شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

اتفاق مكة وإعادة تشكيل النظام الإقليمي

اتفاق مكة وإعادة تشكيل النظام الإقليمي

د. سليمان بن حمد الفارسي لم يعد اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان مجرد تفاهم أمني بين ثلاث دول، بل أصبح مؤشرًا على تحوّل أعمق في البيئة الاستراتيجية للمنطقة. فالأهمية الحقيقية للاتفاق لا تكمن فقط في ما يجمعه من قدرات سياسية واقتصادية وعسكرية، وإنما في إمكانية أن يتحول من ترتيب دفاعي إلى خطوة في إعادة بناء مفهوم الأمن الإقليمي نفسه، بحيث تنتقل المنطقة تدريجيًا من أمن تُدار قواعده إلى حد كبير من الخارج، إلى أمن تصبح دوله صاحبة المبادرة في صياغته وحمايته. وتنبع قوة هذا التكوين من اجتماع ثلاث دوائر استراتيجية متكاملة تتمثل في الثقل الاقتصادي والجغرافي والسياسي السعودي، والقدرة العسكرية والصناعية التركية، والعمق الجغرافي والاستراتيجي الباكستاني. غير أن اجتماع عناصر القوة لا ينتج بالضرورة نظامًا جديدًا؛ فقد يتحول إلى محور آخر في منظومة الاستقطاب، وقد يصبح في المقابل نواة لتوازن أوسع. والفارق بين المسارين يكمن في الغاية التي توظف من أجلها هذه القوة وفي طبيعة النظام الذي تسعى إلى بنائه. والمنطقة لا تحتاج إلى تحالف جديد يضاف إلى سلسلة التحالفات التي عرفتها خلال الفترات الماضية، بقدر حاجتها إلى منظومة أكثر نضجًا لإدارة القوة والخلاف والمصالح. فالتحالفات تستطيع مواجهة التهديدات، لكنها لا تكفي وحدها لتنظيم التنافس أو منع الأزمات من التحول إلى حروب. أما النظام الإقليمي المتوازن فيقوم على قواعد تتجاوز لحظة المواجهة إلى إدارة أسبابها، وعلى مؤسسات تستطيع احتواء الأزمات قبل أن تتسع، وعلى ترتيبات تجعل استخدام القوة استثناءً لا قاعدة. ومن هنا تبرز ضرورة الانتقال من مفهوم الدفاع المشترك إلى مفهوم أوسع هو الأمن المشترك؛ فالأمن في الخليج لم يعد مسألة عسكرية بالمعنى التقليدي، بل أصبح منظومة مترابطة تشمل الممرات البحرية والطاقة والموانئ والمنشآت الحيوية والاتصالات وسلاسل الإمداد والأمن السيبراني والاستقرار الاقتصادي. وأي خلل كبير في أحد هذه المكونات لا يبقى محصورًا في الدولة التي يبدأ فيها، بل يمتد أثره إلى الإقليم والأسواق العالمية. ولذلك فإن حماية المنطقة تتطلب قدرة لا تقتصر على الرد على التهديد، وإنما تشمل الاستباق والاحتواء والصمود واستعادة الاستقرار. ومن هذه الزاوية تحديدًا ينبغي التعامل مع اتفاق مكة بوصفه مشروعًا استراتيجيًا طويل الأمد، لا أداة لحرب مفتوحة أو صراعات تستنزف طاقته. فالقوة التي تُستهلك في مواجهات ممتدة تفقد جزءًا من قدرتها على بناء التوازن، والاتفاق الذي يتحول إلى طرف دائم في الحروب يفقد تدريجيًا وظيفته كأداة للردع والاستقرار. ولذلك فإن حماية الاتفاق من الاستنزاف في حروب طويلة أو صراعات جانبية، سواء في اليمن أو غيرها، ليست مسألة تكتيكية هامشية، بل جزء من صميم نجاحه الاستراتيجي. فالردع الفعال لا يقاس بعدد الحروب التي تُخاض، وإنما بعدد الحروب التي يتم منعها. والقوة الأكثر تأثيرًا ليست بالضرورة التي تستخدم قدراتها باستمرار، بل التي تجعل استخدامها أقل ضرورة. ومن هنا تصبح قيمة اتفاق مكة مرتبطة بقدرته على رفع كلفة الاعتداء، وخفض احتمالات الحرب، ومنح دول المنطقة قدرة أكبر على حماية مصالحها، من دون أن يتحول هو نفسه إلى أسير لمنطق الحرب الدائمة. وكلما حافظ على هذه الوظيفة، ازدادت قدرته على التوسع السياسي والجغرافي، وأصبح أكثر قابلية لأن يشكل قاعدة لنظام أمني إقليمي أوسع. غير أن أي نظام من هذا النوع لا يمكن أن يقوم على الإقصاء. فإيران والعراق جزء أصيل من جغرافيا الخليج، ومصر تمثل ثقلًا عربيًا واستراتيجيًا لا يمكن تجاهله، كما أن أمن دول الخليج مرتبط بصورة مباشرة بالبيئة المحيطة بها. ولا