شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

أمن السعودية في قلب الحسابات الأردنية

أمن السعودية في قلب الحسابات الأردنية

لا ينظر الأردن الى المواجهة المتصاعدة بين المملكة العربية السعودية وجماعة الحوثي في اليمن باعتبارها فصلا من فصول الأزمة اليمنية المستمرة منذ ما يزيد على عشر سنوات، بل باتت تمثل اختباراً حقيقياً للأمن القومي العربي، في ظل اتساع دائرة التهديدات التي تطال دول المنطقة ومصالحها الحيوية، وتصاعد المخاوف من تحول اليمن إلى نقطة ارتكاز دائمة للصراعات الإقليمية والتنافس على الممرات البحرية الاستراتيجية. ولا يُمكن النظر إلى الاعتداءات الحوثية على السعودية باعتبارها تطوراً بعيداً عن المصالح الوطنية الأردنية، فالعلاقة بين البلدين تتجاوز حدود الجوار الجغرافي إلى شراكة تاريخية وروابط أخوية واجتماعية واقتصادية عميقة، تجعل من استقرار السعودية وأمنها مسألة ذات أهمية مباشرة للأردن. وقد عكست المواقف الأردنية الرسمية هذا الارتباط بوضوح، وفي مقدمتها موقف جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي أكد في برقيتي التعزية الموجهتين إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إدانة الاعتداءات على مطاري أبها والملك خالد الدوليين، وتضامن الأردن التام مع الأشقاء السعوديين، والوقوف إلى جانبهم في الإجراءات التي يتخذونها لحماية أمن بلادهم وصون سيادتها. كما أجرى جلالة الملك اتصالا هاتفيا مع سمو الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، قدم فيه التعزية بضحايا الاعتداءات وجدد إدانته لهذه الاعتداءات الغاشمة، مؤكدا تضامن الأردن التام مع الأشقاء السعوديين، ودعمه لما يتخذونه من إجراءات. وجاء الموقف الملكي امتداداً لمواقف حكومية ودبلوماسية متتابعة، أبرزها تأكيد نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية أيمن الصفدي، خلال اتصاله بنظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان في السادس من الشهر الحالي، تضامن الأردن المطلق مع السعودية في مواجهة الاعتداءات الحوثية، ودعمه الإجراءات الرامية إلى حماية أمنها واستقرارها وسلامة مواطنيها، بالتوازي مع التشديد على دعم الشرعية اليمنية والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة للأزمة. ولم تعد انعكاسات هذه الاعتداءات بالنسبة إلى الأردن محصورة في المخاطر السياسية والأمنية المحتملة، بعدما أعلنت وزارة الخارجية، يوم أمس الأول، وفاة مواطن أردني وإصابة أربعة آخرين جراء الاعتداء الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، في تطور يؤكد أن تهديد أمن السعودية يمكن أن يطال بصورة مباشرة حياة الأردنيين ومصالحهم. وعلى المستوى الشعبي، تستند العلاقات الأردنية السعودية إلى رصيد طويل من التقارب والتواصل بين الشعبين، تعززه الروابط العائلية والاجتماعية، وحركة العمل والتجارة والاستثمار والتنقل، وهي عوامل تفسر حضور مشاعر التضامن مع السعودية لدى قطاعات واسعة من الأردنيين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بسلامة المدنيين وأمن بلد يرتبط بالأردن بعلاقات وثيقة ومصالح متشابكة، وهذا ما يسهل فهم التعاطف والتضامن الشعبي الواسع مع السعودية والذي عبر عنه الأردنيون على منصات التواصل الاجتماعي. الحديث عن الأمن السعودي، يكتسب بعداً عربياً واسعا، فالمساس بأمن دولة بحجم السعودية وموقعها الديني والسياسي والاقتصادي لا تنحصر تداعياته داخل حدودها، وإنما يمكن أن تمتد إلى أسواق الطاقة وحركة التجارة والاستثمار والاستقرار الإقليمي، بما ينعكس على الأردن وسائر دول المنطقة. أما في اليمن، فإن جذور الأزمة تتجاوز المواجهة الراهنة مع السعودية، وتعود إلى التحولات التي شهدتها البلاد منذ سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء عام 2014، وما أعقب ذلك من انهيار مؤسسات الدولة وتوسع النزاع المسلح وتعدد السلطات والقوى المتنافسة على الأرض. وتثير جماعة الحوثي، المدعومة من إيران والمصنفة كمنظمة إرهابية، مخاوف أمنية وسياسية تتصل باستخدام القوة لفرض السلطة، واستهداف المنشآت المدنية والملاحة البحرية، فضلاً عن الانتهاكات الحقوقية الموثقة في مناطق سيطرتها، ومنها الاعتقالات التعسفية وملاحقة العاملين في المجال الإنساني، وقد أسهمت هذه الممارسات، في تعميق معاناة الشعب اليمني وتمزيق نسيجه الوطني. ويضيف الارتباط بين الحوثيين وإيران بعداً إقليمياً بالغ الحساسية للأزمة، فالدعم الإيراني للجماعة، وما تمتلكه من قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة، يثيران مخاوف عربية من توظيف الأراضي اليمنية ضمن شبكة نفوذ إقليمية تستخدم الجماعات المسلحة للضغط على الدول والتأثير في قراراتها ومصالحها. وتزداد خطورة هذه المعادلة عندما تنتقل المواجهة من داخل الأراضي