شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

القطاعان العام والخاص.. حين تلتقي لغتان على نتيجة واحدة

القطاعان العام والخاص.. حين تلتقي لغتان على نتيجة واحدة

سالم بن سليمان الحاتمي لا تُقاس قوة العلاقة بين القطاعين العام والخاص بعدد قنوات الحوار، بل بقدرتها على تحويل القضايا المشتركة إلى قرارات، والقرارات إلى تنفيذ، والتنفيذ إلى أثر اقتصادي قابل للقياس. وقد تعددت في سلطنة عُمان اللجان القطاعية ومجالس الأعمال والمنتديات، وأسهمت في نقل تحديات السوق إلى الجهات المختصة. والتحدي في المرحلة المقبلة هو تقوية الحلقة التي تربط الحوار بالقرار. ويُختصر الفرق بين القطاعين عادةً في أن الخاص أسرع والعام أبطأ، والواقع أن لكل قطاع لغته في ثلاثة أمور. الأول تعريف النتيجة؛ فهي عند المستثمر مبيعات وعائد وحصة سوقية، بينما تتسع لدى الجهة الحكومية لتشمل المصلحة العامة والعدالة واستدامة الخدمة وحماية المال العام. والثاني الأفق الزمني، فالقطاع الخاص يميل إلى دورات أقصر في قياس الأداء والعائد، بينما قد تحتاج آثار السياسات العامة إلى وقت أطول حتى تظهر بصورة مكتملة. والثالث طبيعة المخاطرة، فالمستثمر يتحمل بصورة مباشرة المخاطر المالية والتجارية، بينما تتحمل الجهة الحكومية تبعات القرار العام على المال العام وعلى فئات متعددة من المجتمع والاقتصاد. ومن هنا لا تكفي السرعة وحدها للحكم على الكفاءة، ولا ينبغي أن يتحول اتساع المسؤولية إلى مبرر لتأخر غير ضروري. وفي هذا السياق جاءت التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم- حفظه الله ورعاه- باستحداث البرنامج الوطني لتعزيز بيئة الأعمال الجاذبة للاستثمار، المقرر إطلاقه مطلع عام 2027. وهو فرصة لجمع الجهود القائمة ضمن مسار وطني متكامل، وتحويل التحديات المشتركة إلى أولويات تنفيذية. ولا يُفترض أن يحل محل اللجان ومجالس الأعمال، بل أن يمنح مخرجاتها طريقًا أوضح إلى التنفيذ، خاصةً حين تتطلب القضية تنسيقًا بين عدة جهات. ويظهر التكامل المطلوب في ملف الاستثمار؛ إذ تتولى الحكومة تهيئة البيئة الاستثمارية وتوفير المعلومات والأراضي والبنية الأساسية والموافقات والحوافز، بينما يتولى المستثمر اختبار الطلب، وإعداد الجدوى التفصيلية، واختيار التقنية، وتوفير التمويل، وتحمل المخاطر التجارية والتشغيلية. فالشراكة لا تعني أن يتقاسم الطرفان كل مهمة، بل أن يعرف كل طرف ما الذي يقرره، وما المخاطر التي يتحملها، وما النتيجة التي سيُحاسَب عليها. وعند دخول البرنامج مرحلة التنفيذ يمكن تعزيز أثره بثلاث خطوات مترابطة. تتمثل الأولى في مسار موحد لرصد القضايا، تُجمع عبره القضايا المتكررة من قنوات الحوار القائمة وتُصنف بحسب الأولوية والأثر والجهة المختصة، فتبقى اللجان ومجالس الأعمال مصدرًا للمعرفة القطاعية، ويوفر البرنامج مظلة التنسيق والمتابعة. وتقوم الثانية على فرق عمل مشتركة ومؤقتة لكل قضية، بنطاق واضح وجهة مسؤولة ومدة محددة ومخرج معلوم، سواء كان تعديل إجراء، أو تجربة حل جديد، أو تطوير خدمة، أو ردًا معللًا على المقترح، قبولًا كان أم رفضًا. فالقيمة في إنجاز المهمة لا في بقاء الفريق. أما الثالثة فهي قياس الانتقال من الحوار إلى الأثر: كم ملاحظة تحولت إلى توصية؟ وكم توصية صدر بها قرار؟ وما أثر ما نُفذ في الزمن والتكلفة وجودة الخدمة والاستثمار؟ ويُستحسن أن تُقرأ هذه المؤشرات مع نوعية التوصيات، لئلا يُكافأ الكم على حساب القضايا الصعبة. وتقدم تجربة سنغافورة نموذجًا يمكن الاستفادة من منهجه. فقد أنشأت وزارة التجارة والصناعة السنغافورية واتحاد الأعمال السنغافوري «تحالف العمل لتنافسية الأعمال» في فبراير 2024، وأصدر التحالف في الأول من نوفمبر من العام نفسه سبعًا وعشرين توصية في القوى العاملة والأراضي والأنظمة. ولم تتوقف التجربة عند التقرير، فقد أضافت الحكومة ثلاث سنوات إلى عقود الأراضي الصناعية الجديدة لتغطي فترة البناء والتطوير، واستحدثت مبادرة لتمديد العقود بمرونة، واختصرت وزارة القوى العاملة برنامج استقبال العمال العائدين في بعض القطاعات من ثلاثة أيام إلى يومين اعتبارًا من أغسطس 2025. وفي خطاب رسمي أمام البرلمان في أغسطس 2026، ورد نقلًا عن الرئيس المشارك للتحالف أن أربعًا وعشرين توصية من أصل سبع وعشرين قد قُبلت. والقبول لا يعني اكتمال التنفيذ، لكنه يدل على انتقال المخرجات إلى دائرة القرار. ويكمن الدرس في المنهج: قضية محددة، وفريق مشترك، ومدة معلومة، ومخرج تنفيذي، ومتابعة لما تحقق. على أن لهذا النموذج مخاطره، فقد يتحول المسار الموحد إلى طبقة إجرائية جديدة، أو تُكلَّف الفرق بقضايا تفوق صلاحياتها، أو يغلب على التمثيل صوت الشركات الكبرى على حساب الصغيرة والمتوسطة. والتعامل معها يبدأ بصلاحيات واضحة لكل فريق، وتمثيل متوازن، ومدد زمنية ملزمة. وفي النهاية، لا تتطلب الشراكة بين القطاعين أن يتحدثا بلغة واحدة، بل أن يتفقا على النتيجة ومسار الوصول إليها. ويمثل البرنامج الوطني فرصة لترجمة تعدد قنوات الحوار إلى عمل أكثر تكاملًا، شريطة أن تبقى المسؤوليات واضحة، والمشاركة متوازنة، والنتائج قابلة للقياس. فعندما تلتقي خبرة الحكومة في التوجيه والتمكين بخبرة القطاع الخاص في السوق والاستثمار والتنفيذ، يتحول اختلاف اللغة إلى أثر اقتصادي يبقى.

المصدر: الرؤية