أزمة المدرسة
من احتجاجات الثانويات الفرنسية إلى الجدل حول مؤسسات الريادة بالمغرب: أي إصلاح تربوي نريد، ولمن تُحتسب نتائجه؟
تعيش المدرسة العمومية، في عدد من البلدان المنتمية إلى الفضاء الفرنكفوني، على وقع تحولات تكشف عن مفارقة تستحق التوقف عندها، فبينما تتوالى البرامج الإصلاحية، وترتفع وتيرة الحديث عن تحسين جودة التعلمات، والرفع من مردودية المنظومات التربوية، تتزايد في المقابل مظاهر التذمر والاحتجاج، وتتجدد الأسئلة حول مدى قدرة المدرسة على الوفاء بالتزاماتها ، سواء تجاه المتعلمين أوالأسر أوالمجتمع.
وقد أعادت الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا منذ أسابيع، وما رافقها من مطالب بتحسين ظروف التمدرس، وتوفير الموارد البشرية والتجهيزات الضرورية، إلى الواجهة نقاشا يتجاوز حدود تدبير المؤسسات التعليمية، إلى مساءلة اختيارات السياسة التعليمية نفسها.
وفي المغرب، وإن اختلفت طبيعة السياق، فإن النقاش الدائر حول مشروع مؤسسات الريادة، في ضوء نتائج البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ«PISA 2025»، يعكس بدوره توترا بين خطاب رسمي يستند إلى نتائج التقويم ومؤشرات التحسن، ومواقف تربوية ونقدية تدعو إلى مساءلة النموذج المعتمد، ومدى استجابته للاختلالات البنيوية التي ما فتئت تعاني منها المدرسة العمومية.
ولا يعني الجمع بين التجربتين أن المدرسة المغربية والفرنسية تواجهان الأزمة نفسها، أو أن الاحتجاج في فرنسا يعادل الاعتراض على بعض اختيارات الإصلاح بالمغرب. كلا، فلكل منظومة سياقها وإكراهاتها ومواردها، غير أن الحالتين تلتقيان عند إشكالية مركزية: إلى أي حد يمكن الحكم على نجاح السياسات التعليمية اعتمادًا على المؤشرات الكمية وحدها، في غياب تقييم أشمل يأخذ بعين الاعتبار شروط التمدرس، والإنصاف وتكافؤ الفرص، ومكانة الأستاذ في الإصلاح، ومدى ثقة المجتمع في المدرسة العمومية؟
الاحتجاجات الفرنسية .. أزمة المدرسة تتجاوز مسألة التمويل
شهدت فرنسا، يوم 6 أكتوبر2026، احتجاجات واسعة شارك فيها نحو 266 ألف شخص، وفق التقديرات الرسمية، قبل أن تتجدد المظاهرات يوم 8 أكتوبر بمشاركة نحو 71 ألفًا و500 محتج، حيث انطلقت هذه الاحتجاجات أساسا من الثانويات، قبل أن تتسع لتشمل فئات أخرى متضامنة مع مطالب التلاميذ والأطر التربوية . [1]
وتتمحور المطالب حول قضايا تبدو، للوهلة الأولى، مرتبطة بالتدبير اليومي للمؤسسات، مثل: الخصاص في الأساتذة، وعدم تعويض الحصص الدراسية الضائعة، والاكتظاظ، وتدهور البنيات التحتية والتجهيزات، فضلا عن الانتقادات الموجهة إلى نظام الولوج إلى التعليم العالي وتنظيم الزمن المدرسي.
غير أن اختزال هذه الاحتجاجات في مطالب مادية أو إدارية يحجب جانبا أساسيا من دلالاتها، فحين يضطر التلاميذ إلى الاحتجاج من أجل ضمان انتظام الدراسة، وتوفير شروط التعلم، فإن الأمر يتعلق بخلل يمس الوظيفة الأساسية للمدرسة العمومية، وليس بمجرد صعوبات عابرة في تدبير الدخول المدرسي.
وقد رافقت هذه الاحتجاجات مواجهات مع قوات الأمن، وأعمال عنف وتخريب في بعض المدن، ما أثار بدوره نقاشا حول تدبير الاحتجاجات الطلابية، وحدود التدخل الأمني، ومن الضروري هنا التمييز بين مشروعية المطالب التربوية، التي تستحق المعالجة والحوار، وبين الأفعال العنيفة التي لا يمكن تبريرها، أيًّا كان الطرف المسؤول عنها.
