كريستيانو رونالدو والحالة الأردنية: هل ينتهي التقدير بانتهاء الدور؟
ما استوقفني في إعلان النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو اعتزاله اللعب الدولي لم يكن حجم المشاهدات التي حصدها فيديو الوداع، الذي وصل إلى ما يقارب نصف مليار مشاهدة عبر الانستغرام، حتى وقت كتابة هذا المقال، ولن أتطرق إلى الجدل المتجدد حول مكانته في تاريخ كرة القدم، وأيهما أفضل تاريخياً، رونالدو أم ميسي، ما استوقفني سؤال يتجاوز الرياضة، كيف نحكم على الأشخاص حين تقترب أدوارهم من النهاية؟ وهل نستطيع أن نختلف مع استمرارهم، دون أن ننكر ما قدموه؟لن أتحول هنا إلى محلل رياضي، ولن أخوض في أحقية رونالدو بالبقاء في المنتخب أو جدوى اعتزاله، فتلك مسائل لها أهلها ومعاييرها، كما أن الاختلاف مع لاعب، مهما بلغت إنجازاته، لا يعني إنكار ما قدمه، لكن الفارق كبير بين القول إن الوقت قد حان لإفساح المجال لغيره، وبين التعامل مع مسيرته وكأنها لم تكن، وهنا أجد مدخلاً للتأمل في جانب من حالتنا الاجتماعية الأردنية، وتحديداً في الطريقة التي يتغير بها خطاب بعضنا تجاه المسؤول بمجرد خروجه من منصبه؛فقد يكون الشخص، وهو في موقع المسؤولية، محاطاً بالثناء، تُنسب إليه النجاحات، ويُتجاوز عن أخطائه، وتُفسَّر قراراته بأفضل الاحتمالات، ثم يغادر موقعه، فيكتشف بعض الذين بالغوا في مدحه عيوباً لم يتحدثوا عنها من قبل، ويتحول المديح إلى أدلة على سوء إدارته، لم تتغير الوقائع، ولم تظهر معلومات جديدة، ما تغير هو موقع صاحبها وقدرته على التأثير، في مثل هذه الحالات، يصبح السؤال مشروعاً: هل كان التقدير للشخص وما أنجزه، أم للمنصب وما يتيحه من مصالح؟وهنا أؤكد بأن ذلك لا يعني ذلك أن كل نقد يأتي بعد مغادرة المسؤول لمنصبه هو جحود، فقد تنكشف وقائع لم تكن معروفة، أو تتاح مساحة للكلام لم تكن مطروحة، لكني أتحدث عن تبديل المواقف تبعاً لتبدل النفوذ، وعن الانتقال من المديح المطلق إلى الإدانة المطلقة من دون سبب، سوى انتهاء المنصب الذي كان يشغله؛ليس المطلوب أن نمنح المسؤول السابق حصانة أخلاقية من النقد، أو أن نحول أداء واجبه العام إلى مِنّة على الوطن، فقد قولتها قبل سنوات ... خدمة الناس ومساعدتهم، ليست شعاراً أو وسيلة، بل هي أسلوب وارتقاء بأخلاقيات الذات، يصعب على الكثير إتيانها، إلا أن المساءلة العادلة تقتضي أن يُنسب إليه كما يُنسب عليه؛ فلا يمحو الخطأ إنجازاً، ولا يُسقط الإنجاز مسؤولية عن خطأ،ولا أعني بالوفاء، والحالة هذه، بقاء المسؤول في موقعه إلى الأبد، فالتغيير ضرورة، والاختلاف مع الأداء واقع، والمحاسبة مطلوبة، لكن القدرة على الاعتراف بخدمة أُديت وعمل أُنجز واجب، ما نحتاج إليه هو قدر أكبر من الثبات في معاييرنا، أن نقول للمسؤول وهو في منصبه ما نراه في أدائه، وأن نحفظ له بعد مغادرته ما ثبت من فضله، أما أن نسكت عن الخطأ حين يكون صاحبه قوياً، ثم ننكر الصواب حين يفقد نفوذه، فذلك يكشف خللاً فينا قبل أن نقول شيئاً عنه.من رونالدو إلى المسؤول الذي يغادر مكتبه، يظل السؤال واحداً: هل نُقدّر الأشخاص لما قدّموه، أم لما ننتظره منهم من مصالح؟
المصدر: عمون