شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

حين تُمس الهوية

حين تُمس الهوية

د. صالح الفهدي أعتقدُ أن ما حدث في الصين مع لاعب كرة القدم الفرنسي كيليان إمبابي من المهم التوقف عنده، لأنه يقدم درسًا في طبيعة العلاقة بين الشعوب ورموزها؛ فقد تجاوزت ردود الفعل حدود الرياضة والإعلام والتجارة، لتكشف عن عمق الارتباط بين الوجدان الوطني والرموز التاريخية. لم يتصوَّر اللاعب المذكور حين سُئل عن الصور السَّاخرة (Memes) التي يضع فيها الجمهور صورته على أجساد شخصيات سياسية وعسكرية تاريخية، أنَّ إجابته ستواجه بعواقبَ كارثية، فحينما سُئل عن أكثر الصور إضحاكًا بالنسبة إليه، أشار إلى صورة وُضع فيها وجهه مكان صورة شخصية صينية، وقال إنها تعود إلى شخص يعتقد أنه ديكتاتور صينيّ! لقد كان المقصود بـ"الدكتاتور" هو الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ، وهذا زعيمٌ تاريخي لا يُعدُّ شخصية تاريخية عادية في الوجدان الصيني فحسب؛ بل هو مؤسس جمهورية الصين الشعبية وقائد الثورة التي أسست النظام السياسي الحالي عام 1949. وهُنا جَلبتْ إجابتهُ الكارثةَ؛ إذ لم يتوقف رد الفعل عند حدود الانتقادات الصينية على وسائل التواصل الاجتماعي، بل امتد إلى إجراءات إعلامية وتجارية ومن ذلك: تعليق بث مجموعة الإعلام الصينية (CMG) بث مباريات الدوري الإسباني (الليغا)، وسحب التعاون التجاري مع اللاعب، وتقييد المتابعة الرقمية على حساباته من قِبل الجمهور الصيني، وطلب الاعتذار منه. ورغم اعتذار اللاعب، ونظر الخارجية الصينية إلى اعتذاره "بعين الاعتبار" وهي التي أعلنت عدم تهاون الصين نحو الإساءة إلى رموزها التاريخيين، إلّا أن العقوبات لا زالت سارية على اللاعب حتى اللحظة. الشاهدُ أنَّ الأمم التي تعتزُّ بهويتها لا تنظر إلى رموزها باعتبارها صورًا أو أسماءً عابرة، بل باعتبارها تعبيرًا عن مسيرتها الحضارية وذاكرتها الجماعية. وعلى ذلك فإنَّ مسؤولية المواطن والمؤسسات أيضًا لا تقف عند حدود محبة وطنه، بل تمتد إلى معرفة تاريخه، وصيانة رموزه، والمحافظة على قيمه، والدفاع عن صورته بالحجة والسلوك الواعي، فالوطن الذي لا يعرف أبناؤه قيمة رموزه، قد يفقدون تدريجيًا إدراكهم لقيمة انتمائهم إليه. ومؤخرًا، أثار ظهور جواز سفر عُماني في أحد مشاهد المسلسل الكويتي "النفس المطمئنة"، المعروض على منصة «نتفليكس»، موجةً من الجدل والانتقادات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما ظهر ضمن مشهد يتناول أجواء السحر والشعوذة. ظهر جواز سفر سلطنة عُمان في سياق درامي مرتبط بممارسات الشعوذة؛ الأمر الذي اعتبره متابعون توظيفًا غير مناسب لوثيقة رسمية تحمل هوية الدولة ورمزًا من رموزها الوطنية، مطالبين بحذف المشهد وتوضيح أسباب استخدام الجواز في هذا السياق. لقد كان الاعتراضُ مبررًا؛ لأن وضع وثيقة وطنية في سياق الشعوذة قد يخلق ارتباطًا ذهنيًا غير مقبول بين هوية الدولة وممارسات مرفوضة اجتماعيًا ودينيًا. وأذكرُ هُنا قصة المواطن العُماني الذي رمى موظف أحد المنافذ الحدودية جوازه منذ سنين، فصرخ المواطن فيه قائلا: كيف سمحت لنفسك أن ترمي رمز دولتي، والله لن ألتقطه بيدي، فأثار رد فعله قضيَّةً نُقل بسببها الموظف إلى موقعٍ آخر. إنَّ الدرس المُستخلَص هُنا: أن الهويَّة هي أنفسُ وأغلى ما تمتلكه أيَّة أُمة لأنها تمثِّل ذاتها، وكيانها، فإن تمَّ المساسُ بها آلم ذلك الأُمَّة وأوجعها، وبهذا تقاس غيرتها على هويتها التي يجب أن تحظى بالاحترام والتبجيل، فالغيرة على الهوية الوطنية تمنح المواطن شعورًا بالمسؤولية تجاه وطنه، وتجعله شريكًا في صيانة صورته الحضارية، لا مجرد مستفيد من خيراته ومكتسباته. ومن المُسلَّم به أنَّ المواطن الذي يعتز بهويته يكون أكثر حرصًا على لغته، وأكثر تمسكًا بقيمه، وأكثر احترامًا لعاداته الأصيلة، وأكثر وعيًا في تعامله مع الثقافات الأخرى؛ لأنه يدرك أن الانفتاح على العالم لا يعني الذوبان فيه، وأن التفاعل مع الحضارات لا يستلزم التخلي عن الخصوصية الوطنية. وينبغي أن تكون الأمة، بمؤسساتها الرسمية والأهلية وأفرادها، في حالة يقظة ووعي دائمين تجاه كل من يتعمد الإساءة إلى رموزها الوطنية أو الانتقاص من مكانتها؛ سواء صدر ذلك من داخل الوطن أم من خارجه؛ فلا تتهاون مع الإساءة، ولا تتماشى مع سياقاتها، ولا تتعامل معها باعتبارها أمرًا عابرًا، بل تتخذ المواقف المناسبة إزاءها، وفق الأطر القانونية والحضارية، وبما يحفظ كرامة الوطن وهيبته.

المصدر: الرؤية