من صناديق واشنطن إلى منابر المنامة.. أمن يصون العمران وسلام لا يبقي أسباب العدوان
إنّ من أعجب ما تكشفه السياسة، وتُبديه صروف الزمان، أن تُخاض الحروب بالسلاح في الميدان، ثم تُعاد حساباتها بأصوات الناخبين في الأوطان؛ فكم من قوةٍ غلبت في النزال، ثم أثقلتها في الداخل أثمان القتال. ولقد جاءت انتخابات التجديد النصفي الأمريكية بتحوّل موازين الكونغرس، لتضع الحرب مع إيران أمام سؤالٍ لا يُدفع: أتمضي واشنطن في المواجهة حتى تبلغ الغايات، أم تنتهي إلى تسويةٍ تُسكت المدافع وتُبقي أسباب النزاعات؟ فليس كلُّ هدوءٍ أمانًا، ولا كلُّ انقطاعٍ للقتال سلامًا. ولقد أسفرت الانتخابات عن انتقال السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ إلى الحزب الديمقراطي؛ غير أنّ انتقال الأكثرية في الكونغرس ليس انتقالًا لزمام القرار، ولا تبدّل الميزان التشريعي زوالًا لصلاحيات الرئيس في إدارة شؤون الحرب والقتال؛ فصلاحياته التنفيذية والعسكرية باقية، والأكثرية الجديدة لن تباشر أعمالها إلا في يناير المقبل. بيد أنّ للكونغرس من الرقابة ما يتداخل مع منابع القرار، ومن المساءلة ما يكشف أوجه الإنفاق، ومن التأثير في التمويل ما قد يُضيّق مسالك الاستمرار؛ ومواقفُ ناخبين وحلفاء تتبدّل بتبدّل الأحوال؛ فليس كلُّ ما يُحسم بالسلاح في الميدان، يُحتمل ثمنُه في الداخل على مرّ الزمان. وليس من سداد الرأي، ولا من نفاذ البصيرة، أن يُحسب تبدّل الأكثرية في واشنطن نجاةً للنظام الإيراني القائم على ولاية الفقيه من الحساب، أو أن يُتخذ اختلاف الخصوم في وسائل المواجهة دليلًا على تبدّل حقائق الميدان؛ فإنّ خلافهم في الوسائل لا يُبطل أسباب الخصومة، ولا يرفع عن النظام تبعات سياساته وما ترتّب عليها من تهديدٍ وعدوان. ثم إنّ في مصير هذا النظام ثلاث مسائل لا يستقيم الخلط بينها، ولا يصحّ أن تُجعل إحداها برهانًا على أختها: إضعاف قدراته العسكرية، وإنهاء سياساته المهدّدة لأمن جيرانه، وتغيير بنيته السياسية الحاكمة؛ فقد يتحقق أولها من دون ثانيها، وقد يتحقق ثانيها من دون ثالثها، وليس وقوع أحدها دليلًا على وقوع الباقي، ولا بلوغ بعضها ضمانًا لبلوغ الغايات. وما كلُّ ضعفٍ في السلاح سقوطًا للسلطان، ولا كلُّ صمتٍ للمدافع أمانًا للأوطان؛ وإنما العبرة بكفّ الاعتداء، وصون السيادة، وتأمين الملاحة، وإقامة ضماناتٍ تمنع تجدّد العدوان؛ فليس كلُّ اتفاقٍ سلامًا، ولا كلُّ بقاءٍ انتصارًا، ولا كلُّ هدنةٍ أمانًا. وقد يرى النظام الإيراني في اختلاف واشنطن بابًا لاتساع الأمل وطول الأجل، لكنه إن حسب خلاف الخصوم براءةً من تبعات سياساته، فقد خلط بين هدوء العزم المؤقت وزوال العلّة؛ إذ لا تُمحى أعباء الاقتصاد الإيراني، ولا ما أصاب القدرات العسكرية، بمجرد تبدّل الأصوات الأمريكية. فالامتحان ليس فيمن بقي حين انتهت الجولة، بل فيما تغيّر من سلوكه بعد انتهاء الصولة، وما أُقيم من ضمان يردع العدوان ويصون الأوطان. ومن تدبّر أحوال الدول علم أنّ الأمن والاقتصاد ركنان لا يستقيم بأحدهما من دون الآخر بنيان؛ فالحروب لا تُرهق الجيوش فحسب، بل تُربك الأسواق وتُثقل الإنسان. وأيُّ نفعٍ لميناءٍ تعظم طاقته إذا اضطربت إليه البحار؟ وأيُّ جدوى لاستثمارٍ لا يأمن أصحابه الأخطار؟ إنّ الأمن أصل الثقة، والثقة باب الاستثمار، والاستثمار سبيل الازدهار، والازدهار سندُ المنعة والاقتدار. وفي خضمّ هذه التحوّلات، قدّمت مملكة البحرين مشهدًا من حصافة التدبير وحسن الاختيار؛ فاحتضنت حوار المنامة، حيث تُبحث شؤون الأمن والاستقرار، ثم شهدت منتدى بوابة الخليج، حيث تُفتح آفاق الاستثمار والإعمار. وشهد المنتدى إعلاناتٍ وشراكاتٍ وصفقاتٍ بلغت قيمتها نحو اثنين وعشرين مليارًا وثلاثمائة مليون دولار؛ وهي إعلاناتٌ وشراكاتٌ متفاوتة المراحل، لا تُساوى بالاستثمارات المنجزة. فالبحرين لا تنتظر سكون العواصف لتُقيم البنيان، ولا تؤجّل صناعة المستقبل حتى ينقضي الامتحان. وما رسخ هذا النهج لولا قيادةٌ جمعت بين الحكمة والحزم، وصون السيادة وإعلاء العمران؛ بقيادة سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه. ويمضي على النهج سيدي صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، في تعزيز التنمية، وجذب الاستثمار، وترسيخ كفاءة المؤسسات وقدرتها على الإنجاز والاقتدار. ومن هنا، فإنّ دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية معنيّة بألّا تُطفأ نار الحرب وتُترك أسباب الاشتعال، وألّا تُرفع رايات السلام وتبقى أدوات العدوان؛ فلا يُقبل اتفاقٌ تُحكم ألفاظه وتُترك ثغراته بغير ضمان، ولا يصحّ أن تُرهن سيادة الأوطان باتفاقٍ يُعقد بعيدًا عن أهل الشأن. فأمنها ليس رهينة انتخابات الآخرين، ولا مستقبلها موضع مساومةٍ بين الخصوم، بل حقٌّ تصونه وحدة المصير وقوة القرار. وآخر القول، إنّ صناديق واشنطن قد تُبدّل حسابات الحرب، ولكنها لا تمحو أسباب العدوان. وتبقى البحرين ماضيةً في نهجها، تحرس أمنها وهي تُعلي عمرانها، وتصون سيادتها وهي تبني مستقبل أجيالها؛ فالأمن درعُ العمران، والعمران سندُ الأوطان، والسلام الحقُّ ما أزال أسباب العدوان.
المصدر: أخبار الخليج