مبادرة السيسي ودروس الربيع العربي
بعد بضعة أسابيع تمر ستة عشر سنة على اندلاع شرارة أحداث ما سمي "الربيع العربي"، التي أطاحت أنظمة سعى حكامها إلى التمديد في مدة حكمهم حتى لمّا بدا واضحاً أن مدة صلاحيتها قد انتهت.
إلى اليوم وحتى في البلدان التي نجت من العنف والفوضى بعد 2011 لم تطرأ تحولات جوهرية تطمئن المواطن إلى أن التاريخ لن يعيد نفسه.
بعكس ذلك يبدو إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أخيراً أنه سينسحب من السلطة في نهاية عهدته الحالية مؤشراً على أن بعض الأنظمة الجديدة بدأ يستخلص العبرة مما سبق. قال السيسي إن سنة 2030 ستكون الأخيرة في حكمه وإن قراره "محسوم تماماً" بهذا الشأن.
اختلفت ردود الفعل بعد تصريحه بين من يحاول فهم أسباب القرار ومن يرى فيه تعزيزاً لدور الجيش وتقليصاً لدور الأحزاب وقوى المجتمع المدني حتى نهاية عهدته، وذلك على أساس البرنامج الذي اقترحه لـ"تأهيل جيل آخر من القادة" ضمن الأكاديمية العسكرية يشمل المترشحين للرئاسة (حسب شروط محددة في السن والمستوى الأكاديمي).
لم يكن هناك ما يوحي احتمال اتخاذ السيسي قرار الانسحاب. كان السيناريو الأكثر ترجيحاً هو إيجاد صيغة دستورية تسمح له بالتمديد بعد نهاية عهدته الثالثة. لذا كان لتصريحه مفعول الصدمة بين صفوف المعارضة والمساندين على حدٍ سواء.
يفسر ذلك إلى حدٍ بعيد تشكيك البعض في إيفاء السيسي تعهده مستقبلاً، سواء عقب إعادة تقييمه للأوضاع أو إثر "مناشدات" الأنصار والقريبين منه له بالبقاء. بدا بعض التطورات الأخيرة كأن فيه تصديقاً لنبوءة المشككين بعدما ارتفعت أصوات عديدة في مصر تدعو إلى تنقيح الدستور من أجل التمديد للرئيس، على أساس أن البلاد في أزمة و"ليس هناك بديل" من السيسي.
لا شيء يوحي حالياً أن هذه الأصوات تشكل بدءاً لحملة تشبه حملات "المناشدة" السابقة التي شهدتها المنطقة، من مغربها إلى مشرقها. تتالت المناشدات في ظل حكم بوتفليقة وعبد الناصر ومبارك وبن علي والبشير متجاهلة الدساتير أو هي تطوعها، معمقة بذلك أزمة الحكم في المنطقة.
في انتظار أن تتضح الصورة في ما خص آليات المرحلة الانتقالية التي أطلقها السيسي سيبقى العديد من التساؤلات مطروحاً، وأهل مصر بالطبع أدرى بالإجابة عنها.
ولكن القضية الأهم حسب رأيي هي ما تتضمنه مبادرة الرئيس المصري من محاولة للقطع مع تقاليد أضرّت بالاستقرار والتطور في مصر والمنطقة العربية عامة، والمرور عوضاً عن ذلك إلى مقاربة تؤسس للدولة الحديثة بدءاً بالترتيب الممنهج لتداول السلطة.
من هنا يمكن أن نفهم موقف من دافعوا عن مبادرة السيسي باعتبارها "خطوة تاريخية" جريئة، من شأنها أن تفتح آفاقاً جديدة للنظام السياسي المصري والعربي، مؤكدين أن مدة الواحد والأربعين شهراً المقبلة ستسمح بالإعداد لانتقالٍ هادئ يقي البلاد مطبات سقط فيها كل من أخطأوا التقدير من القادة العرب.
فعندما ينظر المرء اليوم إلى انهيارات "الربيع العربي" وأسبابها، يرى بوضوح أن تشبث القادة المفرط بالسلطة كان من جملة العوامل الحاسمة لسقوط أنظمتهم.
طول مدة الحكم يُضعف شعبية الحاكم ويصيبه هو نفسه بما يشبه الملل، فيتحول اهتمامه من الإصلاح والإنجاز إلى البقاء في السلطة والإبقاء على كل شيء من دون تغيير. في ظل ذلك تصبح الاستحقاقات الانتخابية والاستفتاءات الشعبية مواعيد بلا معنى. ولا يمر وقت طويل حتى يبدأ مسلسل محاولة توريث الحكم لأسرة الرئيس.
في الأثناء تنشأ أجيال جديدة لا تعرف بالضبط من ذا الذي يحكمها، لا هي تفهمه ولا هو يفهمها، مما يمهد لقطيعة تنتهي بتفجير الأوضاع.
أظهر التاريخ أن مغادرة الرئيس للحكم قبل أن ينفد صبر محكوميه خير ضمان له حتى يحافظ من يأتي من بعده على منجزاته ويراكمها عوض دفع البلاد إلى نقطة الصفر. وقد يكون بن علي لخّص ذلك عندما أسرّ لأحد القريبين منه في آخر 23 عاماً من حكمه: "أخشى ألا يتذكر الناس من مدة حكمي سوى الاحتجاجات وينسى الجميع ما أنجزت".
المصدر: النهار