شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الملك أنصف المسيحية وكشف زيف تصوير الصراع دينيًا

الملك أنصف المسيحية وكشف زيف تصوير الصراع دينيًا

عمان - أدار الحوار: حسين الرواشدة - تصوير: شريف العويمر تُجيد إسرائيل، كما قال جلالة الملك عبدالله الثاني، تشتيت الانتباه، وتستغل ذلك باستمرار لمحاولة التغطية على ممارساتها الإجرامية بحق الشعب الفلسطيني، وسعيها إلى تنفيذ مخططاتها التوسعية، ما يجعل المنطقة بأسرها في حالة من الاضطراب والصراعات التي لا يلوح أفق للخروج منها خلال الفترة المقبلة. ومن ذلك محاولاتها المتكررة تصوير الصراع على أنه صراع ديني بين الإسلام من جهة، والمسيحية واليهودية من جهة أخرى. وقد كشف جلالة الملك زيف تلك الادعاءات في خطابه التاريخي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ81. وبناء على ما ورد في خطاب جلالة الملك، وإدراكًا لأهمية تفنيد الرواية الإسرائيلية باستمرار أمام العالم أجمع، وكسب مزيد من التأييد الدولي للقضية الفلسطينية، وقطع الطريق على محاولات إسرائيل تهجير الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، فضلًا عن أطماعها التوسعية في المنطقة، عقدت «الدستور» ندوة متخصصة لتسليط الضوء على ما تقوم به إسرائيل من محاولة تصوير الصراع على أنه صراع ديني. وشارك في الندوة وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأسبق الدكتور هايل داود، والأب نبيل حداد، وأدارها الزميل حسين الرواشدة. وفيما يلي أبرز ما تناولته الندوة: = «الدستور»: نرحب بوزير الأوقاف الأسبق الدكتور هايل داود، وبالأب الأستاذ نبيل حداد.. نفتح اليوم النقاش حول خطاب جلالة الملك الذي كان عنوانه «الانتباه».. نبدأ الحديث مع الدكتور هايل، حذر جلالة الملك في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة من خطورة تأطير الصراع في فلسطين كحرب دينية، فيما الحقيقة كما قال جلالته أنه صراع حقوق وليس صراع أديان. لماذا تصر إسرائيل على تقديم ما يحدث في فلسطين على أنه صراع ديني؟ ** داود: خطاب جلالة الملك في الجمعية العامة للأمم المتحدة كان خطابا عظيما في جوانب متعددة، ومن أهم هذه الجوانب تصحيح البوصلة في قضية الصراع العربي الإسرائيلي، هل هو صراع ديني أم صراع حقوق؟ هل هو صراع بين الأديان: الإسلام، المسيحية، اليهودية، أم هو صراع لانتزاع حقوق اغتصبت من أصحابها بالقهر والغطرسة؟ وقد فند جلالته هذه الرواية الإسرائيلية، التي تحاول أن تظهر للعالم، خاصة الغربي، أن هذا الصراع في المنطقة هو صراع أديان، وبالذات تريد أن تظهر أنه صراع ما بين الإسلام من جهة، والمسيحية واليهودية من جهة ثانية، وتريد أن تختطف المسيحية إلى جانبها لمحاولة التملق إلى الغرب، واستجلاب الدعم الغربي، كأنما إسرائيل هي حامية اليهودية وحامية المسيحية أمام الغلو الإسلامي الذي يريد أن يفترس المسيحية واليهودية. جلالة الملك أكد أن هذه الرواية مغالطة كبيرة وليست صحيحة وأن الصراع الحقيقي في المنطقة هو صراع ما بين شعب فلسطيني اقتلع من أرضه ومن بيته ومن جذوره لصالح جماعات جاءت من مختلف أرجاء الأرض. هذا في الحقيقة فيه مكسب للقضية العربية والإسلامية والفلسطينية، مكسب كبير للقضية العربية والإسلامية بإعادة رسم حقيقة الصراع الدائر الآن، وأخذ هذا السلاح الذي تحاول الصهيونية وإسرائيل اليوم أن تتغطى به وتستفيد منه في استجلاب التأييد الغربي والدعم للموقف الإسرائيلي. وأكد جلالة الملك أن هذه رواية غير صحيحة وهي مغالطة كبيرة وأن الصراع ليس صراع أديان في المنطقة. وبشأن القضية المسيحية أكد جلالة الملك أننا نحن حماة المسيحية وليست إسرائيل. = «الدستور»: الأردن تاريخياً يحمي المقدسات الإسلامية والمسيحية.. في خطاب جلالته في الجمعية العامة للأمم المتحدة أكد على هذه المسألة وأن الأردن ما زال يقوم بهذا الدور المشرّف.. إلى أي مدى يمكن للعالم اليوم أن يقف مع الأردن في تمتين هذه الوصاية على المقدسات؟ وإلى أي مدى وصلت هذه الرسالة إلى العالم؟ وما أهميتها؟ ** حداد: جلالة الملك قدم مرافعة أمام هيئة عالمية دولية، قال فيها لهم إن من كان له أذنان للسماع فليسمع، ومن كان له عينان مبصرتان فليرَ، موضحا هذه الحالة الكيئبة التي تمر بها المنطقة بسبب هذه الغطرسة الإسرائيلية، وهذه الغطرسة التي تمكنت من أن توصل فكرة مغلوطة إلى العالم، ومن هنا نرى دوراً مؤثراً للصهيونية المسيحية التي تأخذ من الدين، من الكتاب المقدس والعهد القديم، وسيلة لكي تجمع ما بين الخطة الصهيونية وما بين الفكر المسيحي المتصهين أو الفكر الصهيوني المتمسحن، لأنه لا توجد مسيحية تتفق مع الصهيونية. من هنا يأتي الحديث الذي قدمه جلالة الملك بأننا نحن في الأردن من نحمي المسيحية. وواضح أن هذا الدور كان بارزاً دوماً، هكذا كان مع إخواننا في سوريا والعراق عندما فتح الأردن أبوابه للمسيحيين العراقيين الذين تركوا الموصل هروبا من داعش، ومواقف جلالة الملك مع لبنان ومصر وكل المسيحيين في المنطقة. = «الدستور»: في الحديث عن هجرة المسيحيين في العالم العربي، الأردن يسجل النسبة الأقل، فلا توجد هجرة، كما يوجد اليوم في فلسطين والعراق وغيرها. ** حداد: هجرة المسيحي والمسلم أيضاً هي لدوافع اقتصادية بحتة، فلا توجد فتنة طائفية في المملكة الأردنية الهاشمية، وهذا نابع من الوئام الذي يقدمه الأردن، فالأردن هو منظومة متكاملة في السياسة وفي حوار الأديان وفي حوار الثقافات وفي كرامة الإنسان وحقوقه، يقدم نموذجاً للآخرين، وهذا يصب في صدقية الرسالة التي وجهها جلالة الملك، وصدقية الرسالة بدأت في عام 2004 عندما ظهرت في رسالة عمان التي كتبت بحبر هاشمي، وأظهرت أردن الإسلام المعتدل الذي يحترم مكوناته ويقدم هذا للعالم. الخطورة في الحديث عن الصراع الإسرائيلي العربي الفلسطيني عندما يدعون أن هناك صراعا دينيا إسلاميا مقابل اليهود المسيحيين ككتلة واحدة. جلالة الملك أنصف المسيحية العربية، وأكد أن هذه الأرض هي أرض الميلاد، ليست أرض ميلاد المسيح، إنما هي الأرض التي خرجت منها الدعوة المسيحية التي نراها في الخطاب وبنفس الوقت في عمان وفي المغطس. هذا الجهد يأتي ضمن منظومة كاملة، لأننا نتحدث عن تحرك أردني، وهذا التحرك محكوم بالإيمان والاعتدال، وهذا ما يتحدث عنه جلالة الملك، وبنفس الوقت ينبه الآخرين بأن هذا ليس صراعا إسلاميا مقابل اليهودي والمسيحي. هناك إغفال بأن المشكلة ليست مشكلة إسلامية دينية ضد اليهودية والمسيحية لأن المسيحيين أنفسهم هم ضحايا في هذا الصراع، كما أن المقدسات المسيحية والكنائس المسيحية في القدس تحميها الوصاية الهاشمية، والمسيحيون يتعرضون للاعتداءات والإساءات، فكل حديث عن أن الصراع ديني هو حديث باطل ولا أساس له. = «الدستور»: دكتور هايل، من خبرتك وقد كنت وزيراً للأوقاف، الوصاية الهاشمية شكلت درع حصانة لحماية القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية. جلالة الملك في خطابه أشار إلى ذلك، وإلى أن هذه الحماية ستبقى دائمة. بالنظر إلى المشهد في المنطقة اليوم، كيف يمكن أن ندعم الوصاية الهاشمية على الصعيد العربي والإسلامي والدولي؟ ** داود: الوصاية الهاشمية، خاصة في هذه المرحلة، أعتقد أنها مسؤولية كبيرة جداً على الأردن وعلى قيادته الهاشمية وعلى جلالة الملك، في ظل انقلاب موازين القوى الموجود اليوم، والهيمنة الكبيرة لإسرائيل مدعومة أمريكياً، وغطرستها التي نراها تضرب شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً وفي كل اتجاه، وهي تتحدى المجتمع الدولي. صحيح أن المجتمع الدولي اليوم بدأ ينقلب ضد الرواية الإسرائيلية، ولكن مع ذلك ما زالوا بكل صلافة ووقاحة يتحدون المجتمع الدولي، فاليوم هذا يزيد المسؤولية على الأردن وعلى القيادة الأردنية