الحـديـدي: تـفاصيـل صــغـيــرة كشفـت جرائـم وأنقـذت أبرياء
ليست كل حقيقة واضحة منذ اللحظة الأولى، وليست كل وفاة كما تبدو في ظاهرها.. أحياناً، تكون تفصيلة صغيرة في جسد متوفى مفتاحاً لكشف جريمة، أو دليلاً يبرّئ متهماً من تهمة لم يرتكبها.. وبين الاحتمال والحقيقة، يقف الطب الشرعي شاهداً لا يتحدث إلا بلغة الأدلة. بهذه الفكرة، استعاد المدير الأسبق للمركز الوطني للطب الشرعي الدكتور مؤمن الحديدي، خلال استضافته في «بودكاست الدستور»، محطات من مسيرته المهنية، وروى قصصاً من قضايا بقيت تفاصيلها عالقة في ذاكرته، مؤكداً أن الطب الشرعي لا يقتصر على تحديد أسباب الوفاة، بل يؤدي دوراً محورياً في تحقيق العدالة وصون حقوق الإنسان. لم تكن المشرحة في بداياته مكاناً مألوفاً، بل ارتبطت لديه بالرهبة التي يشعر بها أي طبيب يدخل هذا العالم للمرة الأولى.. لكن التجربة الطويلة غيّرت علاقته بالمهنة، حتى أصبح يشعر بأن يومه لا يكتمل من دون ممارسة عمله. ومع ذلك، يؤكد الحديدي أن الصعوبة الحقيقية لا تكمن في التعامل مع الجثث بقدر ما تكمن في مسؤولية الوصول إلى استنتاج علمي دقيق، والتعامل مع أسر فقدت أحد أفرادها وتنتظر إجابة واضحة. ويروي كيف واجه حالة طالب فيها شقيق متوفى بالاستعانة بخبير من بريطانيا، لعدم اقتناعه بإمكانات الخبرة المحلية.. ويوضح أنه عمل على إقناعه بكفاءة الطب الشرعي الأردني، مشيراً إلى أن الاستعانة بخبير أجنبي قد تكلف مبلغا طائلا، من دون أن تعني بالضرورة الوصول إلى نتيجة أفضل. وفي إطار تعزيز الثقة، يتحدث عن تشكيل لجان تضم ثلاثة أطباء من خلفيات دينية ومناطق جغرافية مختلفة، بما يعزز الاطمئنان إلى سلامة الإجراءات وحياد الخبرة. فتاة في المسبح.. والحقيقة التي بددت الشكوك من القضايا التي يتذكرها الحديدي وفاة فتاة بريطانية في العشرينيات من عمرها، عُثر عليها في مسبح وهي ترتدي لباس السباحة، من دون ظهور آثار عنف واضحة. وبعد التشريح والفحوص، تبيّن أنها تعرضت لنوبة صرع مطوّلة أدت إلى فشل تنفسي، ولم تكن وفاتها نتيجة اعتداء كما أوحت شكوك أولية. وكان والد الفتاة يعيش شعوراً بالذنب، معتقداً أنه ربما تسبب في وفاتها.. وبعد أن اتضحت الحقيقة، تلقى الحديدي منه رسالة شكر مطوّلة، عكست الأثر الإنساني الذي يمكن أن تتركه نتيجة علمية دقيقة في حياة أسرة فقدت ابنتها. يتذكر الحديدي قضية سيدة في الأربعينيات من عمرها توفيت بصورة مفاجئة، فيما رفض زوجها، الذي كان معروفاً في محيطه، تشريح الجثة، مستنداً إلى عدم وجود شبهة جنائية. غير أن الفحص الظاهري أثار شكوك الطبيب الشرعي، بعدما لاحظ بقعاً نزفية في الجفنين، وزرقة في الشفة واحتقاناً، وهي علامات استدعت إجراء التشريح للتحقق من سبب الوفاة. ويقول الحديدي إن التشريح كشف أن السيدة تعرضت للخنق، لتتحول القضية من وفاة تبدو طبيعية إلى جريمة قتل. ويستذكر أن فريق البحث الجنائي تعامل مع القضية بحذر، قبل أن يعود إليه لاحقاً أحد المحققين ويخبره باعتراف الزوج بقتل زوجته. بالنسبة للحديدي، لم تكن تلك التفاصيل الصغيرة أموراً هامشية؛ بل كانت مؤشرات تستحق التوقف عندها، وأسهمت في الوصول إلى الحقيقة. وفي مقابل القضايا التي كشف فيها الطب الشرعي جرائم قتل، يستعيد الحديدي قضية طفل مفقود عُثر عليه في بئر مهجورة، وسط اتهامات وجهها الأهالي إلى رجل غريب عن المنطقة. ويقول الحديدي إنه أبلغ المدعي العام بملاحظاته، وإنه أصر على أن النتائج الطبية لا تشير إلى وجود إصابات، وأن