وتزداد أهمية هذه التطورات عند ربطها بالمعطيات المتعلقة بالإنفاق على التعليم بفرنسا، فوفق تقرير:» نظرة على التعليم« 2025 ، الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، بلغ متوسط الإنفاق على التلميذ في التعليم الثانوي التأهيلي الفرنسي: 18 ألفا و127 دولارا، وفق تعادل القدرة الشرائية ومعطيات سنة 2022، مقابل 14 ألفا و562 دولارا في متوسط بلدان المنظمة، وهذا يعنى أن الإنفاق الفرنسي في هذا المستوى يفوق المتوسط بنحو 24 في المائة. [2]
وهو معطى يطرح سؤالا لا يتعلق بحجم الموارد وحده، وإنما أيضا بكيفية توزيعها وتدبيرها، ومدى انعكاسها على ظروف التمدرس، وجودة التعلمات. فالاعتمادات المالية، مهما بلغت أهميتها، لا تتحول تلقائيا إلى حصص دراسية منتظمة، أو أقسام أقل اكتظاظا، أو تجهيزات تستجيب للحاجيات الفعلية للمؤسسات. وبين الميزانية المعلنة وما يلمسه التلميذ داخل القسم، توجد سلسلة من الاختيارات التنظيمية والتدبيرية التي قد تعزز فعالية الإنفاق أو تحد من أثره.
وتكشف نتائج «PISA 2025» عن وجه آخر لهذه الإشكالية، فقد بلغ الفارق في أداء التلاميذ الفرنسيين في العلوم بين الربع الأكثر حظًا اجتماعيًا والربع الأقل حظًا نحو 100 نقطة، مقابل 85 نقطة في متوسط بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. كما أظهر التقييم أن 26 في المائة من التلاميذ المستجوبين يوافقون على أن الدراسة كانت مضيعة للوقت بالنسبة إليهم!! وهي نسبة لا تصلح وحدها للحكم على جودة المدرسة الفرنسية، لكنها تكشف عن إشكال يتعلق بقيمة التجربة المدرسية في نظر جزء من المتعلمين. [3]
هنا تستعيد التحليلات السوسيولوجية لـ: بيير بورديو (Pierre Bourdieu) ، وجان كلود باسرون (Jean- Claude Passeron) حول إعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية من خلال المدرسة راهنيتها، كما تكتسب أطروحات فرانسوا دوبيه (François Dubet) بشأن العدالة المدرسية أهمية خاصة. فالمدرسة قد تضمن الولوج الشكلي إلى التعليم، لكنها لا توفر بالضرورة شروطا متكافئة للنجاح، عندما يدخل المتعلمون إليها وهم يحملون تفاوتات اجتماعية وثقافية واقتصادية عميقة. [4]
ومن هذا المنظور، لا تبدو الاحتجاجات الفرنسية مجرد رد فعل على اختلالات مرفقية، بل تعبيرا عن أزمة أوسع، تمس الثقة في قدرة المدرسة العمومية على أداء وظيفتها الاجتماعية.
المغرب ونتائج PISA 2025 .. ما وراء الترتيب الدولي؟
إذا كانت الاحتجاجات الفرنسية قد سلطت الضوء على شروط التمدرس، فإن نتائج البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ«PISA 2025»، المنشورة في 8 شتنبر2026، أعادت النقاش بالمغرب إلى مستوى التعلمات الأساسية ومردودية المنظومة التربوية.
فقد حصل التلاميذ المغاربة على معدل 321 نقطة في القراءة، و355 نقطة في الرياضيات، و358 نقطة في العلوم، وهي نتائج تقل عن متوسطات بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. لكن خطورة هذه المعطيات لا تكمن في الرتبة التي يحتلها المغرب ضمن التصنيفات الدولية، بقدر ما تتجلى في نسبة المتعلمين الذين لم يتمكنوا من بلوغ الحد الأدنى من الكفايات المطلوبة.