في أداء الواجب المطلوب ضمن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية. = «الدستور»: الملك خاطب العالم باعتبار القدس رمزًا للسلام، وأهمية أن تبقى مدينة تجمع ولا تفرق. ** داود: لذلك، كان جلالة الملك يرد على هذه الرواية الإسرائيلية والصهيونية التي تستخدم الدين غطاءً لجرائمها. فالإسرائيليون اليوم هم الذين يشوهون الديانة اليهودية، ويحولونها إلى وحش مفترس يأكل الأرض والإنسان ويرتكب الجرائم تحت رواية أن هناك وعداً في توراتهم كما يقولون بأن هذه الأرض لهم، هذه الرواية التي تبرر لهم كل الجرائم والمجازر والإبادة والتهجير إلى غير ذلك من جرائم،. جلالة الملك يريد أن يقول إن هذه القدس التي تقولون إن الرب أعطاكم إياها لتكون منطلقاً لكل الجرائم التي ترتكبونها في المنطقة هي بالنسبة لنا اليوم كمسلمين ومسيحيين وكأردنيين، رمز للسلام وللأمان، ورمز يجمع ولا يفرق، فجلالة الملك يعرف كيف يخاطب المجتمع الدولي وكيف تكون الرسالة مؤثرة ومقنعة، فهي ليست مسألة سياسية فقط. = «الدستور»: في العشرية الماضية زاد مصطلح الإرهاب الإسلامي حضوراً، اليوم نرى إرهاباً آخر، إرهاب مستوطنين، إرهابا يتغطى باسم الدين كما تغطى الإرهاب الذي مورس باسم الإسلام.. إلى أي مدى يمكن أن تصل هذه الرسالة للعالم؟. ** داود: الإرهاب كما نعلم لا علاقة له بالأديان، لا بالإسلام ولا بالمسيحية ولا باليهودية، الإرهاب له علاقة بأشخاص لهم أجندة معينة وأهداف معينة، يعتقدون أنهم يمكن أن يتغطوا بنصوص وشعارات دينية للوصول إلى ما يريدون. بعض المسلمين مثل داعش والنصرة ..إلخ، تغطوا بهذا الرداء لتحقيق أهداف سياسية على الأرض، ونجد أحياناً بعض المسيحيين في مناطق معينة يمكن أن يتغطوا بهذا الغطاء، فهناك اليوم الكثر من المنظمات والأحزاب اليمينية المتطرفة في إسرائيل تمارس هذا الإرهاب تحت غطاء الدين، وتحت غطاء أن هذا ما يريده الرب وما أراده الله عز وجل لشعبه المختار. هل الله عز وجل أراد منهم أن يدمروا الكنائس كما دمرت كنائس في غزة، والمستشفيات المسيحية كما تم تدمير المستشفى المعمداني في غزة، هل يمكن أن الله عز وجل أمر بذلك؟!. القادة الصهيونيين يحاولون تشويه الإسلام والمسيحية بل وحتى تشويه اليهودية. ونحن في الأردن لدينا هذا الخطاب المعتدل المتسامح، وهذه القيادة الواعية التي تريد رسم الأمور ووضعها بشكل واضح، بأننا ندعو إلى السلام الذي يعيد الحق إلى أهله، السلام الذي يعيد الأمور إلى نصابها الحقيقي. = «الدستور»: في الخطاب أيضاً دعوة إلى حماية الهوية الثقافية والدينية في المنطقة، وأشار إلى تحرك الأردن على كافة المستويات.. نريد تقديم واقع اليوم وما يتعرض له المسيحي والمقدسات المسيحية في فلسطين. ** حداد: السيد المسيح هو ابن الجليل في فلسطين التاريخية، والمسيحيون في ظل الحكم الإسرائيلي هم الأقلية، في موطن ولادة السيد المسيح في الجليل وحياته ومماته المسيحيون أقلية، وعندما نتحدث عن هوية ثقافية نسأل: أين المسيحية في إسرائيل الآن؟ هذا سؤال كبير مطروح الآن. هناك انقلاب بدأ العالم يكتشف من خلاله أن هناك وهماً استطاعت الدعاية الصهيونية أن توصله حتى إلى قلوب وأفكار وكنائس أمريكية بدرجة أنهم كانوا يظنون أن أي مساعدة تقدم لقوة الاحتلال تعتبر مساهمة في عودة السيد المسيح. الدافع الديني واضح، لهذا تتغطى الأيديولوجيا الصهيونية بالادعاء أن الصراع هو صراع ديني، حتى يمرر هذا المخطط الصهيوني. وينبغي لي أن أذكر بكل الامتنان الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون الذي يعري إسرائيل والحكومة الإسرائيلية بشكل يكشف أن هؤلاء هم الذين يستغلون نقل الصورة إلى صراع ديني. يقول لهم كيف يمكن أن نتحدث أن إسرائيل تحمي المسيحية وأنتم أيها المتبرعون لإسرائيل تدفعون ثمن السلاح الذي يقتل به الأبرياء، ويقتل المسيحيون، وتدنّس الكنائس، ويكسر