هموم الكتابة
د. إبراهيم بن سالم السيابي حين تطأ أقدامنا بعض المدن القديمة، نقف أمام مبانٍ شُيّدت قبل مئات السنين، ونتأمل كيف استطاعت أن تعبر الزمن، بينما غاب الذين بنوها، ولم يبقَ منهم سوى ما تركته أيديهم. وربما لم يخطر ببال الذين كانوا وراء تشييد تلك المباني أن يأتي يوم يقف فيه أناس لا يعرفونهم، ولا يعرفون عن حياتهم شيئًا، ليتأملوا آثارهم ويحاولوا أن يقرؤوا في حجارتها حكايات أصحابها. وللكلمات كذلك حكاية أخرى مع الزمن؛ فقد يكتب إنسان فكرة في لحظة عابرة، ثم تمضي الأيام وتصل تلك الكلمات إلى قارئ لم يلتقِ بكاتبها، ولم يعرف شيئًا عن ظروفه أو ما كان يشغله حين كتبها. وربما وجد فيها ما لم يجده غيره، أو فهم منها ما لم يقصده صاحبها. وبين ما أراد الكاتب قوله وما يصل إلى القارئ تبدأ حكاية أخرى، لا يعرف الكاتب دائمًا كيف ستنتهي. وربما لا يفكر القارئ، وهو يقرأ مقالًا في دقائق، في الوقت الذي أمضاه كاتبه قبل أن يرى النور. فقد تبدأ الحكاية بفكرة عابرة، أو موقف عالق في الذاكرة، ثم تظل ترافق الكاتب حتى يجد ما يستحق أن يقوله عنها. وقد يجلس أمام ورقته، يكتب جملة ثم يتوقف، ويعود إلى أخرى فيغيّرها، حتى يشعر أن الكلمات اقتربت مما يريد قوله. وربما ظل يحمل فكرته طويلًا، لا تنقصه الرغبة في الكتابة، بل يبحث عن تلك العبارة التي تمنح فكرته روحها، وتجعلها تصل إلى القارئ كما عاشها في ذهنه، لا مجرد كلمات تمر أمام عينيه ثم ينساها. وحين تستقر الكلمات أخيرًا على الورق، يظن الكاتب أنه أخرج الفكرة من رأسه ووضعها أمام الناس، لتبدأ رحلتها معهم. لكنه لا يعرف دائمًا إلى أين ستذهب، ولا كيف ستُقرأ، ولا أيّ معنى سيبقى منها في ذهن من يقرأها. فقد يكتب عن أمر يشغل المجتمع، فيقرأ أحدهم المقال وكأنه حديث عن صاحبه، ويراه آخر رسالة موجّهة إلى شخص بعينه، بينما لم يكن الكاتب يفكر في أحد، بقدر ما كان يفكر في الفكرة نفسها، وما تستحقه من نقاش. والكاتب، في نهاية الأمر، إنسان يتأثر بما يسمع ويرى، وتحركه أحيانًا كلمة عابرة أو حكاية لا تغادر ذاكرته. وقد يكتب عن الحزن لأنه رأى ما يستحق الحزن، أو عن الأمل لأنه يرى فيه ما يحتاج إليه الناس. لكنه لا يكون دائمًا في الحالة نفسها؛ فهناك أيام تتدفق فيها الأفكار، وأيام تثقل فيها النفس فلا يجد للكلمات مكانًا. ومع ذلك، قد تكفي حادثة صغيرة أو فكرة مؤجلة لتعيده إلى قلمه من جديد. وللكتابة هموم يعرفها كل من جرّبها؛ فليس كل ما يريد الكاتب قوله يجد طريقه إلى النشر، وليس كل ما ينشره يصل إلى القارئ بالمعنى الذي أراده. وهنا تبدأ حيرته؛ فهو يريد أن يكون صريحًا، لكنه يدرك أن كلماته قد تُفهم على غير مقصده، أو تلامس مواقف وحسابات لم تكن حاضرة في ذهنه حين كتبها. وقد يطرح فكرة تستحق التأمل، فتُفهم على غير مقصدها، أو