يمكن للجغرافيا أن تُلغى بسبب الخلافات السياسية، كما لا يمكن للقوة أن تختفي بمجرد استبعادها من ترتيبات رسمية. ولهذا فإن إدماج إيران مستقبلًا في ترتيبات الأمن الإقليمي لا يعني التسليم بنفوذها، كما أن إبقاء الخلاف معها لا يبرر تحويل المنطقة إلى ساحة صراع دائم. الطريق الأكثر استدامة يتمثل في نقل التنافس من فضاء مفتوح على التصعيد إلى إطار تحكمه قواعد واضحة، بحيث تصبح القوة خاضعة لحسابات التوازن، وتصبح الخلافات قابلة للإدارة، وتُغلق المساحات التي تسمح للأزمات الصغيرة بأن تتحول إلى مواجهات كبرى. وفي هذا الإطار يكتسب الدور العُماني أهمية تتجاوز مفهوم الوساطة التقليدية؛ فالحاجة إلى الحوار ليست بديلًا عن الردع، كما أن الردع لا يغني عن وجود قنوات اتصال قادرة على منع سوء التقدير. والقوة تمنح التوازن أساسه، بينما يمنح الحوار هذا التوازن القدرة على الاستمرار. ومن هنا يمكن لاتفاق مكة والدور العُماني أن يشكلا عنصرين متكاملين في بنية أمنية إقليمية أكثر نضجًا؛ قوة توفر الردع والتوازن، ودبلوماسية توفر الاتصال وتمنع انقطاع قنوات التفاهم. فالقوة من دون حوار قد تنتج تصعيدًا متواصلًا، والحوار من دون قوة قد يفتقر إلى أدوات حماية نتائجه. أما الجمع بينهما فيتيح بناء معادلة أكثر استقرارًا، تقوم على الردع لمنع الاعتداء، والحوار لمنع سوء الحساب، والمؤسسات لإدارة الخلاف. غير أن نجاح هذه الرؤية يتطلب الانتقال من التفاهمات السياسية إلى البناء المؤسسي. فالاتفاقات لا تصبح أنظمة بمجرد توقيعها، وإنما عندما تتحول إلى مؤسسات وآليات دائمة. ويشمل ذلك إنشاء أطر للتشاور الأمني وتبادل المعلومات، وتطوير القدرات الدفاعية والصناعات العسكرية، وتعزيز أمن المنشآت الحيوية والموانئ والممرات البحرية، وبناء آليات للإنذار المبكر وإدارة الأزمات، بما يجعل الاستجابة للأخطار جزءًا من منظومة مشتركة لا ردود فعل منفردة. وفي الوقت نفسه، فإن بناء قدرات إقليمية مستقلة لا يعني الانغلاق على العالم أو القطيعة مع القوى الدولية. فالمنطقة ستظل مرتبطة بشبكة واسعة من المصالح والشراكات الدولية، لكن المطلوب هو إعادة تعريف طبيعة هذه العلاقة؛ بحيث تكون القوى الكبرى شركاء في الأمن لا أوصياء عليه، وتكون الشراكات الدولية رافعة للقدرات الإقليمية لا بديلًا عنها، وتبقى القرارات المتعلقة بمصالح المنطقة وأمنها الاستراتيجي بيد دولها. لقد عرفت المنطقة خلال عقود كثيرة ترتيبات أمنية متعددة، لكنها لم تنجح في إنهاء منطق الصراع أو منع عودة الأزمات. والسبب أن إدارة الأمن من الخارج، مهما بلغت كفاءتها، لا تستطيع أن تحل محل بناء توازن إقليمي تتشارك دوله في صياغة قواعده. فكما أن الاعتماد الكامل على القوة لا ينتج الاستقرار، فإن الدبلوماسية المجردة عن أدوات الردع لا تستطيع وحدها حماية المصالح. إن المنطقة لا تحتاج إلى إعادة توزيع المحاور بقدر حاجتها إلى إعادة تعريف قواعد اللعبة نفسها. ولا تحتاج إلى استبدال مظلة خارجية بأخرى، وإنما إلى بناء قدرة إقليمية تجعل الشراكات الخارجية اختيارًا استراتيجيًا لا ضرورة وجودية. وفي هذا المعنى، فإن اتفاق مكة يمكن أن يمثل أكثر من ترتيب أمني بين ثلاث دول. فقد يكون خطوة في انتقال تاريخي من أمن يعتمد على الآخرين في ضمانه إلى أمن تشارك دول المنطقة في صياغته وحمايته، ومن توازنات تقوم على الاستقطاب إلى توازن يقوم على الردع والحوار، ومن إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء منظومة تمنعها قبل أن تتحول إلى حروب. وهذه هي القيمة التي يمكن أن تمنح اتفاق مكة وزنه الحقيقي؛ بأن تتحول القوة من أداة للصراع إلى وسيلة لصناعة الاستقرار، وأن يتحول التوازن من حالة مؤقتة إلى نظام، وأن تصبح دول المنطقة صاحبة القرار في أمنها، فيما تبقى القوى الدولية شركاء في حمايته لا أوصياء على مستقبله.

المصدر: الرؤية