فوفق نتائج التقييم، لم يتمكن من بلوغ المستوى الثاني على الأقل سوى نحو: 13 في المائة من التلاميذ المغاربة في القراءة، و16 في المائة في الرياضيات، و23 في المائة في العلوم. كما بلغت نسبة التلاميذ الذين يوجدون دون هذا المستوى في المجالات الثلاثة مجتمعة: 73.2 في المائة. [5]
وهذه المؤشرات تضعنا أمام إشكال تربوي يصعب التقليل من خطورته: كيف يمكن لمتعلم أن يقضي سنوات داخل المدرسة، وينتقل بين مستوياتها وأسلاكها، دون أن يكتسب بصورة كافية مهارات القراءة والفهم والحساب، وتوظيف المعارف في وضعيات مألوفة؟! إن المسألة هنا لا تخص نتائج اختبار دولي فحسب، بل ترتبط بما يحدث داخل القسم، وبمدى قدرة الممارسات الصفية وآليات الدعم والتقويم على معالجة التعثرات قبل تراكمها.
وإذا كانت هذه النتائج تبرر القلق بشأن جودة التعلمات، فإن التعامل معها يقتضي قدرا من الحذر المنهجي، فقد شارك المغرب في دورة 2025 بعينة ضمت 6978 تلميذا، ينتمون إلى 179 مؤسسة تعليمية. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن عدد التلاميذ المؤهلين لاجتياز التقييم ارتفع بأكثر من 30 في المائة بين سنتي 2018 و2025، ارتباطا بتوسع التمدرس في صفوف فئات كانت أقل استفادة من التعليم الثانوي. [6]
ويعني ذلك أن المقارنة بين الدورات لا يمكن أن تتجاهل التغير الذي طرأ على تركيبة الفئة المستهدفة، فتوسيع الولوج إلى التعليم، وهو مكسب اجتماعي في حد ذاته، قد يؤثر في المعدلات العامة عندما يشمل فئات عانت سابقًا من الإقصاء أو محدودية فرص التمدرس.
لكن هذا التفسير، على أهميته، لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للتقليل من حجم التعثرات القائمة، فالتوسع في التمدرس يظل محدود الأثر إذا لم ترافقه قدرة حقيقية على ضمان التعلمات الأساسية. والواقع أن الإشكال المغربي لم يعد محصورا في إدماج الأطفال داخل المؤسسات التعليمية، وإنما أصبح يرتبط، بصورة أكثر إلحاحا، بما يتعلمونه فعليا خلال سنوات الدراسة.
ولذلك، فإن النقاش العمومي حول الترتيب على المستوى الدولي، على الرغم من مشروعيته، يبقى أقل أهمية، من حيث مساءلةُ الأسباب التي تجعل نسبة واسعة من المتعلمين لا تبلغ عتبة الكفايات الأساسية.
الفضاء الفرنكفوني: أزمات مختلفة وأسئلة مشتركة
لم تبق الاحتجاجات المرتبطة بالتعليم محصورة في فرنسا، فقد شهدت مدينة لييج (Liège) البلجيكية، يوم 7 أكتوبر2026، احتجاجات تلاميذية وطلابية على خلفية تكاليف التعليم وشروط الدراسة وبعض الاختيارات المرتبطة بالسياسات التعليمية. ورغم تأثر بعض هذه الاحتجاجات بما يجري في فرنسا، فإن لكل حالة أسبابها المباشرة وخصوصياتها المؤسساتية والسياسية. [13]
وتسمح هذه التطورات بإعادة طرح سؤال المدرسة داخل الفضاء الفرنكفوني، شريطة عدم التعامل معه باعتباره فضاء تربويا متجانسا. ففرنسا وبلجيكا والمغرب وعدد من البلدان الإفريقية الناطقة بالفرنسية لا تتوفر على الموارد نفسها، ولا تواجه الإكراهات ذاتها، كما تختلف اختياراتها المتعلقة بالتنظيم المدرسي والمناهج ولغات التدريس.
وفي هذا الصدد، يقدم تقرير«PASEC 2019»، الذي شمل 14 بلدا إفريقيا ونُشرت نتائجه سنة: 2020، معطيات مهمة حول مستويات التعلمات في القراءة والرياضيات، وعلاقة هذه النتائج بخصائص المؤسسات التعليمية ومعارف المدرسين وكفاياتهم. [14]
وتؤكد أهمية هذه المعطيات ضرورة التعامل مع جودة التعليم باعتبارها نتيجة لتفاعل عوامل متعددة، تشمل الكفايات المهنية والموارد وظروف التمدرس والاختيارات البيداغوجية والاجتماعية.