اليمنية إلى تهديد المطارات والمدن والمنشآت الاقتصادية السعودية، أو إلى الممرات البحرية الدولية، حيث تصبح التداعيات مرتبطة بأمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي، لا بموازين القوى داخل اليمن وحده. ويبرز مضيق باب المندب في مقدمة هذه الحسابات، باعتباره أحد أهم الممرات البحرية التي تربط المحيط الهندي والبحر العربي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والأسواق الأوروبية، ويمنح الموقع الجغرافي لليمن أهمية استراتيجية استثنائية، لكنه يجعل استمرار الصراع على سواحله تهديداً مباشراً لحرية الملاحة وتدفق التجارة الدولية. وبالنسبة إلى الأردن، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة، في ظل اعتماد المملكة على ميناء العقبة بوصفه منفذها البحري الرئيسي، وارتباط جانب مهم من وارداتها وصادراتها بحركة السفن عبر البحر الأحمر، وقد انعكست اضطرابات الملاحة بالفعل على تكاليف الشحن والتأمين ومواعيد وصول بعض البضائع، رغم استمرار نشاط الميناء ونمو حركة المناولة خلال الأشهر الماضية. وعليه، فإن مصلحة الأردن الاستراتيجية ترتبط ببقاء باب المندب ممراً آمناً ومفتوحاً للملاحة الدولية، بعيداً عن التهديدات العسكرية أو استخدامه وسيلة لفرض النفوذ السياسي والاقتصادي، وهي مصلحة تتقاطع مع مصالح السعودية ودول المنطقة والمجتمع الدولي، في ضمان ألا تتحول الممرات البحرية إلى أوراق ضغط بيد أي جماعة مسلحة. غير أن اختزال اليمن في موقعه الجغرافي أو في المواجهة مع الحوثيين وحدها يمثل قراءة ناقصة لأزمة دولة عربية كبرى، يتجاوز عدد سكانها أربعين مليون نسمة، وتمتلك إرثاً تاريخياً وحضارياً وإنسانياً عريقاً، بينما يعيش الملايين من أبنائها واحدة من أشد الأزمات الإنسانية في العالم. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 21 مليون شخص في اليمن سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026، في ظل تدهور الخدمات الأساسية وانتشار انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية، وهو واقع يضع القضية اليمنية في صدارة المسؤوليات الإنسانية والسياسية العربية، ويجعل استمرار تهميشها أمراً بالغ الخطورة. ويضاف إلى تعقيدات المشهد اليمني ملف الجنوب، الذي يحمل قضية سياسية وتاريخية مستقلة في جذورها عن الصراع مع الحوثيين، وتعود إلى ما قبل الوحدة اليمنية عام 1990، عندما كانت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية دولة مستقلة في الجنوب. فقد بقيت لدى قطاعات من أبناء الجنوب مطالب باستعادة دولتهم السابقة، تأسيساً على رؤيتهم لتجربة الوحدة والتحولات السياسية والحروب اللاحقة، فيما تتمسك قوى يمنية أخرى بوحدة الدولة وترى أن معالجة المظالم الجنوبية يجب أن تتم ضمن تسوية وطنية شاملة. وشهد مطلع عام 2026 تطورات حادة في هذا الملف، مع إعلان قيادات في المجلس الانتقالي الجنوبي حل المجلس خلال اجتماعات في الرياض، في خطوة عارضتها قيادات أخرى تمسكت باستمراره، الأمر الذي عكس استمرار الخلافات حول تمثيل الجنوب ومستقبله السياسي. ورغم التباينات بين مشروع استعادة الدولة الجنوبية والتوجهات السعودية الداعمة للشرعية اليمنية ووحدة البلاد، فإن ثمة طرح سياسي يرى أن هذه الخلافات لا ينبغي أن تمنع تنسيق الجهود لمواجهة التهديدات الحوثية وحماية المناطق المدنية والممرات البحرية، على أن تبقى القضية الجنوبية مطروحة ضمن حوار سياسي جاد، يتيح لأبناء الجنوب التعبير عن تطلعاتهم، بما فيها المطالبة باستعادة دولتهم المستقلة. لكن نجاح مثل هذا التوجه يبقى مرتبطاً بقدرة الأطراف اليمنية والإقليمية على الفصل بين متطلبات الأمن العاجلة والخلافات المتعلقة بالشكل النهائي للدولة، وبضمان ألا يتحول تأجيل تسوية القضية الجنوبية إلى تجاهل دائم لحقوق سكان الجنوب أو لمواقف بقية اليمنيين. وفي المحصلة، فإن الأزمة اليمنية تضع العالم العربي أمام معادلة معقدة، تتداخل فيها حماية أمن السعودية وسيادتها، ومواجهة تهديدات الجماعات المسلحة، والحفاظ على حرية الملاحة في البحر الأحمر، مع ضرورة إنهاء معاناة اليمنيين والتوصل إلى تسوية سياسية تستجيب لتطلعاتهم. وبالنسبة إلى الأردن، فإن وضوح الموقف في التضامن مع السعودية يعكس عمق العلاقات بين المملكتين، وإدراكاً بأن أمن الدول العربية مترابط، وأن الاضطرابات التي تضرب إحدى دول المنطقة لا تتوقف آثارها عند حدودها الجغرافية. ولعل الدرس الأبرز في هذه المواجهة أن أمن السعودية واستقرار اليمن وحرية الملاحة في باب المندب ليست ملفات منفصلة، بل حلقات مترابطة من معادلة أمن إقليمي واحدة، وأن الوصول إلى استقرار مستدام يتطلب معالجة مصادر التهديد العسكري بالتوازي مع معالجة الأسباب السياسية والإنسانية التي أبقت اليمن ساحة مفتوحة للصراع طوال السنوات الماضية.

المصدر: الدستور