شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الانتخابات تعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط

الانتخابات تعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط

د. علي موسى الكناني تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة سياسية دقيقة بعد التحولات الانتخابية في الولايات المتحدة و"إسرائيل"، لاسيما ملفات الأمن والصراع والطاقة ومستقبل العلاقات الإقليمية. وتكتسب هذه الاستحقاقات أهمية تتجاوز نتائجها الداخلية، نظرا لما يمكن أن تتركه من انعكاسات على موازين القوى وطبيعة إدارة الأزمات في المنطقة. تمثل الانتخابات النصفية الأميركية التي جرت في الثالث من نوفمبر 2026 محطة مهمة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل الكونغرس، بعد اكتساح الديمقراطيين مجلسي النواب والشيوخ، لتحديد طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والمؤسسة التشريعية خلال النصف الثاني من الولاية الرئاسية. وستؤثر نتائجها –حتما- في قدرة إدارة دونالد ترامب على تمرير سياساتها، خصوصا في ملفات الدعم العسكري لإسرائيل، والتعامل مع إيران، والإنفاق الدفاعي، والرقابة على السياسة الخارجية. أما في إسرائيل، فتختلف طبيعة الانتخابات العامة، كونها تحدد تركيبة الكنيست التي تنبثق عنها الحكومة والائتلاف الحاكم. ولذلك فإن نتائجها تمتد إلى تحديد هوية القيادة السياسية وأولوياتها الأمنية والخارجية. كما أن طبيعة النظام البرلماني القائم على الائتلافات تمنح الأحزاب الصغيرة دورا مؤثرا في تشكيل الحكومة واستقرارها وتحديد توجهاتها. ويكمن الاختلاف الجوهري بين المسارين في أن الانتخابات الأميركية تعيد توزيع النفوذ التشريعي والرقابي، وتحدد هوامش حركة الرئيس، بينما يمكن للانتخابات الإسرائيلية أن تعيد تشكيل السلطة التنفيذية نفسها. وهذا يعني أن تأثير واشنطن في المنطقة يرتبط بالتوازن بين الرئاسة والكونغرس، في حين يرتبط تأثير تل أبيب بهوية الحكومة والائتلافات التي تدعمها. وتبرز أهمية هذا التباين في مستقبل العلاقة الأميركية الإسرائيلية، ولا سيما في ظل اختلاف الحسابات السياسية والضغوط الداخلية في البلدين. فمدى استمرار التنسيق بين واشنطن وتل أبيب، وحدود الدعم الأميركي، وطبيعة التعامل مع إيران والحرب في غزة والقضية الفلسطينية، ستظل ملفات أساسية في تحديد اتجاهات السياسة الإقليمية. وقد يؤدي اختلاف الأولويات إلى تباينات في إدارة بعض الأزمات، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغيرا في طبيعة الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين. إقليميا، تضع هذه التحولات دول الشرق الأوسط أمام احتمالات متعددة، تتراوح بين استمرار سياسات الردع والتصعيد، وظهور فرص جديدة للوساطة والتسويات وإعادة ترتيب العلاقات. كما تفرض متغيرات الانتخابات إعادة تقييم التحالفات والشراكات، خصوصا في ملفات الأمن الإقليمي والممرات البحرية والطاقة والتطبيع. إن أهمية الانتخابات الأميركية والإسرائيلية لا تكمن فقط في تحديد هوية القوى الحاكمة، بل في تأثيرها على اتجاهات السياسة الإقليمية وموازين القوة في الشرق الأوسط. وبينما تعيد الانتخابات الأميركية تحديد هوامش حركة واشنطن، تحدد الانتخابات الإسرائيلية طبيعة القرار السياسي والأمني في تل أبيب. من هنا، تتبلور المقاربة الاستراتيجية الأهم أمام دول المنطقة في ضرورة الانتقال من موقع "التأثر السلبي" بالمتغيرات الخارجية إلى موقع "الفاعل المؤثر" في صياغتها. ولن يتأتى ذلك إلا عبر بناء توازنات إقليمية ذاتية ومستقلة، وتوظيف أدوات القوة والذكاء الدبلوماسي بحكمة لحماية المصالح الوطنية وتعزيز الاستقرار، فالمعادلة المقبلة لن يحسمها من يمتلك النفوذ العسكري والمالي وحده، بل من يمتلك القدرة الأعمق على توظيفه لصناعة مستقبل المنطقة وتوجيه بوصلتها.

المصدر: الرؤية