الصليب. النقطة الأخرى أننا عندما نتحدث عن هوية ثقافية، فإن الهوية الثقافية في هذه المنطقة محكومة بالتاريخ والجغرافيا، ولكن يبدو أن هذه الخطة الصهيونية تشوه الجغرافيا وتسوّد التاريخ، وتقول إن هذه أرض الميعاد.. السيد المسيح يقول: مملكتي ليست في هذا العالم، بل في السماء.. أنت تريد أن تعطي لإسرائيل صك تفويض وتوكيل بأن يفعلوا ما يشاؤون قتلاً وتدميراً واعتداءً وتدنيساً، هذا التدنيس الذي يحدث في الكنائس والمساجد، والأهم من الكنيسة والمسجد هو روح الإنسان، هل هناك أقدس من روح الإنسان، وروح الأطفال، أليس في هذا تدنيس للكرامة الإنسانية وحق الإنسان؟!. الهوية الثقافية هنا تتحدث عن الديانة اليهودية والديانة المسيحية والديانة الإسلامية، وتختصر هذه بالشعار الذي يرفعه جلالة الملك بأن القدس مدينة تجمع الكل. والفكر الديني لا يمكن أن يبيح لإسرائيل أن تستغل هذا التصوير المشوه بأن الصراع ديني، فهذا غير صحيح. ** داود: عندما ترفع إسرائيل شعار يهودية الدولة، يعني ذلك أن غير اليهودي لا مكان له على أرض فلسطين، سواء كان مسلماً أو مسيحياً، وهم يسيرون في هذا البرنامج. في عام 1948 كانت نسبة المسيحيين في فلسطين 12%، ونسبة اليهود 0.5%، اليوم نسبة المسيحيين في فلسطين 1.5%، بعدد 180 ألف مسيحي، وهي أرض المسيح كما تفضل الأب نبيل حداد، علماً بأن عدد الفلسطينيين المسيحيين الموجودين في دول العالم الذي هُجروا من أرضهم 2 مليون و300 ألف فلسطيني مسيحي حسب الإحصائيات. بعد ذلك يقولون إن اليهود والمسيحيين يتعرضون للاضطهاد من الإسلام والمسلمين، فهم معتادون على قلب الروايات. في نفس الوقت إذا نظرنا إلى الأردن نرى الحرية التي يتمتع بها إخواننا المسيحيون، بصفتهم مواطنين. لدينا في الأردن مجلس الكنائس الذي يعين ممثليه كل كنيسة وفقا لما تتبع له، فإن كانت تتبع لروما فالفاتيكان يقوم بالتعيين، وهكذا إذا كانت تتبع لإسطنبول أو القدس.. إلخ، ولكل كنيسة مجلس، وأعضاء المجلس هم الذين يختارونهم، يقومون بالتنسيب بهم إلى مجلس الوزراء، ومجلس الوزراء يوافق على تنسيبهم ولا يتدخل. هذه هي الحرية الدينية في الأردن، ولهذا تحدث جلالة الملك وقال إننا حماة المسيحية، فهو يتحدث عن واقع، ولك أن تقارن الواقع الذي نعيشه في الأردن من مسلمين ومسيحيين مع بعضنا البعض، والذي يعيشه المسيحيون مع اليهود. أؤكد مرة أخرى أن هذه ليست هي الديانة اليهودية، هذه الديانة الصهيونية والفكرة الصهيونية التي تريد أن تقتلع الإنسان الفلسطيني. = «الدستور»: إلى أي مدى يمكن أن نلتقط هذا العنوان على مستوى المجتمع.. مؤسسات المجتمع، سواء في الأردن أو في العالم العربي والإسلامي، لمخاطبة الغرب والمسيحية الغربية بتفكيك الأساطير التي قامت عليها الرواية اليهودية في ما يتعلق بالعلاقة بين الأديان، وفي ما يتعلق بالممارسات ضد أتباع الأديان في فلسطين.. كيف يمكن اسثتمار اللحظة التاريخية اليوم؟. ** داود: أعتقد أن الجرائم التي مارستها إسرائيل اليوم في فلسطين، في غزة خصوصاً وحتى في الضفة الغربية، وفي ظل التواصل العالمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بدأت تنكشف إلى حد كبير، وبدأت تظهر هذه الرواية الصهيونية المزيفة للعالم، حتى أن هناك اليوم يهودا وإسرائيليين بالإضافة إلى أمريكيين وبريطانيين وغير ذلك يتحدثون بصوت عالٍ ويكشفون الممارسات الإسرائيلية. وتحدث قبل قليل الأب نبيل حداد عن الصحفي تاكر كارلسون، وأيضاً هناك فلاسفة ويهود كبار يتحدثون عن ذلك اليوم. يجب علينا أن نلتقط هذه المتغيرات ونبدأ بتقديم روايتنا الحقيقية، وأن نبدأ بالمزيد من تسليط الضوء على هذه الجرائم والمغالطات التي تمارسها إسرائيل. من جهة أخرى أيضاً يجب أن نحافظ على وئامنا الداخلي، وأن نرسخ هذه الصورة والنموذج، فأحياناً للأسف تخرج من بيننا أصوات شاذة. الحفاظ اليوم على هذا الوئام الداخلي وهذه