سقوط الطفل في البئر قد يفسر ما حدث. ويؤكد الحديدي أن مثل هذه الحالات تكشف أهمية إخضاع الوقائع للأدلة العلمية؛ فالتقرير الطبي الشرعي قد يكون وسيلة لإثبات الجريمة، لكنه قد يكون أيضاً سبباً في إنقاذ بريء من عقوبة قاسية. يوضح الحديدي أن التشريح لا يُجرى لمجرد الرغبة في معرفة تفاصيل الوفاة، بل وفق مقتضيات قانونية وطبية، خصوصاً عندما تكون الوفاة ناجمة عن قتل أو عندما تحيط بها ظروف مجهولة تثير الشبهة. ويستشهد بالنص القانوني الذي ينظم الاستعانة بالأطباء لتحديد سبب الوفاة وظروفها، مشدداً على أهمية قراءة النصوص القانونية في سياقها وعدم التعامل مع كل وفاة على أنها جريمة. ويشير إلى أن حالات الأطفال وكبار السن والمحتجزين وغيرهم قد تستدعي تدقيقاً إضافياً عندما تكون ظروف الوفاة غير واضحة، مع ضرورة التمييز بين الاشتباه الذي يستوجب التحقيق والإثبات الذي يستند إلى الأدلة. كما يلفت إلى أن التشريح لا ينجح دائماً في تحديد سبب الوفاة بصورة قاطعة؛ إذ قد تتعذر معرفة السبب في نسبة من الحالات، رغم الفحوص، بسبب اضطرابات وظيفية لا تترك بالضرورة علامات تشريحية واضحة، مثل بعض اضطرابات مستوى السكر أو البوتاسيوم في الدم. من أكثر المحطات التي بقيت في ذاكرة الحديدي تفجيرات عمّان عام 2005.. يومها يتذكر وصوله إلى موقع الحادث، حيث وجد مسؤولين وأجهزة أمنية تعمل على التعامل مع التداعيات، وفي الطب الشرعي، كان التحدي كبيراً؛ إذ تطلبت الكارثة تنسيقاً واسعاً للتعامل مع عشرات الضحايا، ولم تقتصر المهمة على تحديد أسباب الوفاة، بل شملت التحقق من هويات المتوفين والتمييز بين الضحايا والمنفذين. ويستعيد الحديدي واقعة مرتبطة بخطأ في التعرف إلى إحدى الجثث، أدت إلى تداول خبر غير صحيح عن وفاة ساجدة الريشاوي، التي ألقي القبض عليها لاحقا ونفذ فيها حكم القضاء، قبل أن تتضح لاحقاً ملابسات القضية.. ويبرز من خلال هذه الحادثة مدى خطورة الخطأ في تحديد الهوية، خصوصاً في الأحداث الكبرى التي تتسابق فيها المعلومات مع الوقت. يتحدث الحديدي عن تجربته في حضور تنفيذ أحكام إعدام قبل عام 2007، مشيراً إلى أنه بات اليوم يعارض تنفيذ العقوبة، لا منطلقاً من إنكار خطورة الجرائم، بل من قناعته بأن وجود المحكومين لفترات طويلة في السجون قد يحقق الردع، وأن تنفيذ الحكم ينهي هذه الإمكانية. ويستعيد بعض الكلمات التي سمعها من محكومين في اللحظات الأخيرة، قائلاً إن بعضهم كان يطلب الصفح من ذوي الضحايا، فيما كان آخرون يؤكدون براءتهم. ويضيف أن ادعاء البراءة لا يمكن أن يُقبل أو يُرفض بمجرد القول، بل ينبغي أن يُقاس بالأدلة والوقائع. الطب الشرعي.. جزء من منظومة حقوق الإنسان ولا يحصر الحديدي دور الطب الشرعي في كشف أسباب الوفاة، بل يرى أنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع لحماية حقوق الإنسان، تشمل التعامل مع حالات العنف ضد النساء والأطفال، والانتهاكات المحتملة بحق المحتجزين والأشخاص ذوي الإعاقة. في ختام حديثه، يعود الحديدي إلى الفكرة التي رافقته طوال مسيرته: أن التعامل مع جسد المتوفى ليس إجراءً فنياً منفصلاً عن القيم الإنسانية، بل مسؤولية تتصل بحق الأسرة في معرفة الحقيقة، وحق المجتمع في العدالة، وحق الإنسان في الحماية من الظلم. ويستعيد ما تعلمه من أحد أساتذته البريطانيين، في خلاصة تختصر فلسفته المهنية: احترام الميت يبدأ بمعرفة أسباب وفاته، واحترام الحي يكون بتوفير متطلبات استقلاليته وصون حقوقه.
المصدر: الدستور