كما تبرز المسألة اللغوية، بوصفها أحد الأبعاد التي لا يمكن إغفالها عند تحليل التعثرات المدرسية، فقد نبهت اليونسكو، في توجيهاتها المتعلقة بالتعليم متعدد اللغات الصادرة سنة: 2025، إلى أن نحو 40 في المائة من سكان العالم لا يستفيدون من تعليم بلغة يتحدثونها ويفهمونها بطلاقة. [15]
ولا يعني ذلك أن استعمال اللغة الفرنسية، أو غيرها من اللغات الأجنبية، يشكل في ذاته سببا لفشل التعلمات، لكنه يفرض التفكير في الشروط البيداغوجية واللغوية، بحيث تضمن ألا تتحول لغة التدريس إلى عائق إضافي أمام اكتساب المعرفة، خصوصا بالنسبة إلى المتعلمين الذين يواجهون أصلا صعوبات اجتماعية أو تعليمية.
وتزداد هذه المسألة أهمية في السياق المغربي، بالنظر إلى التعدد اللغوي الذي يميز المجتمع والمدرسة، وإلى التحديات المرتبطة بالانتقال اللغوي بين الأسلاك التعليمية.
أما على مستوى الموارد البشرية، فقد قدر التقرير العالمي حول المدرسين الصادر عن اليونسكو سنة 2024؛ الحاجة إلى 44 مليون مدرس إضافي عالميًا بحلول سنة: 2030، من بينهم نحو 15 مليونا بإفريقيا جنوب الصحراء. [15]
وهذه المعطيات تذكر بأن نجاح السياسات التعليمية لا يمكن فصله عن الاستثمار في العنصر البشري، وضمان شروط ممارسة المهنة، مهما بلغت أهمية الابتكارات البيداغوجية والتكنولوجية.
أي تعاقد جديد لاستعادة الثقة في المدرسة العمومية؟
تكشف المقارنة بين التجربتين الفرنسية والمغربية عن اختلاف في طبيعة الأزمة، لكنها تبرز في الوقت نفسه حدود الاقتصار على المقاربات التقنية في معالجة القضايا التربوية.
ففي فرنسا، لا يكفي رفع الاعتمادات المالية ما لم ينعكس ذلك على انتظام الدراسة وجودة التجهيزات وتقليص التفاوتات بين المؤسسات. وفي المغرب، لا يكفي الإعلان عن تحسن نتائج التقويمات، أو اتساع دائرة مؤسسات الريادة، ما لم يثبت الإصلاح قدرته على ضمان تعلمات مستدامة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحسين شروط العمل داخل المؤسسات.
ولذلك، يبدو من الضروري الانتقال من نقاش يتمحور حول نجاح البرامج أو فشلها بصورة إجمالية إلى مساءلة أكثر دقة لنتائجها الفعلية.
ففي الحالة المغربية، ينبغي أن تشمل عملية التقييم تطور مكتسبات المتعلمين بحسب مستوياتهم الأولية، والوسطين القروي والحضري، والفوارق الاجتماعية، مع تتبع نتائجهم خلال السنوات اللاحقة وعند الانتقال بين الأسلاك.
كما يتعين ربط مؤشرات التعلمات بمعطيات أخرى تتعلق بالغياب والتكرار والانقطاع عن الدراسة، ومدى انتظام الاستفادة من الدعم التربوي، والظروف المهنية والمؤسساتية التي يجري فيها تنفيذ الإصلاح.
ومن الأهمية بمكان أن تشمل عملية التقييم أيضًا آراء الأساتذة والمفتشين التربويين ومديري المؤسسات، باعتبارهم فاعلين يمتلكون معرفة مباشرة بالصعوبات اليومية التي تواجه تنزيل البرامج. ولا ينبغي أن يظل إشراكهم مقتصرًا على مرحلة التنفيذ، وإنما يجب أن يمتد إلى تشخيص الاختلالات، وتقييم الممارسات، واقتراح التعديلات الضرورية.
