الجهل المُقدس
ماجد المرهون [email protected] لو أنَّ أرسطو بُعث من مرقده أو قُدر لعبد الرحمن بن خلدون إلقاء نظرة خاطفة على شبكة المعلومات، لشكرا الرب كثيرًا على هذه المُعجزة التي تَختزل مكتبات بيرغاموم والإسكندرية وبغداد في لوحٍ زجاجي برّاق يُحمل في كف اليد الواحدة والأخرى ممسكةً بكوب القهوة التي لا تكتمل ثقافة بعض الناس إلا بها، مع أنَّ الراعي يمكنهُ القراءة وهو يهش بعصاه على قطيعهِ؛ حيث لا علاقة للقهوةِ بالثقافة إلا في عالم الإنسان الافتراضي المُخادع، بعد أن كان الاعتقاد الأكاديمي القديم يرى أنَّ الجهل رجسٌ سببه الضيق المعرفي وانعدام تكافؤ الفرص، ويفترض أن إتاحة العلوم للعامة ستفضي حتمًا إلى تشييد يوتوبيا المدينة الفاضلة وتأسيس حضارة كونية تتجاوز أحلام إيلون ماسك المريخية. غير أنَّ العقل البشري المُعاصر يأبى إلا أن يثبت لعظماء العلوم أن الفردوس التقني يمكن تحويله وببساطة متناهية إلى ديستوبيا (نقيض المدينة الفاضلة)، ومن غير الضروري استخدام ذلك الفيض المعرفي لفك أسرار الفيزياء النظرية أو علاج الأمراض المستعصية، بل اتجه الفكر الجمعي بكامل قواه العقلية نحو إيقاع الضرر بالآخرين في تصوير المقالب ونشرها، أو السفسطة السجالية حول ما إذا كانت الكرة الأرضية مسطحة كالكعكة الدائرية أم قرص الخبز، والمخلوقات الفضائية والكائنات الرمادية. كان الوصول إلى مرتبة الجهل يتطلب على الأقل مساحة من الحياء، يخالطهُ صمت خجول يُداري به المرء عوراته الفكرية، إلا أن التقنية منحت اللاشيء منصةً وصوتًا ولم ترفع مستوى العامة إلى مصاف الحكماء كما كان متوقعًا، وفتحت أبواب الحكمة على مصراعيها ليدخل منها من لا يُحسن فك الخط المعرفي وهو غارقٌ إلى ناصيتهِ في مُتلازمة البروفيسور اللحظي، ومستعرضًا جهله بجرأة لا يحسده عليها من الأحياء إلا الأنعام وما شابهها، مما أتاح المجال لمنصات الوجبات المعرفية السريعة لإلغاء كل المفاهيم التقليدية والمراسم البدائية، ويكفي المرءَ من هذا النوع مشاهدة مقطع مصور لا تتجاوز مدته ثلاثين ثانية، حتى يتحول فورًا إلى خبير في الجسيمات دون الذرية والهندسة الوراثية واللغة والفلسفة واللاهوت في نفس اللحظة، ويتقلب بين قوالبها كما يفعل عند شراء قالب صابون، ويتصدى بكل صلف للعلماء والخبراء في أروقة التعليقات ومساحات النقاشات، مجادلًا أعتى النظريات بثقة مُطلقة مشحونة بأخطاء إملائية ولغوية وعلمية كارثية تجعل سيبويه والخوارزمي وابن رشد يتقلبون في قبورهم أسفًا. ولو أنَّ الأمر وقف عند هذا الحد لقلنا لا بأس فهناك متسع للعيش في فسحة الأمل، لكن الديمقراطية الرقمية توجت المأساة بقرارِ الصوت للجميع ويحمل في ظاهره العدل، أما باطنهُ مُعاناة للعقلاء وللأجيال الناشئة، وقد كنَّا نعلم قديمًا أن أحمق القرية معروف الحجم والمكان وهو يعرف حدوده، لذلك ينتبذ لنفسهِ مكانًا قصيًا في الأطرافِ والزوايا، ويهمس بخزعبلاتهِ وأضغاثهِ ولا يجاوزه الصوت إلا أذرعًا قليلة أو رمية حجر كأقصى تعبير، بينما اليوم أُعطيت نسخة ذلك الأحمق ميكروفونًا ذهبيًا براقًا، وإضاءة سينمائية زرقاء وملونة بحسب المزاج، فضلًا عن آلاف وملايين المتابعين، فيرسِّم نفسه وليًّا مرشدًا وإمامًا