المودة والسماحة الداخلية التي نعيشها كأردنيين مسلمين ومسيحيين يساند خطاب جلالة الملك، فنحن لا نتحدث فقط عن رواية دعائية أو بروباغندا، وإنما عن واقع موجود يمارسه الأردنيون اليوم على مستوى القيادة والشعب. = «الدستور»: صوت المسيحي في الغرب أو للآخر عندما يخاطب يكون أكثر إقناعاً.. ما هو الدور اليوم الذي يمكن أن يقوم به رجل الدين المسيحي الأردني أو العربي في مخاطبة الآخر المسيحي في الغرب لتفنيد الرواية الصهيونية وتثبيت ما يحدث أنه انتهاك فعلي كما قال جلالة الملك بتسمية الأمور بمسمياتها. ** حداد: النموذج الأردني يعتبر نموذجا تاريخيا، وهو أكبر دليل على صدقية الرواية الأردنية. سردية الحوار الوئامي الديني في الأردن أقوى خلفية للخطاب السياسي والدبلوماسية الأردنية التي يعرضها جلالة الملك بكل براعة وحكمة. ولهذا عندما يخطب جلالة الملك تسمعه آذان وقلوب الناس، ويرون من أين أتى هذا الخطاب، فيرون هذا المجتمع الطيب. وأقول بصراحة إنه تم مأسسة هذا النموذج بجهد جلالة الملك شخصياً، وأنا مطلع منذ عام 2000 وعندما أطلقت رسالة عمان في عام 2004 بأن هذا تمت مأسسته فعلياً.. وبعد ذلك جاءت «كلمة سواء»، إلى درجة أنه أصبح لدينا خلال ربع قرن من العمل في مركز التعايش الديني، ما نقدمه للعالم ونقول بأن المسيحي هو الأقوى حجة، ونظهر اعتدال الإسلام الذي عشنا معه 14 قرناً. السؤال هنا: ماذا يفعل رجل الدين المسيحي الأردني؟ مسؤوليتي أولاً الإيمانية كرجل كنيسة ألا أنطق إلا بالحق وأقدم شهادة الحق، فأنا أشهد أن جلالة الملك يتقدم في موقفه هذا على الكثير من المؤسسات والكنائس المسيحية في العالم في الحديث عن حماية الوجود المسيحي وهذا المشرق المسيحي. ثانياً، من وجهة نظر علمية، نحن نقول للناس إن ما يحدث عندنا في الأردن هو واقع نعيشه، وهناك مبادرة 2030 التي يتبناها جلالة الملك وسمو ولي العهد، 2030، وسمو الأمير غازي، وتتحدث عن الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح في نهر الأردن. دين الدولة في الأردن الإسلام، لكن هذا الإسلام يحتضنني، هذا الإسلام الذي يوقرني، الإسلام المعتدل الذي يواجه معي كل تطرف وإرهاب. ثالثاً، في البعد الإنساني، نقول للأمريكيين إن الولايات المتحدة دولة عظمى، هل يجوز أن يقدم الأمريكيون هذا المال لأمور ضد المسيحية وضد الإنسانية وضد المسلم وضد اليهودي.. لا يمثل هذا الأمر إلا عملا إجراميا. أقول: أيها المسيحيون في أمريكا، يجب أن تعلموا أن المسيحي كما المسلم يتعرض لهذه الاعتداءات وهذا الاضطهاد وهذه الممارسات وهذا التدنيس، وتتعرض كذلك المقدسات المسيحية كما الإسلامية لهذا الاضطهاد. = «الدستور»: الدولة الأردنية بقيادة جلالة الملك تقوم بجهد سياسي في إطار ما يحدث اليوم في فلسطين والانتهاكات ابتداءً من حرب غزة وصولاً لما نشهده في الضفة الغربية.. كيف يمكن لعلماء الدين أن يلتقطوا هذه الإشارات فينهضوا بمشروع على أساس ديني لتفنيد الرواية الإسرائيلية؟ وكيف يمكن أن نوظف القيم الدينية الإسلامية، والتجربة الدينية الإسلامية الطويلة في تاريخنا لإسقاط هذه الأساطير بخطاب مقنع؟. ** داود: أشرت إلى الدور الكبير الذي يقوم به جلالة الملك في تحركاته المستمرة لتقديم رواية حقيقية صحيحة، والرد والتفنيد للروايات الإسرائيلية التي بدأ يظهر زيفها اليوم. هذا التحرك من جلالة الملك يحتاج إسنادا من كل الفئات، وفي هذه القضية بالذات، وعلى رأس هذا الإسناد، العلماء والدعاة والمفكرون الذين يجب أن يلتقطوا هذه الرسالة الملكية ويعملوا على إسنادها والتفاعل معها وتقديم الصورة الحقيقية. علينا أن نقدم الإسلام بصورته الحقيقية، الوئام والمحبة والاعتدال والتسامح والوسطية، الدين الذي يقبل الناس جميعاً لأنهم بشر بغض النظر عن أديانهم أو أعراقهم أو غير ذلك، ليس الدين الذي لا يقوم إلا على إقصاء الآخر، كما يحاول بعض