كما أن استقلالية التقييم ونشر نتائجه التفصيلية يمثلان شرطين أساسيين لتعزيز الثقة في الإصلاح. فالمعطيات التي تسمح للباحثين والمهتمين بالشأن التربوي بفحص النتائج ومناقشة حدودها أكثر قدرة على إقناع الرأي العام من المؤشرات الإجمالية التي تقدم خارج سياقها.
ويقتضي الأمر، كذلك، التمييز بين ثلاثة مستويات غالبًا ما يقع الخلط بينها في الخطاب المرتبط بالإصلاح: مستوى تنفيذ البرنامج، الذي يمكن قياسه بعدد المؤسسات المستفيدة والأنشطة المنجزة؛ ومستوى النتائج المباشرة، الذي يظهر في تطور مكتسبات المتعلمين؛ ومستوى الأثر البعيد، الذي يتعلق باستدامة التعلمات وتقليص الفوارق وتحسين المسارات الدراسية.
والخلط بين هذه المستويات قد يؤدي إلى اعتبار التوسع الإداري نجاحًا تربويًا مكتملًا، أو إلى تحميل نتائج تقويم مرحلي أكثر مما تحتمله من دلالات.
وإذا كان من المشروع أن تستند الوزارة الوصية إلى النتائج المشجعة للدفاع عن اختياراتها، فمن المشروع بالقدر نفسه أن يطالب الفاعلون التربويون والباحثون بمزيد من التوضيح والشفافية والتقييم المستقل.
فالنقد، حين يستند إلى المعطيات ويتجنب الأحكام المسبقة، لا يشكل عائقًا أمام الإصلاح، بل يمكن أن يتحول إلى إحدى آليات تصحيحه وتطويره. وفي المقابل، فإن رفض الاعتراف بأي تحسن محقق، لمجرد الاختلاف مع المقاربة المعتمدة، يحرم النقاش العمومي من الموضوعية المطلوبة.
وما تحتاجه المدرسة المغربية اليوم ليس اصطفافًا بين خطاب يعلن نجاح الإصلاح بصورة نهائية وخطاب مضاد ينفي عنه كل جدوى، وإنما نقاشًا تربويًا رصينًا يعترف بالمكتسبات، ويفحص حدودها، ويسائل كلفة الاختيارات ونتائجها على المدى المتوسط والبعيد.
من إصلاح المؤشرات إلى إصلاح العلاقة بالمدرسة
في نهاية المطاف، تذكرنا الاحتجاجات الفرنسية والجدل المغربي حول مؤسسات الريادة؛ بأن المدرسة ليست مجرد جهاز لإنتاج النتائج وترتيب المتعلمين، وإنما مؤسسة اجتماعية يفترض أن تضمن الحق في التعلم، وأن تسهم في الحد من التفاوتات، وأن تمنح الأجيال الجديدة أسباب الثقة في مستقبلها.
وتظل نتائج التقويم ضرورية لتشخيص التعثرات، وقياس فعالية التدخلات التربوية، لكنها لا تستوعب وحدها جميع أبعاد جودة المدرسة. فقد تتحسن نتائج المتعلمين في اختبارات محددة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تحسنًا مماثلًا في جميع الكفايات أو في شروط التمدرس. وقد تتوسع البرامج الإصلاحية بوتيرة سريعة، بينما تظل بعض المؤسسات عاجزة عن الاستفادة منها بالشروط نفسها.
والأهم أن الإصلاح التربوي لا يستمد مشروعيته من قوة الخطاب المصاحب له، وإنما من قدرته على إحداث تغيير، يمكن للمتعلمين والأسر والأطر التربوية أن يلمسوا أثره في حياتهم المدرسية اليومية.
من هنا، فإن استعادة الثقة في المدرسة العمومية تقتضي تجاوز التعامل مع الإصلاح باعتباره سلسلة من المشاريع المتعاقبة، ذات آجال ومؤشرات منفصلة، نحو بناء سياسة تعليمية منسجمة، تتكامل فيها الجودة والإنصاف والموارد البشرية والحكامة والتقييم.
وفي المغرب على وجه الخصوص، تبدو الحاجة ملحة إلى جعل الإصلاح التربوي مجالا لتعاقد مؤسساتي ومجتمعي واضح، يحدد المسؤوليات، ويضمن استمرارية الاختيارات المجدية، ويترك المجال مفتوحا لتصحيح ما تكشف الممارسة عن محدوديته.
