شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

جواد السلايطه…. نورك أبقى من ظلامهم

جواد السلايطه…. نورك أبقى من ظلامهم

اسمح لي، يا جواد، أن أناديك في أول البوح: يا ولدي… وأن أمدّ إليك، من وراء هذا الغياب الفادح، يدَ أبٍ يعرف كيف ترتجف اليد حين تعود من وداع ابنها فارغة. فالشرفاء يا جواد هم أبناءٌ لكل الوطن، وللأبوة قرابةٌ تعقدها المحبة وتوثّقها الدموع. وحين بلغني نبأ استشهادك، ارتجف في صدري اسمٌ أعرفه؛ وما إن ناديتك: «يا جواد»، حتى أجابني الحنين من أعمق الروح: «يا معاذ».يا جواد، كنت تحرس إحدى الهيئات الدبلوماسية في عمّان، قائمًا على واجبك، حين باغتك إرهابي بأداة حادة، فارتقيت شهيدًا وأنت تؤدي أمانتك. ومنذ تلك اللحظة، صار اسمك، العريف جواد علي خلف السلايطة، وجعًا في بيوتٍ لم تدخلها، ودعاءً على شفاهٍ لم تعرفك، وغصّةً في صدور آباءٍ تمنّوا لو استطاعوا أن يردّوك إلى أبيك سالمًا، ثم يمضوا في صمت.يا جواد، لم تمتدّ إليك يدُ مجرمٍ منفردة فحسب؛ بل امتدّ إليك فكرٌ تكفيريّ أسود، يبدأ بكلمةٍ مسمومة تُحرّض على الكراهية، وينتهي بنصلٍ يبحث عن صدرٍ بريء. فالإرهاب لا يولد ساعة الجريمة، وإنما يولد يوم يُقنع عقلٌ مريض صاحبه بأنه وكيلٌ عن السماء، وأن له أن يوزّع على الناس صكوك الإيمان والكفر، ثم يستبيح أرواحهم باسم الله. هناك تُذبح الرحمة أولًا، قبل أن يُذبح الإنسان.أيُّ دينٍ هذا الذي يتوهّمونه، ودين الله جعل حرمة النفس من أعظم الحرمات؟ وأيُّ عبادةٍ تلك التي يريدون إقامتها فوق دم حارسٍ يؤدي أمانته؟ إن الإسلام بريءٌ من سكاكينهم، والوطن بريءٌ من خيانتهم، والإنسانية بريئةٌ من فكرٍ أطفأ في أصحابه نور العقل والضمير. إنهم لا ينصرون عقيدةً؛ بل يسيئون إليها، ولا يرفعون راية الله؛ بل يلطّخونها بدمٍ حرّمه الله، ويمنحون جهلهم أسماءً مقدسة لا يستحقونها.إن الاسم الذي سيحفظه الأردنيون ليس اسم من حمل السكين، بل اسم من حمل الأمانة: جواد السلايطة. سيذوب اسم القاتل في عتمة جرمه، ويبقى اسم الشهيد مضيئًا في ضمير الوطن؛ لأن الإرهاب، مهما أحدث من جرح، لا يستطيع أن يمنح صاحبه مجدًا، ولا أن ينتزع من الشهيد خلوده.وسنواجه هذا الفكر كما نواجه فعله؛ بوعيٍ يفضح كذبه، وعلمٍ يهدم أوهامه، وقانونٍ يردع جرمه، ووحدةٍ وطنيةٍ لا تترك له شقًّا يعبر منه إلى أبنائنا. فالصمت عن التحريض يهيّئ الطريق للسكين، والتساهل مع خطاب التكفير يترك النار تكبر تحت الرماد. وسيبقى الأردن أكبر من ظلامهم، وأرسخ من أوهامهم، وسيظل دم جواد ودماء شهدائنا جميعًا أمانةً تدعونا إلى اجتثاث منابع التطرف، وحماية عقول أبنائنا من تجّار الموت.أفكر فيك يا جواد ، وفي كل حارسٍ نمرّ به مسرعين إلى مشاغلنا. كم من مرةٍ نعبر مطمئنين، ونترك وراءنا رجلًا يحمل نصيبه من الخطر كي يخفّ نصيبنا منه. نعود إلى أهلنا، ونؤجل بعض الكلام إلى الغد، ونحسب أن للحياة متسعًا دائمًا؛ حتى يأتي خبر استشهاد أحدكم، فيوجعنا أن نكتشف كم من الطمأنينة التي عشناها كان يسندها عمرُ إنسانٍ يقف هناك.