الناس أن يقدموه اليوم. هناك بعض المفكرين والعلماء يقدم الدين على أساس أنه لا يوجد على هذه الأرض إلا من له هذا الدين، إلا من كان مسلماً وأن لا مكان للآخرين. وهذه رواية مشوهة لهذا الدين، فعلى علماء الدين اليوم ومفكريها أن يقدموا أولاً هذه الصورة الحقيقية للدين من خلال النصوص ومن خلال الواقع والممارسات التي تعايش فيها المسلمون طيلة القرون الماضية وتجانسوا مع كل الأديان والطوائف الموجودة، ومن جهة أخرى بيان زيف وتضليل وكذب الرواية الصهيونية وتفنيد كذبها. نحن بحاجة إلى مسارين: بيان الصورة الحقيقية للإسلام، وبيان كشف زيف الرواية الإسرائيلية وتناقضها، سواء في الفكر أو في الممارسة على الأرض، فإسرائيل اليوم تقدم مادة دسمة لبيان هذا الزيف وهذا الظلام. ومن جانب آخر الوضع العالمي اليوم بدأت تتغير نظرته وصورته إلى إسرائيل التي كانوا يقولون عنها أم الديمقراطية في هذه المنطقة من العالم، فكان لديهم تصور بأن الديمقراطية في هذه المنطقة هي إسرائيل: الحضارة، المدنية، الثقافة، العلم ..الخ، اليوم صورة الغرب بدأت تختلف، بريطانيا اليوم، وهي الأم الرؤوم لدولة إسرائيل، بدأت تتغير.. رأينا ذلك في خطاب رئيس وزراء بريطانيا الأخير، وكذلك الموقف الفرنسي تغير. الأرضية العالمية اليوم مهيأة لاستقبال هذه الرسائل.. نحن نتحرك ولكن ما زالت الحركة عاجزة وليست بالمستوى المطلوب. قيادتنا السياسية متقدمة كثيراً على قيادتنا الفكرية، وهي اليوم ملهمة، ولكن تحتاج لمن يفهم هذا الإلهام ويتحرك في ضوئه. = «الدستور»: التهديد الذي يحدث اليوم في فلسطين لا يتعلق فقط بفلسطين، كما قال جلالة الملك، ولن يبقى محصوراً في الحدود الجغرافية الفلسطينية، بل سيمتد إذا تحول إلى صراع ديني إلى أنحاء العالم. أشار جلالته إلى مسألة الكراهية، ففي عالم اليوم بدلاً من أن تسود المحبة والمودة، وبدلاً من أن يلتقي الناس على المشتركات الإنسانية والقضايا العادلة يمكن لهذه الانتهاكات وهذا الفعل الصهيوني أن يغير هذه المعادلات في العالم فتصبح الكراهية والتنابذ والصراع الديني هو السائد.. كيف نفهم هذه المسألة، وكيف يمكن اليوم أن نجعل من مواجهة خطاب الكراهية أداة لإقناع الآخر بلجم هذا التمرد الصهيوني؟. ** داود: أرى أن خطاب الكراهية هو لصالح قضيتنا، ويجب أن نستثمر هذا الخطاب حتى نفضح زيفه وأسبابه، لهذا عندما نتحدث عن دور رجال الدين المسيحي وعلماء الدين الإسلامي، أرى أن عملنا ينطوي أولاً على أن نقدم الرواية الصحيحة، وهي رواية الوئام والمسامحة، الرواية الثانية هي أن نكشف حقائق الموقف الصهيوني، وثالثاً ينبغي أن نفند أي محاولة يشوهها أتباع الإسلام أو أتباع المسيحية لدينهم من خلال ممارسات الكراهية، فهذا تحدٍ يواجه من يريد أن ينخرط في أن يعرض القضية كما يعرضها جلالة الملك الذي يشير إلى أن خطاب الكراهية لا يهدد المنطقة فقط، بل العالم أجمع. علينا أن نعيد رسم خطابنا إلى مسيحيته وإلى إسلاميته وإلى إنسانيته، أن نؤنسن هذا الخطاب حتى نستطيع أن نصل إلى قلوب الآخرين. واضح أن الأمر الذي يثلج الصدر أن العالم يرى، والغشاوة تنقشع، فالتي فازت بجائزة نوبل للسلام مؤخراً هي قاضية من جنوب إفريقيا قدمت شهادات ضد الممارسات الإسرائيلية، فهناك صحوة ويقظة، وهذه اليقظة ينبغي أن نستثمرها، ولو كنت أريد أن أتصور نهجاً لقلت إن علينا أن نقدم نهجاً مسيحياً إسلامياً مشتركاً نقدم فيه نموذجية الأردن، فهذا يخدمنا من وجهة النظر الدينية، ومن وجهة النظر الوطنية، ويخدمنا على الصعيد الدبلوماسي والصعيد الدولي. لدينا هذا النموذج في الوئام في الأردن، فنحن مسيحيين ومسلمين نقدم هذا النموذج ضد الكراهية، ويجب أن ندعو العالم للقدوم إلى الأردن وأن ينظر إلى هذا النموذج. = «الدستور»: عنوان الخطاب كان الانتباه.. انتبهوا، وهناك مفاصل كثيرة.. ما نهمله اليوم من أزمات سيشكل حتماً ملامح