شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

من مسقط إلى بكين.. الدبلوماسية العُمانية تتحول إلى قوة اقتصادية

من مسقط إلى بكين.. الدبلوماسية العُمانية تتحول إلى قوة اقتصادية

سعيد بن محمد الرواحي تأتي الزيارة التاريخية التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى جمهورية الصين الشعبية، لتفتح فصلًا جديدًا في العلاقات العُمانية الصينية، وتطرح أمامنا سؤالًا بالغ الأهمية: كيف يمكن لعُمان أن تحول رصيدها السياسي والدبلوماسي وموقعها الجغرافي الفريد إلى قوة اقتصادية وإنتاجية قادرة على صناعة المستقبل؟ لقد أدركت عُمان منذ عقود أن قوتها الحقيقية تكمن في موقعها الاستراتيجي، واستقلالية قرارها السياسي، ودبلوماسيتها الهادئة التي جعلتها تحظى بالاحترام والثقة لدى مختلف القوى الدولية. واليوم، يمضي جلالة السلطان قدمًا في استثمار هذا الرصيد السياسي، والانتقال به إلى آفاق اقتصادية وتجارية أوسع، بما يعزز مكانة عُمان بوصفها شريكًا موثوقًا ومركزًا للتجارة والاستثمار والتواصل بين الشرق والغرب. ومن يتأمل التحركات الخارجية لجلالة السلطان يدرك أنها ليست زيارات عشوائية، أو مجرد استجابة لمناسبات دبلوماسية، بل يمكن قراءتها في إطار توجه استراتيجي يستهدف توسيع الشراكات الدولية، وتنويع المصالح الاقتصادية، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات والاستثمارات العُمانية، إدراكًا من جلالته حفظه الله بأن الاقتصادات الطموحة لا تسطيع تحقيق التحول المنشود دون بناء شبكة واسعة من العلاقات المتوازنة مع القوى الاقتصادية العالمية. ولعل ما يميز النهج العُماني الذي أرسى أركانه السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- أنه لا يقوم على الانحياز إلى محور في مواجهة آخر، وإنما على إقامة علاقات متوازنة تحفظ المصالح الوطنية، وتستثمر الفرص المتاحة أينما وجدت. وهنا تتجلى أهمية الدبلوماسية العُمانية؛ لتكون جسرًا تعبر فوقه الاستثمارات والتكنولوجيا والصناعات ورؤوس الأموال. وحين نتحدث عن الصين، فإننا لا نتحدث عن دولة عادية في الاقتصاد العالمي، بل عن قوة صناعية وتكنولوجية وتجارية هائلة، استطاعت خلال عقود قليلة أن تنتقل من اقتصاد يعتمد على الصناعات البسيطة إلى أحد أبرز مراكز التصنيع والابتكار والتقنيات المتقدمة في العالم. والأرقام وحدها كفيلة بتوضيح حجم الفرصة التي تقف أمام عُمان؛ فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين سلطنة عُمان والصين خلال عام 2025 نحو 9.6 مليار ريال عُماني، منها 7.7 مليار ريال صادرات عُمانية إلى الصين، مقابل 1.9 مليار ريال واردات منها. واستحوذت الصين على نحو 23.8% من إجمالي التبادل التجاري للسلطنة، لتحتل المرتبة الأولى بين شركائها التجاريين، وفق البيانات التي أعلنها وزير التجارة والصناعة وترويج الاستثمار خلال الزيارة. الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وهذه الأرقام، على أهميتها، لا ينبغي أن تكون سقف طموحاتنا، بل نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر عمقًا وتنوعًا، لتنتقل العلاقة من تبادل السلع والمواد الخام إلى إقامة المصانع، وتوطين الصناعات، ونقل التكنولوجيا، وتأهيل الكوادر العُمانية، وبناء شراكات إنتاجية ذات قيمة مضافة. المواطن الطموح لا يريد أن نكون مجرد سوق تستقبل المنتجات الصينية، ولا مجرد مصدر للمواد الأولية التي تعود إلينا في صورة منتجات مصنعة، بل يحلم أن تصبح عُمان شريكًا في الصناعة والإنتاج والابتكار. إلى ذلك، ليس من المبالغة القول إن مركز الثقل الاقتصادي العالمي يشهد تحولات عميقة باتجاه آسيا، وأن الصين تحتل موقعًا محوريًا في هذه التحولات، ليتجه العالم نحو نظام اقتصادي أكثر تعددية وتنافسًا، تتداخل فيه المصالح الأمريكية والصينية والأوروبية والآسيوية. ومن الحكمة أن تقرأ عُمان هذه التحولات بعين المصالح الاقتصادية. فالصين تمتلك إمكانات ضخمة في الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والسيارات الكهربائية، والطاقة الشمسية، والبطاريات، والتعدين، والصناعات التحويلية، والبنية الأساسية، والخدمات اللوجستية. وهذه المجالات تتقاطع بصورة مباشرة مع تطلعات رؤية عُمان 2040، ومع ما تمتلكه السلطنة من موانئ استراتيجية ومناطق اقتصادية وموقع جغرافي يربط الأسواق الآسيوية بالأفريقية والأوروبية. ولعل أن تكون موانئ الدقم وصحار وصلالة محطات رئيسية لشراكة صناعية ولوجستية متقدمة مع الشركات الصينية، واستثمار ذاك للوصول إلى أسواق تضم مئات الملايين من المستهلكين. وفي هذا السياق؛ نرجو أن تلتقط الجهات الحكومية والقطاع الخاص الرسالة الاقتصادية الكبرى التي تحملها هذه الزيارة السلطانية، وألا تظل نتائجها حبيسة البيانات الرسمية وقاعات الاجتماعات. لقد مهد جلالة السلطان الطريق على أعلى المستويات، وفتح أبواب التواصل مع واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والصناعية في العالم، ولكن تحويل هذه الفرصة إلى نتائج يتطلب عملًا مؤسسيًا جادًا من الجهات المعنية والقطاع الخاص.

المصدر: الرؤية