ويا أبا جواد… يا أخي الذي أعرف وجعه قبل أن أسمع صوته، تعالَ أضع يدي في يدك. أعرف تمامًا ما يعتلج في قلبك من ضجيج، وما تفعله بك هذه الكلمات التي تأتيك من كل صوب، فيما يظل قلبك واقفًا عند كلمةٍ واحدة: ابني. كأن في أعماقك أبًا ما يزال ينادي، وكلما قيل له إن الوداع قد تمّ، التفت نحو الباب.فقدتُ ولدي، الرائد الطيار معاذ ، شهيدًا. وحملتُ بعده عمرًا يمضي في حساب الأيام، ويقف في حساب القلب عند غيابه. ومنذ رحيله، صار لاسم كل شهيدٍ رجعٌ في صدري؛ أسمعه، فيستيقظ معاذ، وتنهض معه تلك الأبوة التي تظل تبحث عن ولدها في وجوه الراحلين.أعرف كيف يصير للاسم وزنٌ لا تحمله الحروف؛ كيف تقوله في مجلسٍ فتعتدل قامتك فخرًا، ثم تهمس به في خلوتك فيرتجف صوتك. أعرف كيف يضيق الصدر فجأةً بتفصيلٍ صغير؛ نبرةٍ تشبه نبرته، أو ضحكةٍ تفتح في الذاكرة بابًا، أو سؤالٍ عابرٍ يردّك إلى حياةٍ كان فيها ابنك، وكانت الدنيا، على اتساع متاعبها، أهون.وما أقسى أن يكبر الشوق، ويبقى الأب عاجزًا عن أبسط ما تشتهيه أبوّته: أن يسأل ولده كيف مضى يومه، وأن يسمع منه كلمةً عادية، وأن يطمئن إلى أنه عاد. بعد الفقد، تكتسب تلك الأشياء الصغيرة جلالًا موجعًا؛ وندرك كم كانت الحياة كريمةً بنا حين كانت تمنحنا أصواتهم كل يوم.يا أبا جواد، سيقولون لك: «يا أبا الشهيد»، فيرتفع رأسك باسم ابنك، وتصعد إلى حلقك غصّةٌ يعرفها آباء الشهداء. لقد منحنا أبناؤنا هذا الوسام، وتركوا تحت بريقه موضعًا طريًّا للدمع. نحمله بكرامة، ونحمل معه شوقًا لو اتسع له الكلام لأمضينا أعمارنا ننادي. وما أشدّ ما يجتمع في قلب الأب من فخرٍ بابنه، ولهفةٍ إلى صوته؛ حتى ليتمنى، في سرّه، لو يسمع «يا أبي» مرةً واحدة، ثم يحتفظ برنينها زادًا لبقية العمر.ابكِ يا أخي؛ لدمعتك حرمتها، ولصبرك مهلته، ولابنك في قلبك مكانٌ لا يبلغه المعزّون. يصل الناس إلى باب العزاء، ويمضي الأب بعدهم إلى عمق الغياب. هناك، حين تخفت الأصوات وتبقى صورة الولد شديدة الحضور، أسأل الله أن يتولاك برحمته، وأن يسند روحك حين يثقل عليها الحنين.تعالَ نضع اسم جواد إلى جوار اسم معاذ في الدعاء. وليكن بيننا هذا الرجاء الذي نؤوي إليه قلوبنا: أن من استودعناهم رحمةَ الله قد مضوا إلى أكرم الأكرمين، وأن ربًّا يعلم مقدار محبتنا لهم، ويعلم كيف أوجعنا فراقهم، قادرٌ أن ينزل على هذا الوجع سكينته، وأن يجعل لنا في لقائهم وعدًا يضيء ما بقي من الطريق.وإليك، يا فراس العنانزة، يا بطل الواجب ورفيق الشهيد، تمتد قلوب الأردنيين اعتزازًا ودعاء. أيها الملازم ، رأيت الاعتداء على زميلك، فهببت إلى نجدته، وانقضضت على المعتدي أسداً هصورا ، وتمكنت من تحييده والسيطرة عليه ، وأُصبت أثناء المواجهة. في تلك الثواني العصيبة تجسّد الوفاء لرفيق السلاح، وحضرت الشجاعة في صورتها التي يمتحنها الخطر.