مستقبلنا، وهناك قضايا تتطلب انتباهاً فورياً، وأخرى تتطلب انتباهاً مستداماً، أما الظلم فيتطلبهما معاً. يجب أن نسمي الأمور بمسمياتها، ما يفعله المستوطنون هو تهجير قسري وليس إنفاذ قانون، ومصادرة الأراضي هو ضم فعلي وليس تهجير أراض، والحواجز شبكة خنق ومنظومة إخضاع وليست بناء. ** داود: مؤكد أن إسرائيل وحلفاءها استطاعوا أن يضعوا غشاوة على أعين الناس في العالم، بتحريف الكلم عن مواضعه، وتغطية الصور الحقيقية، وإلباس الجرائم التي يقومون بممارستها لباس الدفاع عن النفس والحفاظ على الوجود. هذه أمور وضعت غشاوة على أعين الناس وقادة الغرب وأظهرت هذا اليهودي المحتل، المجرم، المتغطرس، بأنه الضحية، وهذا الذي أراده جلالة الملك من الحديث عن أهمية الانتباه واليقظة، لإزالة هذه الغشاوة عن أعين الناس، وإظهار الصورة الحقيقية التي بدأت تتكشف اليوم، ليظهر من هو المظلوم ومن هو الظالم، فجلالة الملك خاطب العالم وقال لهم انتبهوا، هناك غشاوة، والصورة الحقيقية على غير ما تظنون، دققوا النظر لتروا من هو المجرم ومن هو الضحية. كانت هذه التفاتة ذكية من جلالة الملك في جعل مقدمة خطابه بهذا العنوان وهذا الاتجاه، وهو الانتباه واليقظة. = «الدستور»: عنوان الخطاب انتباه، وتحذير أيضاً، إلى أي مدى العالم العربي والإسلامي اليوم ينتبه إلى هذا الخطر المحدق بالمنطقة كلها بسبب ما تمارسه إسرائيل، وإلى أي مدى يمكن أن نتصور أن مفعول الرسائل التي تصدر من العالم العربي يمكن أن تغير في التهديد الإسرائيلي أو الانتهاكات الإسرائيلية؟. ** حداد: عند الإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن أكون منحازاً وبحماس شديد لهذا النهج الذي رأيناه في خطابات جلالة الملك في ربع القرن الماضي، وليس فقط في الخطاب الأخير.. كنا مع جلالته عندما خاطب الكونغرس، حيث وقف الكونغرس 11 مرة وصفق لجلالته. ما أريد أن أقوله أن علينا أن نتقن التنبيه، جلالة الملك يطلب الانتباه، وعلينا أن نوصل الفكرة، أن ننبه، وهذا يأخذني إلى ما قاله النبي يوحنا المعمدان، الذي اغتالته يد الشر عندما قطع رأسه، فكان يقول للمستعمر المحتل الظالم بأنه لا يجوز لك أن تأخذ امرأة أخيك. فكيف يمكن أن يكون هناك انتباه دون تنبيه؟. بالنسبة للمجتمع الدولي نطلب منه الانتباه، وهذا الانتباه يقتضي منا أن ننبه. جلالة الملك ذهب ونبه وكشف وقدم شهادة، والشهادة التي قدمها هي شهادة قائد مؤمن، شهادة حق، وصف الحقيقة، شهادة رجل دولة. جلالة الملك من القيادات العالمية التي يصغي إليها المجتمع الدولي، وهو صانع سلام ورجل مؤمن، وهو خير من يمثل رسالة الإسلام، فقدم توصيفا للحالة وأعطى وصفة للحل، وما قدمه جلالة الملك استرعى انتباه العالم. وإذا كنا نتحدث عن رسائل من العالم العربي والإسلامي، فأقول إن الرسائل ما زالت متواضعة. وأقول إن جلالة الملك خاطب العقل الغربي بمنطقية وبلغة الرجل القائد العادل بشجاعة. وعندما تتقن رسالتك، وتكون على حق، وتعرف الحق، وتكون لديك شجاعة، فعليك أن تقتدي بجلالة الملك وتحمل هذه الرسالة للعالم. - «الدستور»: حذر جلالة الملك أيضاً من أن يكون من نتائج تحويل الصراع إلى صراع ديني بروز تيارات متطرفة، ففي العالم اليوم لكل فعل رد فعل، وفي المنطقة العربية والإسلامية شهدنا موجة من الإرهاب الذي يتغطى بالدين ويدعي أنه يستمد مشروعيته من الدين.. إلى أي مدى يشكل ما يحدث في فلسطين اليوم نوازع لتيارات متفجرة في منطقتنا وفي العالم؟. ** داود: لطالما أكد جلالة الملك والأردن أنه لا استقرار، ليس فقط في المنطقة العربية ولا في منطقة الشرق الأوسط بل في العالم أجمع، ولا سلام ولا هدوء، إذا لم تحل القضية الفلسطينية بشكل عادل، وإذا لم يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة، الحقوق الوطنية، وعلى رأسها أن يقيم دولته المستقلة على تراب وطنه، لأن هذا حق لأي شعب من الشعوب. لم