شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

قناطر: مدوناتنا في الغبار الإلكتروني

قناطر: مدوناتنا في الغبار الإلكتروني

طالب عبد العزيز

كان ازرا باوند قد كتب أكثر من ثمانين رسالة الى جيمس جويس في الفترة من 1914 – 1920 وهي رسائل ترصد بمجملها واحدة من أهم التحولات الثقافية وفكرة التحديث في الشعر والرواية بأوربا وأمريكا، هذه الرسائل ما تزال محفوظة مع ما حفظ من وثائق ومخاطبات كثيرة، هي اليوم دليلنا الى لغة الحوار التي كانت قائمة؛ في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى. وثائق لا تقل أهمية عن ما كان يتراسل به كبار الجيوش والسياسيين والاقتصاديين والعلماء في العالم المتحضر، الذي تعي مؤسساتُه الثقافية والفكرية قيمة ومعنى الاحتفاظ بالورق والخطاطات المتبادلة بين هؤلاء، وأهمية البحث في آليات الحفظ وبالطرق العلمية، فهم يبنون لها المباني العظيمة.
نقرأ في ديباجات كتب التحقيق التي ازدهرت في عقود النهضة العربية قبل نحو من مئة سنة، ما دوّنه الباحثون والمحققون خلال رحلتهم البحثية وسعيهم في الحصول على النسخة هذه أو تلك؛ قاصدين مكتبات مجهولة في أوربا وأمريكا وإسطنبول وطهران والهند وغيرها، فنعظّمُ نفوسهم؛ ونكبر فيهم ذاك الجهد، لكننا في الأخير نقول: لم يتسن لهم ذلك لولا التدوين المحفوظ في القراطيس والمجلدات، لولا اختيار الكتاب والنسَّاخ الأنواعَ المعتمَدة من الورق والاحبار! على وفق هذه أرى أنْ يتنبه كتابُنا ومثقفونا ومعهم مؤسساتنا المعنية الى أنَّنا أمّةٌ يضيعُ من جهد أبنائها (كتاب وشعراء وفنانين..) ما يضيع في المدونات الالكترونية اليومية، وأنَّ آراءً وأفكاراً ومقولات لا تحصى؛ تتسرب الى الشبكة العنكبوتية كل ساعة، ثم تختفي،فلا يبقى منها شيئٌ، وفي هذه ما تخسره ثقافتنا بكل تأكيد.
لو رصدنا حياتنا الثقافية والعلمية والفكرية وبحثنا في آلاف المكالمات الهاتفية التي تتم يومياً بين الادباء والمفكرين والباحثين على الماسنجر والواتساب والوسائط الاخرى لوقفنا على ثروة كبيرة لم نحفظ شيئاً منها، هذا الهواء الأثير يحيل ما نفكر به ونقترحه من رؤى وأفكار ومشاريع الى نفايات غبارية، هلامية، غير قابلة للحفظ، وهي من حيث المبدأ تجارتنا الضائعة، ذخيرتنا التي لا نحترمها، على خلاف القاعدة المعمول بها عند أسلافنا، الذين تركوا لنا النفائس والتي ما نزال نحتفل بعثورنا على واحدة منها في مكتباتنا، أو في مكتبات العالم. لا أظنَّ أنَّ واحداً بيننا لم تشغله قضية كهذه، وإن وجدنا من سيقول بأنَّ الباحثين والكتاب إنّما يكتبون ويطبعون وينشرون مدوناتهم، وهي محفوظة لديهم، وفي المكتبات ودور النشر! نعم، هم كذلك، لكنني أتحدث عن مصير ما نكتبه في وسائط التواصل والمخاطبات والمكالمات اليومية التي نطيّرها في الهواء فتغدو هباءً.
أرى أنْ نبحث مجتمعين في الوسائل والسبل عن آلية ما؛ ترشدنا الى الاحتفاظ بما نكتبه ونتحدث به بيننا نحن معشر الادباء، وهي دعوة أمينة وصادقة أو همسة محبٍّ لوطنه، ولثقافة قومه، إذْ أنَّ ما نكتبه في الماسنجر ونتحدث به في الهاتف قد لا يقلُّ شأناً عن ما نخطه ونطبعه وننشره في كتاب أو مجلة. شخصياً أعاني من ضياع الكثير والكثير جداً، ذلك لأنني تحدثتُ؛ وفي مواضيع على درجة من الأهمية مع العديد الأصدقاء الادباء والمثقفين، وخضنا في الكتب والنقد والمخطوطات والأفكار السياسية والتاريخية. .. لكنني، للأسف لم أحتفظ بشيء منها، ولا أتذكر إلا القليل والنادر منها. نحن نبخس حقَّ وجودنا وأثرنا في هذه، وعلينا أن نتذكر أنَّ عشرات ومئات الكتب ربما كانت قد انبثقت من فكرة في مقهى، أو من حوار عارض بين أثنين تحدثنا طويلاً على إحدى الصفحات الزرق، لكنهما لم يحتفظا بها.

The post قناطر: مدوناتنا في الغبار الإلكتروني appeared first on جريدة المدى.

المصدر: المدى