فالأستاذ الذي يُطلب منه إنجاح الإصلاح يحتاج إلى الثقة في خبرته، مثلما يحتاج إلى التكوين والمواكبة والمساءلة. والمتعلم الذي يُحتفى بتحسن نتائجه يحتاج، قبل ذلك وبعده، إلى مدرسة تضمن له تعلما حقيقيا وفرصا منصفة للنجاح. أما الأسرة، التي تتابع، عن قرب، أثر السياسات التعليمية على مستقبل أبنائها، فلا تنتظر من المدرسة مؤشرات مطمئنة فحسب، وإنما تنتظر أن تجد في تلك المؤشرات ما ينعكس فعلا على مستوى التعلمات وجودة التمدرس.
ولعل السؤال الذي يتعين أن يظل حاضرا في تقييم مختلف الإصلاحات، لا يتعلق بعدد المؤسسات التي شملها المشروع، ولا بحجم النتائج التي تعلنها التقارير وحدها، وإنما بمدى تقلص المسافة بين الوعود التربوية والواقع اليومي داخل الأقسام.
فالمدرسة التي تنجح في تحسين نقط الاختبارات تحقق مكسبا مهما، أما المدرسة التي تنجح في ضمان التعلم والإنصاف واستعادة ثقة المجتمع، فهي التي تحقق المعنى الحقيقي للإصلاح.
بيبلوغرافيا
[1] Associated Press، «French riot police fire tear gas as more than 250,000 rally nationwide for school funding»، 6 أكتوبر 2026؛ Reuters، «French students keep up protest pressure»، 8 أكتوبر 2026.
[2] OECD، Education at a Glance 2025: France، قسم «Financial resources».
جدول C3.1؛ بيانات سنة 2022 وفق تعادل القوة الشرائية.
[3] OECD، PISA 2025 Results (Volume I): France. 8 septembre 2026.
[4] Pierre Bourdieu & Jean-Claude Passeron، La Reproduction، Éditions de Minuit، 1970؛ François Dubet، L’École des chances، Seuil، 2004.
[5] OECD، PISA 2025 Results (Volume I): Morocco، 8 شتنبر 2026، بيانات الأداء وعتبة المستوى الثاني؛ وانظر مؤشرات Education GPS.
[6] المصدر نفسه: PISA 2025 – Morocco، قسم «Key Features»، بيانات العينة واتساع التمدرس بين 2018 و2025.
[7] Banerjee et al.، «From Proof of Concept to Scalable Policies»، Journal of Economic Perspectives، 31(4)، 2017، ص 73–102؛ Barak Rosenshine، «Principles of Instruction»، American Educator، 2012.
[8] Kenza Khatla، حوار مع Florencia Devoto، «Écoles pionnières : en un an, des progrès équivalents à près de trois ans»، Médias24، 28 شتنبر 2026.
[9] المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الهيئة الوطنية للتقييم، التقييم الخارجي للمرحلة التجريبية لمشروع المدارس الرائدة، يونيو 2025.
[10] Abdennasser Naji، «Les écoles pionnières en question : lettre ouverte à leurs promoteurs canadiens»، مقال رأي، TelQuel، 5 أكتوبر 2026.
[11] Andy Hargreaves & Michael Fullan، Professional Capital: Transforming Teaching in Every School، Teachers College Press، 2012.
[12] OECD، Results from TALIS 2024 – Country Notes: Morocco، 7 أكتوبر 2025؛ البيانات تخص أساسًا أساتذة التعليم الثانوي الإعدادي.
[13] Reuters، تغطية الاحتجاجات التعليمية ببلجيكا وفرنسا، 7–8 أكتوبر 2026؛ ينظر كذلك إلى التقرير الخاص باستمرار احتجاجات التلاميذ الفرنسيين.
[14] CONFEMEN/PASEC، Rapport international PASEC2019: Qualité des systèmes éducatifs en Afrique subsaharienne francophone، 2020؛ يشمل 14 بلدًا.
[15] UNESCO، Languages Matter: Global Guidance on Multilingual Education، 2025؛ UNESCO، Global Report on Teachers، 2024
44 مليون مدرس عالميا و15 مليونًا في إفريقيا جنوب الصحراء.
The post أزمة المدرسة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المصدر: هسبريس