تبق اليوم منطقة تعيش حالة استعمار إلا فلسطين فقط، ولم يبق أناس مستعمرون إلا الشعب الفلسطيني، وبالتالي فإن هذا الإنسان الذي يبحث عن حريته وكرامته وتحصيل حقوقه، إذا لم يعطَ حقوقه بالطريقة الطبيعية فسيبقى يقاوم ويصارع حتى يصل إلى حقوقه المشروعة. عندما تحاول إسرائيل أن تقدم الرواية الدينية وتُظهر هذا الصراع أنه صراع ديني فإن هذا سينقلب عليها. خطاب جلالة الملك فيه معنى التحذير ومعنى الانتباه، بمعنى أن هذه السياسة الإسرائيلية التي تمارس اليوم ستعود على العالم كله بالدمار والخراب، وتستجلب إثارة الحروب والنزاعات واستمرار العنف والصراع، وإذا أردتم إنهاء هذا العنف والصراع فيجب حل هذه القضية حلاً عادلاً. = «الدستور»: الأردن في منطقة جغرافية صعبة، لا يستطيع أن يتفرغ لمواجهة وإدارة الأزمات ويتنكر لبناء المستقبل.. الملك يقول: نحن لا نملك خيار المفاضلة بين التعامل مع الأزمات وبناء المستقبل، بل لا بد أن نمضي في المسارين معاً. ** حداد: من براعة القيادة الأردنية أنها تتقن هذه المواءمة، ما بين الداخل وما هو خارج الحدود. وواضح أن هذه الرؤية الملكية وهذا النهج الهاشمي ظل دوماً مثالاً يحتذى.. أريد أن أقول إن الأساس هو الإيمان، جلالة الملك رجل مؤمن، ويحب الله ويحب وطنه وشعبه، فلا يوجد لدى جلالة الملك رؤية داخلية منفصلة عن المصلحة الوطنية العليا في الداخل والخارج. جلالة الملك أتقن هذا منذ عام 1999 للآن، والتطور الذي حدث في عهد جلالته والذي ينافس أوروبا، وأيضاً الحالة الأمنية وحالة الاستقرار وهذا التناغم وهذا الوئام الديني والمجتمعي والشعبي، هذا كله نتيجة لهذه الرؤية الملكية التي تفعل هذا ولا تترك ذاك. = «الدستور»: اليوم هناك عبث في معادلات السلم المجتمعي والديني في المنطقة، وليس فقط في فلسطين، هناك عبث باسم الطوائف، وباسم المذاهب، وإسرائيل تتصدر وتقف لصناعة هذه المشهدية، سواء في منطقتنا وفي دولنا العربية، وتتغذى سياسياً لمد نفوذها من وراء إذكاء مثل هذه الصراعات، على صعيد الاختلاف الديني، وداخل الدائرة الإسلامية، وكذلك داخل الهوية الوطنية. ** داود: إسرائيل تعيش وتتغذى على إذكاء الفتن المختلفة، وعند الإسرائيليين مهارة عالية حتى لا يظهروا في الصورة. أحياناً قد تكون هذه الفتن عرقية: عربي وكردي.. إلخ، وأحياناً تكون فتنا طائفية: مسلم مسيحي.. إلخ، وقد تكون فتنا مذهبية: سني شيعي.. ودرزي وعلوي.. إلخ. تبحث إسرائيل عن كل نقطة تظن أنها قد تكون مدخلاً ونقطة ضعف وإضعاف في الجسد العربي ثم تعمل على إذكائها وتوسيعها وتطويرها لتعيش هذه المنطقة حالة من الفتن. وللأسف، فإن الكثيرين منا ينجرون وراء ذلك ولا ينتبهون، ويظن الواحد منهم أنه يدافع عن ذاته وهويته ودينيه، ولا يعرف أنه يحقق هذه الأجندة الإسرائيلية في إضعاف الجدار العربي. لذلك، على أصحاب الرأي والفكر والمصلحين والعلماء أن ينبهوا الناس كي لا يغوصوا وراء شبكات الفتن التي ينثرها العدو الإسرائيلي بيننا من حيث نعلم أو لا نعلم فننجر وراءها ونسهم في تدمير بنياننا وجدارنا الداخلي. = «الدستور»: مقابل ذلك، إسرائيل تمارس اليوم نظرية التشتيت، تشتيت الانتباه، فتضرب المسيحي والمسلم.. كيف يمكن أن نواجه التشتيت الفكري والديني الذي تمارسه إسرائيل؟ ** حداد: أي خروج على وحدة الصف، أياً كان، غير مقبول، سواء كان طائفياً أو إقليمياً أو جهوياً أو مذهبياً، فهو سقوط في وحل الفتنة، وانزلاق إلى درب لا يؤدي إلا إلى التهلكة، لهذا السبب عندما نتحدث في وطننا وفي منطقتنا عن وحدتنا الوطنية، وعندما نتحدث عن بقاء هذا الصف الوطني، فنحن نقول كلنا للوطن، كلنا أردنيون في مسيحيتنا وفي إسلامنا، وعلينا أن نعمل على صون هذه الوحدة الوطنية، ويكفينا فخرا أن جلالة الملك يتحدث عن هوية ونهج ودبلوماسية وسياسة، فيقول إننا نحافظ على المسيحية ونقدم الإسلام المعتدل.

المصدر: الدستور