شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الشراكة الصينية.. من التجارة إلى الاستثمار الميداني

الشراكة الصينية.. من التجارة إلى الاستثمار الميداني

يمثل التعاون الاقتصادي السوري الصيني فرصة لفتح آفاق جديدة للاستثمار وإعادة الإعمار، والاستفادة من الإمكانات الصناعية والتكنولوجية الصينية في دعم الاقتصاد السوري، إلا أن نجاح هذه الشراكة يرتبط بقدرة سوريا على توفير البيئة المناسبة للاستثمار وتحويل التفاهمات الاقتصادية إلى مشاريع فعلية تسهم في تحريك الإنتاج. ويرى عميد كلية الاقتصاد في جامعة اللاذقية، الدكتور عبد الهادي الرفاعي، في حديث لـ”الوطن” أن لقاء الرئيس أحمد الشرع مع الوفد الاقتصادي الصيني، الذي عُقد في 3 تشرين الثاني في قصر الشعب بدمشق، لا يمثل مجرد مجاملة دبلوماسية، بل يشكل خطوة جوهرية في الاستراتيجية الاقتصادية السورية. ويمكن، بحسب الرفاعي، قراءة هذا اللقاء باعتباره إعلاناً عن تحول جذري في النموذج الاقتصادي السوري، يرتكز على ثلاثة محاور أساسية، تتمثل في جذب الاستثمارات الصينية لإعادة الإعمار، والتحول من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي، وكسر العزلة الاقتصادية لسوريا عبر بوابة الصين. وأوضح الرفاعي أن ما يميز اللقاء في دمشق أنه جاء بالتزامن مع الملتقى السوري الصيني للتنمية الاقتصادية، وبمشاركة 16 شركة صينية بارزة متخصصة في البناء والهندسة والصناعة وإعادة الإعمار، ما يعني أن اللقاء لم يكن بروتوكولياً، بل جمع صانع القرار السوري بالجهات التنفيذية التي ستتولى تنفيذ المشاريع. وأضاف أن الحضور الوزاري السوري المكثف، ممثلاً بوزارات الطاقة والأشغال والصناعة والتجارة، إلى جانب هيئة الاستثمار السورية، يشير إلى رغبة الإدارة السورية في تقديم تسهيلات فورية ومباشرة للشركات الصينية، وتجاوز البيروقراطية التي أعاقت الاستثمارات سابقاً. كما أن برنامج الملتقى تضمن زيارات ميدانية لمواقع صناعية في حمص وحماة وحلب، وهو ما يعكس رغبة حقيقية وجادة من الجانب السوري في تحويل الاتفاقيات إلى واقع ملموس بسرعة. من إعادة الإعمار إلى الاقتصاد المنتج وأشار الرفاعي إلى أن النقطة الأهم في القراءة الاقتصادية لهذا اللقاء تتمثل في تصريح وزير الاقتصاد السوري، الذي أكد أن الهدف لا يقتصر على إعادة إعمار ما تهدم، بل يتجه نحو بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية يقوده القطاع الخاص، معتبرا أن ذلك يمثل إشارة واضحة إلى رغبة سورية في تجاوز مرحلة الاعتماد على المساعدات أو الاقتصاد الريعي، والانتقال إلى شراكات صناعية حقيقية مع الصين. ولفت إلى أن الصين ليست دولة مانحة تقليدية، بل شريك اقتصادي يبحث عن فرص استثمارية وممرات تجارية، في حين تقدم سوريا موقعاً جغرافياً استراتيجياً باعتبارها جزءاً من ممرات التجارة نحو البحر المتوسط، إلى جانب سوق تحتاج إلى كل شيء تقريباً. وبذلك، يمثل اللقاء، وفق الرفاعي، مصالحة اقتصادية بين حاجة سورية الملحة إلى التمويل والتكنولوجيا، ورغبة الصين في التوسع الاقتصادي في المنطقة. التحديات الواقعية.. بين الطموح والتنفيذ ورغم الأجواء الإيجابية، أكد الرفاعي وجود تحديات جوهرية ينبغي أخذها في الاعتبار عند إجراء أي قراءة معمقة لهذا التعاون، وفي مقدمتها البيئة التشريعية والمالية، إذ إن الصين لا تستثمر في دول تعاني من غياب الاستقرار القانوني والمالي. وأوضح أن الملتقى ناقش المتطلبات القانونية والمالية والتنظيمية، ما يعني أن هناك فجوة لا تزال قائمة بين ما تريده الشركات الصينية وما تقدمه الحكومة السورية حالياً، مشيراً إلى أن التحويلات المالية والعقوبات، حتى لو خُففت جزئياً، لا تزال تشكل عائقاً عملياً. ومن التحديات أيضاً المنافسة الإقليمية، إذ تتعامل الصين مع سوريا باعتبارها جزءاً من مصالحها الأوسع في الشرق الأوسط، في وقت تسعى فيه دول أخرى، مثل السعودية والإمارات، إلى الاستثمار في سوريا. كما تبرز المخاطر الأمنية واللوجستية، فعلى الرغم من تحسن الأوضاع، لا تزال بعض المناطق التي شملتها الزيارات الميدانية، ومنها حمص وحماة وحلب، تحتاج إلى ضمانات أمنية طويلة الأمد لتشجيع الاستثمارات الضخمة. وخلص الرفاعي إلى أن اللقاء يمثل اقتصادياً أول اختبار حقيقي لجدية سوريا في التحول إلى اقتصاد السوق، وأول اختبار لجدية الصين في لعب دور اقتصادي، وليس سياسياً فقط، في سوريا. وأكد أن نجاح هذا المسار لا يقاس بعدد الشركات المشاركة، بل بمدى سرعة تحويل هذه اللقاءات إلى عقود تنفيذية وتدفقات مالية تدخل الخزينة السورية وتحرك عجلة الإنتاج. وختم بالقول إن نجاح سوريا في تقديم ضمانات حقيقية للشركات الصينية قد يجعل من هذا اللقاء نقطة تحول اقتصادي حقيقية.

المصدر: الوطن