شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

من هنا أولًا.. نبني اقتصادًا مستدامًا في ظفار؟

من هنا أولًا.. نبني اقتصادًا مستدامًا في ظفار؟

د. عبدالله باحجاج السؤال المركزي المُلِح لكل مُحافظة من محافظات البلاد يكمن الآن في كيف نبني اقتصادًا قويًا ومستدامًا من المشاريع الكبيرة القائمة أولًا، وليس من التفكير في مشاريع جديدة والتي تأتي ثانيًا، أو متماهيًا مع أولًا، الأهم هنا التركيز على أولًا المشاريع الكبيرة القائمة، والعمل على تكاملها وترابطها، وتحويلها إلى اقتصاد محلي له انعكاسات اجتماعية مباشرة، وتحديدًا على توفير فرص عمل، وتحسين المستويات المعيشية للمواطنين في ظل استمرار السياسات المالية الراهنة، ومن بينها الضريبية وتخفيض بعض الدعم عن خدمات أساسية. بمعنى، أنه لا ينبغي أن ينصرف التفكير في كل محافظة إلى إقامة مشاريع جديدة فحسب، بل يجب أن يبدأ بإعادة تقييم المشاريع والاستثمارات الكبيرة القائمة، والبحث عن فرص رفع إنتاجيتها، واستكمال مرافقها، وتوسيع أنشطتها، وإقامة الصناعات والخدمات المساندة حولها. ولماذا أولًا؟ لأنَّ عامل الزمن ينبغي أن يكون شغلنا الشاغل على الصعيدين الوطني والمحلي؛ فالمدى المتوسط هو المستهدف لإحداث نقلة كمية ونوعية في إنتاج فرص عمل وتحسين مستويات المعيشة سنويًا؛ ففي محافظة ظفار- مثلًا- تظهر الحاجة القصوى إلى تكامل المشاريع التالية: المطار والميناء والمنطقتان الحرتان في صلالة والمزيونة والقطاعات السياحية والزراعية والسمكية، والإسراع في استكمال منطقة النجد الزراعية، فهذه المشاريع الكبيرة لا ينبغي أن تعمل بمعزل عن بعضها البعض، أو بسقوف محدودة، فلا بُد من بناء روابط إنتاجية وتجارية فيما بينها، بحيث يوَلِّد كل واحد منها فرصًا أخرى، ودون ذلك، كيف نتطلع لاستيعاب أعداد الباحثين المتزايدة، وتحسين المستويات المعيشية؟ وطريق الربط والتكامل فيما بين تلك المشاريع القائمة هو الأسرع والأقصر والأضمن خلال المدى الزمني المتوسط، عوضًا عن التركيز أولًا على إقامة اقتصاديات من خلال مشاريع جديدة سيكون مداها الزمني طويلًا، ولن يخدم عامل الاستعجال في تحقيق تلكم الأجندات العاجلة، وأي احتكام للسياق الزمني للتحديات المُقبلة، والإكراهات الجيوستراتيجية، فإنه يُلِح أولًا على إقامة الاقتصاد المحلي لظفار من خلال المشاريع الكبيرة القائمة فعلًا، وهي كفيلة بإقامة اقتصاد قوي ومستدام من خلال دمجها ضمن منظومة اقتصادية متكاملة، مع التماهي نحو إقامة المشاريع الجديدة، وهي تلقائيًا آتية لا محالة بفعل جهود البلاد في استقطابها داخليًا وخارجيًا، ومن أهمها زيارات عاهل البلاد- حفظه الله ورعاه- إلى عدد من الدول الصديقة، كزيارة جلالته لبريطانيا والصين مثلًا، وما نتج عنها من مشاريع ضخمة مشتركة نوعية وكمية. لكن أولًا عبر تكامل ما أشرنا إليه من مشاريع كبيرة جاهرة؛ فمطار صلالة يمكن تحويله وبسهولة إلى بوابة تجارية وسياحية ولوجستية تربط بلادنا بأكبر اقتصاد عربي مجاور لبلادنا، وهو الاقتصاد السعودي، وكذلك باليمن والقرن الأفريقي والمحيط الهندي. والحتمية هنا تستوجب الإسراع في إقامة مركز للشحن والتجارة الجوية، ومركز للخدمات الفنية والصيانة والتموين والإمداد الجوي، مما سيكون له انعكاسات اجتماعية مباشرة، خاصة توفير فرص عمل للباحثين عن عمل، وتحسين مستويات المعيشة الاجتماعية. والوظائف الجديدة يمكن أن تفتح مسارات مهنية جديدة أمام الشباب العُماني بدلًا من الاقتصار على الوظائف الإدارية