يتناول شأنًا يشغل الناس، فيجد أن ما أراد مناقشته قد اتجه إلى معنى آخر. وقد يتردد أو يعيد صياغة ما كتب، وربما يختار الصمت. وليس المطلوب أن يكتب بلا حساب، ولا أن يخشى كل كلمة، بل أن يجد الطريق الذي يحفظ للفكرة وضوحها وللحوار قيمته. المجتمع لا ينتفع بالصمت عن كل ما يشغله، كما لا ينتفع بكلمات تُقال بقسوة فتغلق الأبواب بدلًا من أن تفتحها. نحن بحاجة إلى أن نتحدث بصراحة واحترام، وأن نختلف دون أن تتحول آراؤنا إلى خصومة. وقد تكون الكتابة إحدى الوسائل التي تساعدنا على فهم ما يحدث حولنا، وتمنحنا فرصة للنظر إلى القضايا من زوايا لم نلتفت إليها من قبل. وللقارئ في هذه الحكاية مكان لا يقل أهمية . فمن حقه أن يختلف مع ما يقرأ، لكن ما أجمل أن يمنح الفكرة لحظات من التأمل قبل أن ينشغل بمن كتبها! فقد لا تعجبنا فكرة، لكنها تفتح أمامنا نافذة لم نكن نراها، وقد نختلف مع الكاتب، ثم نخرج من مقاله بسؤال يستحق أن نفكر فيه. والكاتب بدوره يحتاج إلى قارئ لا يكتفي بالموافقة، بل يناقشه ويقدم له رأيًا صادقًا. فقد تدفعه ملاحظة إلى مراجعة فكرته، أو تكشف له زاوية لم ينتبه إليها. وقد تكون كلمة تقدير بسيطة سببًا في أن يواصل الكتابة، خصوصًا حين يشعر أن ما يكتبه يجد طريقه إلى عقول القراء وقلوبهم. فالكاتب، مهما امتلك من معرفة وخبرة، ليس معصومًا من الخطأ، ومن حق القارئ أن يختلف معه ويناقش أفكاره. ومع ذلك، تبقى قلة القراء وضعف التفاعل من الهموم التي يعرفها الكاتب. يختار موضوعه، ويكتب ويراجع، ثم ينتظر أن تصل كلماته إلى من يجد فيها ما يستحق القراءة. وفرحته الأكبر ربما تكون حين يخبره قارئ أن مقالًا كتبه جعله يعيد التفكير في أمر ما، أو وجد في كلماته تعبيرًا عن شعور لم يستطع وصفه. عندها يدرك أن أثر الكتابة لا يُقاس بعدد القراء وحده، وأن كلمة تصل إلى إنسان واحد قد تمنح صاحبها سببًا كافيًا لمواصلة الطريق. ولعل الكاتب لا يحمل همّ الكتابة من أجل الكتابة ذاتها، وإنما لأنه يؤمن بأن للكلمة قيمة تتجاوز لحظة كتابتها، وأن أثرها قد يمتد إلى إنسان أو مجتمع، وربما يسهم في تغيير واقع أو صناعة مستقبل. وفي الختام.. قد يغيب الذين تركوا آثارهم في المدن القديمة، لكن ما بنوه يظل شاهدًا على مرورهم من هنا. وكذلك الكلمات، قد يمضي كاتبها ولا يعرف أين ستصل، ولا من سيجد فيها يومًا ما يستحق التأمل. ولعل هذه إحدى هموم الكتابة؛ أن يظل الكاتب يتساءل عن مصير كلماته، بينما تمضي هي في طريق لا يعرفه، وقد تصل إلى قلب لم يعرف صاحبها، أو تعبّر عن شعور عجز قارئها عن البوح به. وربما لهذا يواصل الكاتب الكتابة، رغم ما يعتريه أحيانًا من تردد وخيبة، وما تحمله روحه من حزن وتعب؛ مؤمنًا بأن بعض الكلمات قد تجد طريقها إلى الآخرين، حتى حين يغيب أصحابها عنّا.
المصدر: الرؤية