مُفتيًا ومؤثرًا يوزع حكم اليوم والغد، ومنشورات الحياة على أمة أضنتها السطحية دون أن تشعر. والخوارزميات الرقمية الحديثة لا تعبأ بالحقيقة، ولا ترعى في العلم إلًّا ولا ذمَّة، لأنَّ هدفها الأسمى هو إبقاء الكائن البشري متسمِّرًا مُتبلِّدًا أمام الشاشة وهو يبتسم بشرود، حتى إذا توهم أحد المبتدئين أن قطته الفرعونية المُتمطعة تتحدث اللغة الهيروغليفية وتجيد الشق التاريخي منها، سارعت محركات الكشف والرصد إلى إغراقه بمئات المقاطع لحيواناتٍ تُردد أبياتًا لأخناتون، ونلاحظ هنا أن هذه الهندسة البرمجية صنعت فقاعات التردد الفكري وكأنها صوامع غلال مليئة بالأنا، حيث يُحاط المرء فيها بصدى أفكاره ليخيل إليه أنه ينتمي إلى سلالة النوابغ والعباقرة المظلومين الذين لم يفهمهم هذا العالم الغبي، والواقع الذي لا يستشعرهُ أنه يحيا في حاضنات نرجسية تزرع في وجدان الجاهل يقينًا قطعيًا بأنَّ بضاعته المزجاة هي الذروة الشامخة والقمة السامقة، وأن كل من يخالفه الشطحات ليس سوى ضحية لمؤامرة كونية تُحاك ضدهُ في الخفاء. يبدو أن بعض المؤسسات التعليمية التقليدية قد أثبتت كفاءة استثنائية في صناعة الجلود، فهي تدمغ الطالب بلكمة مدبوغة على شكل شهادةٍ عُليا مُحبَّرة ومذهبة، لكنها تسقط بالضربة القاضية في اختبار بسيط حول تعليم الإنسان كيف يفكر، وربما نعيش في عصر يمتلك فيه بعض الأفراد شهادة أكاديمية رفيعة المستوى تُعلق على الجدران وتزين المجالس وأسطح الطاولات والمكاتب، لكنهم في الوقت ذاته لا يجدون حرجًا في إعادة إرسال رسالة عبر المجموعات مفادها إعادة النشر لعشرةٍ من الأصدقاء وستنهمر عليه الثروات والبركات والحسنات، وإن أهملها فسوف يُصاب بكذا وكذا قبل دبيب ذرات الليل أو مع أنفاس الصباح، وهذه الفجوة العميقة بين حمل المعرفة وممارسة العقلانية كشفت أن التعليم الحدیث لم يكن في أحيان كثيرة سوى عملية أقرب ما تكون للشحن الآلي للبيانات، وصنعنا بها خريجين يتقنون حفظ المناهج ويستنجدون بالخرافة عند أول مفترق طرق، فيتحول الخطاب الفكري من بحث عقلاني إلى مجرد طقس شكلي خاوٍ من المحتوى. استبدل الإنسان الحديث المجلدات والجامعة والبحث الصارم بقشور الأخبار والعناوين المضللة ذات الصياغة المثيرة، وباتت السعة الذهنية عند الكثير من الناس اليوم تُضاهي انتباه سمكة زينة في حوض زجاجي بأحد المطاعم، فلا مكان للتحليل الممتد ولا وجود للبحث الفردي واجتراح نظرية مُحكمة السبك، وما لم يُقدم المحتوى على طبق وجبة سريعة معجونة بموسيقى حماسية مُبهَّرة برقصة خفيفة في الخلفية فإن عملية هضم المكونات ستتعرض للعصيان الفكري والمعوي، ولا شك أن التحليل الحقيقي والأمثل للواقع يكمن في استسهال المعلومة لا في ندرتها وهنا تتبدى لي مفارقة طريفة بين التُخمة الرخيصة والجوع المعرفي، بعد أن كان السابقون يقطعون الصحارى والقفار رجالًا وركبانًا أشهرًا طوالًا لبلوغ كتابٍ أو لقاء عالمٍ أو لمجرد التحقق من مفردةٍ في مُعجم، أصبحت الأجيال المُعاصرة تتكاسل حتى عن النقر على شاشاتها، لمجرد أن الإجابة الشافية تقتضي قراءة فقرة تتألف من ثلاثة أسطر. إنِّه عصر الإشباع السريع الذي أنتج زهدًا في الحقيقة، وشغفًا بالهُراء.
المصدر: الرؤية