يا فراس، إن للموقف رهبةً يعرفها من يدرك أن إنسانًا أقبل على الخطر، وفي صدره قلبٌ يحب الحياة، ووراءه أحبةٌ يرجون سلامته ووطنا اقسم على خدمته . لقد وضعت نفسك في موضع الأذى وأنت تسعى إلى نجدة زميلك وحماية من حولك؛ ولهذا يصل فعلك إلى قلوبنا بكل هذه القوة، ولهذا نشعر أن لك في دعاء كل بيتٍ أردني حقًّا.وفي سرعة استجابتك، وثباتك في المواجهة، وحسمك للموقف، نقرأ أثر تدريبٍ رفيعٍ وانضباطٍ راسخٍ وجاهزيةٍ عالية. تلك هي قيمة الإعداد حين يصير معرفةً حاضرةً في أشد اللحظات حرجًا، وتلك هي ثمرة المؤسسة التي تبني في رجل الأمن كفاءة المواجهة، وتغرس فيه أن حياة زميله وأمن الناس أمانةٌ يحملها معه أينما وقف.إن جهاز الأمن العام مفخرةٌ للأردن؛ برجاله، وكفاءته، وتدريبه، وبما ينهض به كل يومٍ من مسؤوليةٍ ثقيلة. وخلف هذه البزّات وجوهٌ لها أحلامها، وأرواحٌ تتعب، وقلوبٌ تشتاق، وأهلٌ يعدّون ساعات الغياب. وحين نتذكر ذلك، ندرك بعمقٍ قدر ما يبذله هؤلاء الرجال، وكم يستحقون أن يجدوا حولهم وطنًا يعرف فضلهم، ويحفظ تضحياتهم، ويبادلهم الوفاء.هذا قدركم، يا نشامى الأمن العام، يا من نذرتم أنفسكم لحماية الوطن؛ أن تقفوا حيث يحتاج الأمان إلى حارس، وأن تحملوا من قلق الناس ما يتيح لهم أن يناموا. كم من بيتٍ أطفأ أنواره مطمئنًا، وبقيت عيونكم ساهرة؛ وكم من أهلٍ اجتمعوا حول أبنائهم، وفي بيوتكم من ينتظر أن تنتهي نوبة الواجب ليكتمل الجمع.ولكم في أعناقنا أمانةٌ تجاهكم: أن يستمر وفاؤنا حين تنتهي الكلمات، وأن يجد أهل الشهيد فينا أهلًا، وأن يجد المصاب مساندةً تصحب طريق شفائه، وأن نبقى عونًا لكم في صون الوطن. فأمن الأردن يمسّ أدقّ ما نحب؛ سلامة أبنائنا، وطمأنينة بيوتنا، وحقّنا في صباحٍ نخرج إليه واثقين بأن لنا وطنًا يحرس حياتنا.يا جواد، لقد صار لك في قلبي موضعٌ يعرفه معاذ. كلما رفعتُ يديّ إلى الله، حملتُ إليك دعاء أبٍ يتمنى لك من الرحمة ما يتمنى لولده. وأسأل الله أن يجمعكما في رضوانه، وأن يجعل لكما ولشهداء الوطن من النور والنعيم ما تقرّ به الأرواح، وأن يربط على قلوبنا حتى نلقاكم على خير.ويا أبا جواد، هذه يدي باقيةٌ في يدك. ستبقى لابنك في ذاكرة الوطن كرامة الشهيد، وستبقى له في قلبك ملامح الولد؛ ذلك الذي يعرفه الناس باسمه ورتبته، وتحفظ أنت من صوته وملامحه ما لا تسعه الصور. أسأل الله أن يمسح على قلبك في كل مرةٍ يفيض فيها اسم جواد على شفتيك، ولا تجد في الدنيا صوتَه يجيب.رحم الله الشهيد جواد السلايطة، ورحم ولدي الشهيد الرائد الطيار معاذ بني فارس، ورحم جميع شهداء الوطن، ورفع منازلهم في عليين، وأنزل على قلوب أهلهم صبرًا وسكينةً ورحمة.اللهم اشفِ الملازم فراس العنانزة شفاءً تامًّا عاجلًا، وأقرّ عيون أهله وزملائه بسلامته، وأعده معافًى إلى صفوف رفاقه، ليستأنف مسيرة الواجب المقدس في حماية الوطن.وحفظ الله الأردن وطنًا وقيادةً وشعبًا، وأدام عليه أمنه وعزّه، وجعل وعي أبنائه ووحدتهم سدًّا منيعًا في وجه الإرهاب والتكفير، وحمى نشامى قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، وأعاد كل حارسٍ للوطن سالمًا إلى الباب الذي ينتظره خلفه أحبّته.

المصدر: عمون