التقليدية. وإذا ما ارتبط مطار صلالة بميناء صلالة والمنطقتين الحرتين في صلالة والمزيونة، والمناطق الصناعية وكذلك بمنطقة نجد الزراعية بعد الإسراع في استكمالها، فإننا سنكون أمام أنشطة جديدة مثل: تصدير المنتجات الزراعية والسمكية الطازجة من ظفار إلى أسواق الخليج واليمن والقرن الأفريقي، وسيكون بإمكان ظفار استقبال بضائع من أسواق شرق أفريقيا، وإعادة توزيعها إلى الأسواق الخليجية، وإنشاء مستودعات متخصصة للمنتجات الغذائية والدوائية والسلع سريعة التلف؛ مما سينجم عنها تأسيس شركات محلية للتخليص والشحن والتوزيع والتعبئة والتغليف. هنا ستتحول ظفار من محافظة تستقبل البضائع لاستهلاكها المحلي إلى بوابة تقدم خدمات تجارية ولوجستية لأسواق محلية. فإذا أردنا حل قضية الباحثين عن عمل، ورفع مستوى المعيشة للمواطنين وتعزيز الرضا الاجتماعي في ظل استمرارية السياسات المالية والاقتصادية الراهنة، فمن الخيارات السريعة والممكنة في إطار المدى الزمني المتوسط، تحويل ظفار إلى مركز اقتصادي متكامل، تتشابك وتتكامل فيه مثل تلك المشاريع الكبيرة، والإسراع في إقامة المدينة الزراعية بالنجد المُقرر لها تكلفة مالية تبلغ أكثر من 903 ملايين ريال عُماني، وحُدِّدَت لها مدة زمنية حتى 2060. ولماذا هذه الفترة الزمنية الطويلة؟ إذا كانت قضية أموال؛ فهي متوفرة، وينبغي لجهاز الاستثمار العُماني أن يتدخل وبسهولة؛ فالأمن الغذائي لبلادنا، وإقامة مجموعة صناعات غذائية للتصدير، جميعها دوافع تُحتِّم الاستعجال في عامل الزمن الحساس. القضية الأساسية هنا، ليس في غياب المشروعات الاقتصادية الكبرى في ظفار، وإنما غياب التكامل المُنتِج بينها، بما يكفي لتشكيل اقتصاد محلي قوي ومستدام. والتفكير الاستراتيجي الذي نطرحه هو ربط تلك المشاريع الكبرى بأثر اجتماعي واقتصادي محلي ينعكس على الاقتصاد والمجتمع المحليين، مع مواصلة تأثيره على الصعيد الوطني. وهذا المسار يختصر الوقت ويُعجِّل بالنتائج، أكبر من التركيز الحصري على إقامة مشاريع اقتصادية جديدة، أو كما أشرنا سابقًا، التماهي بين المسارين، على أن تُعطى الأولوية لمن له سرعة الإنجاز وتحقيق النتائج أولًا خلال المدى الزمني المتوسط. وتوجه الحكومة لعدم تجديد عقد الامتياز للشركة المُشغِّلة لميناء صلالة فرصة مواتية لصناعة التكامل والترابط، وتحقيق الأثر الاجتماعي والاقتصادي المحلي. وبنيويًا، الميناء والمطار والمنطقتان الحرتان في صلالة والمزيونة، والمدينة الزراعية في النجد ليست مجرد مشروعات مُنفصلة، بل إنها تمثل منظومة اقتصادية متكاملة، وهنا تظهر لنا طبيعة الأولوية. وحتى نقف على الخلفيات، نطرح هذه التساؤلات: كم تاجر أو مؤسسة من ظفار يستوردون ويصدرون فعليًا عبر ميناء صلالة؟ وما الموانع من زيادة عددهم؟ وكيف تستطيع ظفار أن تبني حول مينائها ومطارها ومناطقها الحرة منظومة تستهدف أسواقًا إقليمية؟ ومن ثم إقامة أنشطة إنتاج وتصنيع وتعبئة وتخزين داخل المحافظة تخدم تلك الأسواق. نحن هنا لا نقصي وجود بعض تلكم الأدوار للميناء.. لكن ما حجمها؟ وهل تُستغل من منظور التكامل مع بقية المشاريع الكبرى؟ هنا دور المجلس البلدي في فترته الرابعة المقبلة ليتولى دراسة وتقديم التوصيات ومتابعة تنفيذها، ومن خلال هذه الأدوار سيتمكن المجلس البلدي من المساهمة بفعالية في كشف الفجوات، وترتيب الأولويات ومتابعتها. وقد نُخصِّص مقالنا المقبل حول الدور التنموي للمجالس البلدية خلال الفترة الرابعة المقبلة، ظفار أنموذجًا.

المصدر: الرؤية