الوظيفة العامة في ليبيا - اخبار ليبيا
المشهد – أثار مراقب وعضو اللجنة التشريعية والدستورية بمجلس النواب، صالح افحيمة، تساؤلات بشأن نطاق مشروع قانون المرتبات الموحد المعروض على المجلس، محذراً من أن المشروع لا يقتصر على تنظيم الأجور وتوحيدها بين قطاعات الدولة، بل يتضمن تعديلات جوهرية تطال منظومة الوظيفة العامة، بما قد ينعكس على المسار الوظيفي والحقوق القانونية لمئات الآلاف من العاملين في القطاع الحكومي. وأوضح افحيمة أن المشروع يتناول ملفات تتجاوز تحديد قيمة المرتب والدرجات الوظيفية، لتشمل أحكام التعيين والترقيات وتقييم الأداء والتقاعد المبكر والعقوبات الوظيفية، إلى جانب إلغاء أو تعديل أحكام قانونية قائمة، معتبراً أن جمع هذه التغييرات في مشروع يحمل عنوان توحيد المرتبات يستوجب مراجعة دقيقة لكل مادة قبل إقرارها. وشدد على أن موقفه لا يعني رفض إصلاح منظومة الأجور أو معالجة الفوارق بين موظفي الدولة، وإنما الاعتراض على تمرير تعديلات تشريعية واسعة ضمن مشروع المرتبات دون مناقشة مستقلة ومستفيضة، وبما يضمن عدم المساس بالحقوق المكتسبة للعاملين. تكمن أهمية ملاحظات افحيمة في أن مشروع القانون، وفقاً لما أورده، لا يتعامل مع المرتب باعتباره قيمة مالية يحصل عليها الموظف نهاية كل شهر فحسب، بل يمتد إلى القواعد التي تنظم علاقته بالوظيفة العامة منذ التعيين وحتى التقاعد. فالتعديلات المتعلقة بالتعيين قد تؤثر في شروط الالتحاق بالوظائف العامة، بينما ترتبط أحكام الترقية بتطور المسار المهني والمالي للموظف، في حين يمكن أن يؤدي تغيير قواعد تقييم الأداء إلى التأثير في فرص الترقية والاستحقاقات الوظيفية. أما التقاعد المبكر والعقوبات الوظيفية، فيرتبطان مباشرة بالضمانات القانونية التي تحكم العلاقة بين الموظف والجهة العامة، وهو ما يجعل أي تعديل فيهما بحاجة إلى تحديد واضح للصلاحيات والإجراءات وحقوق الاعتراض والتظلم. ومن هنا، فإن القضية الأساسية التي يطرحها افحيمة تتمثل في ضرورة الفصل بين إصلاح جدول الأجور وبين إعادة صياغة التشريعات المنظمة للوظيفة العامة، حتى لا تمر تغييرات قانونية واسعة دون أن تحظى بالنقاش والرقابة التشريعية الكافيين. يأتي الجدل حول المشروع في وقت تواجه فيه الأسر الليبية ضغوطاً معيشية متزايدة، نتيجة ارتفاع تكاليف السلع والخدمات، وتراجع القوة الشرائية للدخل، إلى جانب التفاوت في المرتبات والمزايا المالية بين القطاعات والمؤسسات العامة. وتعود جذور جانب من هذه الإشكالات إلى تعدد القوانين والقرارات المنظمة للأجور، ووجود جداول خاصة وعلاوات واستثناءات بين المؤسسات، الأمر الذي خلق تفاوتاً في دخول موظفين يؤدون أعمالاً متقاربة، فضلاً عن اختلاف المعايير المعتمدة في التعيين والترقية والاستحقاقات المالية. ولهذا طُرح توحيد المرتبات باعتباره مدخلاً لتحقيق قدر أكبر من العدالة الوظيفية، وتقليص الفوارق غير المبررة، وتحسين دخول أصحاب المرتبات المحدودة، إلا أن نجاح هذه الخطوة يتطلب معالجة الاختلالات التشريعية والإدارية التي أنتجت التفاوت، وليس الاكتفاء بتغيير الأرقام في جداول الأجور. وفي هذا السياق، ناقشت اللجنة المالية بمجلس النواب، في 28 أكتوبر، مع وزير المالية بحكومة الوحدة الوطنية راشد أبوغفة، مشروع قانون نظام المرتبات والحيثيات القانونية والاقتصادية التي أُعد على أساسها، بما في ذلك الإيرادات المتوقعة والاحتمالات المالية المصاحبة للتنفيذ. وأكد الوزير أن المشروع يقوم على مبدأي العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية. لا تتوقف تداعيات المشروع عند الجانب القانوني، إذ يمثل حجم الالتزامات المالية الناتجة عن تطبيقه أحد أبرز الاختبارات أمام السلطات الليبية، خصوصاً في ظل اعتماد المالية العامة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، وما يرافق ذلك من تقلبات في الإيرادات والإنفاق. وتشير تقديرات متداولة في النقاشات الاقتصادية الأخيرة إلى أن فاتورة المرتبات وفق التصورات الجديدة قد ترتفع بصورة كبيرة مقارنة بالمستويات السابقة، وهو ما يفرض ضرورة تحديد التكلفة السنوية الفعلية للجدول، ومصادر تمويلها، ومدى قدرة الخزانة العامة على الوفاء بهذه الالتزامات بصورة منتظمة. وتكمن المخاطر الاقتصادية في أن إقرار زيادات أو استحقاقات مالية دائمة دون توفير موارد مستدامة قد يفاقم الضغوط على الميزانية، ويزيد الحاجة إلى التمويل، بما قد ينعكس على السيولة والأسعار والقوة الشرائية، خصوصاً إذا لم تتزامن الإصلاحات مع ضبط الإنفاق وتحسين إدارة الإيرادات العامة. وفي المقابل، فإن تأجيل إصلاح المرتبات أو الإبقاء على التفاوتات القائمة يواصل الضغط على الموظفين، ويضعف العدالة بين القطاعات، ويحد من قدرة الرواتب على مواكبة تكاليف المعيشة. وبذلك تواجه الدولة معادلة مزدوجة: تحسين دخول الموظفين ومعالجة الفوارق من جهة، وضمان عدم تحول جدول المرتبات إلى التزام مالي يتجاوز قدرة الاقتصاد الليبي على تمويله من جهة أخرى. يرى عضو اللجنة التشريعية والدستورية أن الحل يتمثل في إخضاع المشروع لمراجعة تشريعية ومالية شاملة، تدرس كل مادة على حدة، وتحدد أثرها على القوانين النافذة والحقوق المكتسبة والمسارات الوظيفية للعاملين. وتتضمن هذه المراجعة، وفقاً لجوهر ملاحظاته، ضرورة التمييز بين المواد المتعلقة بتوحيد الأجور وتلك التي تعيد تنظيم التعيين والترقية والتقاعد والعقوبات، مع ضمان عدم إلغاء حقوق قانونية مستقرة دون سند واضح أو معالجة انتقالية عادلة. كما ينبغي أن تتضمن الدراسة تقييماً للتكلفة المالية الإجمالية، وتحديد مصادر التمويل، وآليات التطبيق، والجدول الزمني للانتقال إلى النظام الجديد، حتى لا يصدر قانون يصعب تنفيذه أو يخلق نزاعات قانونية وإدارية جديدة. وبذلك لم يعد النقاش حول المرتبات الموحدة متعلقاً فقط بما سيحصل عليه الموظف من زيادة، بل بما قد يتغير في وضعه القانوني والوظيفي، وبقدرة الدولة على تمويل النظام الجديد. إقرأ الخبر ايضا في المصدر من >> المشهد الليبي
المصدر: ليبيا أخبار