شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

التعليم والتصنيفات العالمية: المصداقية لا تُبنى على انتقاء الأرقام

التعليم والتصنيفات العالمية: المصداقية لا تُبنى على انتقاء الأرقام

في مجال التربية والتعليم، تسارع الدول الغربية إلى الإعلان عن نتائجها، الإيجابية منها والسلبية، وتعرضها على الرأي العام دون الاكتفاء بما يخدم صورتها، وتتنازعها آراء الخبراء ورجال الإعلام. أما نحن، فنميل إلى إبراز النتائج الإيجابية وحدها، متغاضين عن المعطيات التي تضعها في سياقها الصحيح، وهو ما يسيء إلى مصداقية خطابنا ويجعل ما نعلنه للجمهور عرضة للتشكيك. والأمثلة على ذلك كثيرة، نكتفي هنا بذكر مثالين، ثم التعقيب على عيوب التصنيفات العالمية للجامعات حتى لا نقع في شباكها. 1. مثالان المثال 1: قبل أيام، أعلنت وزارة التربية الوطنية أن الجزائر تحتل المرتبة الثالثة عالميًا في مجال التربية ضمن مؤشر الابتكار العالمي، لكنها لم توضح بما يكفي طبيعة هذا المؤشر والأسس التي استند إليها هذا الترتيب. وقد سبق لنا أن شرحنا هذا التصنيف وبيّنا أن هذه المرتبة ترتبط بمؤشرات محددة، من بينها الإنفاق على التعليم، وهو أبرز ما تميزت به البلاد، وهذا لا يعني أن الجزائر تحتل المرتبة الثالثة عالميًا من حيث جودة التعليم أو مستوى التحصيل الدراسي. فارتفاع الإنفاق على التعليم مؤشر مهم، لكنه لا يكفي وحده للحكم على جودة المنظومة التربوية وفعاليتها. المثال 2: أعلنت وزارة التعليم العالي يوم أمس أن الجزائر تحتل المرتبة الأولى عربيًا ومغاربيًا من حيث عدد المؤسسات الجامعية المصنفة في تصنيف “كيو إس” (QS) لعام 2027 إذ ارتفع عدد المؤسسات الجزائرية المدرجة في التصنيف إلى 50 مؤسسة، مقابل 46 سنة 2026 و 15 مؤسسة سنة 2025. كما أشارت الوزارة إلى أن جامعة عنابة صُنفت في المرتبة الأولى وطنيًا. إن كل هذه المعطيات صحيحة في حدّ ذاتها، وقد توحي بأن جامعاتنا تحقق تقدمًا ملحوظًا وتتفوق على جامعات كثيرة في المنطقة العربية. لكن الانطباع يتغيّر عندما ننتقل من عرض الأرقام الإجمالية إلى فحص دلالاتها وتفاصيلها. فالتصنيف شمل 325 جامعة عربية، من بين نحو 700 مؤسسة جامعية في العالم العربي. وعند النظر إلى عدد المؤسسات الجامعية في كل بلد، نجد أن مصر والجزائر تتصدران القائمة، بنحو 120 مؤسسة جامعية لكل منهما. لذلك، ليس مستغربًا أن يكون البلدان من بين الأوائل من حيث عدد الجامعات المدرجة في التصنيف؛ فكبر عدد المؤسسات الجامعية يتيح فرصًا أكبر لتمثيلها فيه، وإن كان ذلك لا يضمن وحده الحصول على مراتب متقدمة. أما إذا انتقلنا إلى ترتيب الجامعات، وفق هذا التصنيف، فنجد أن أفضل جامعة جزائرية، وهي جامعة عنابة، تحتل المرتبة 110 عربيًا، تليها جامعة قالمة في المرتبة 145، ثم جامعة تلمسان ضمن المراتب 151–160. ثم إن أكثر من 30 مؤسسة جزائرية من أصل 50 تقع في المرتبة 251 فما بعدها، وثلاث مؤسسات منها تتجاوز المرتبة 300! وللمقارنة، تضم السعودية 24 جامعة ترتيبها أفضل من جامعة عنابة -أول جامعة جزائرية في هذا التصنيف- فضلا عن أنه لا توجد سوى جامعة سعودية واحدة ضمن المراتب التي تتجاوز 251. وهذا لا يعني بدوره أن السعودية أحسن منا حالا في موضوع جودة التعليم إذا ما قسناها بكمّ التحصيل العلمي لدى الطلبة. وهكذا ندرك أن الإشكال يكمن في الإعلان عن النتائج الإيجابية دون تقديمها في سياقها العام: فضخامة عدد الجامعات المصنفة التابعة لبلدمعين لا يعكس جودة الأداء. كما أن التقدم في مؤشر جزئي لا يعني بالضرورة التفوق في الأداء العام. إن المصداقية لا تُبنى على انتقاء الأرقام التي تسرّنا، وإنما بعرض النتائج كاملة، وقراءتها قراءة موضوعية، والتمييز بين ما تقوله المؤشرات فعلًا وما قد توحي به التصريحات الرسمية. 2. من عيوب التصنيفات الدولية للجامعات أصبحت التصنيفات الدولية للجامعات، وبوجه خاص تصنيف “كيو إس” وتصنيف “تايمز للتعليم العالي” (THE) وتصنيف “شنغهاي” (ARWU)، مرجعًا أساسيًا في تقييم مؤسسات التعليم العالي. فهي تؤثر في السياسات الجامعية، وتوجّه اختيارات الطلبة، وتدفع الجامعات إلى تكييف استراتيجياتها سعيًا إلى تحسين ترتيبها ودعم فرصها في الحصول على التمويل وإقامة الشراكات الدولية. غير أن الاعتماد المتزايد عليها يطرح سؤالًا لا مفرّ منه: هل تعكس المرتبة التي تحتلها الجامعة جودتها الحقيقية؟ لا أبدا! ينبغي التمييز بين جودة البحث العلمي، وجودة التدريس، والأداء العام للجامعة. فهذه الأبعاد مترابطة، لكنها ليست متطابقة. وتكمن إحدى أبرز نقائص تلك التصنيفات في محدودية قدرتها على قياس جودة التدريس قياسًا مباشرًا. فهي لا تقيس عادةً، بصورة كافية، مدى التقدم الذي يحققه الطلبة خلال تكوينهم، ولا مدى قدرتهم على التفكير المستقل والابتكار. كما لا تقدم معلومات دقيقة عن جودة المحاضرات والأعمال التطبيقية، وفعالية التأطير البيداغوجي، ومدى توفّر الأساتذة لمرافقة الطلبة وجدية أدائهم. سيقول قائل إن بعض التصنيفات تراعي نسبة الطلبة إلى أعضاء هيئة التدريس، وتراعي المؤشرات المرتبطة ببيئة التعلم، لكن هذه المؤشرات تظل غير مباشرة: انخفاض عدد الطلبة بالنسبة إلى عدد الأساتذة لا يضمن وحده جودة التدريس، كما أن وفرة الموارد الضرورية في المخابر لا تعني حسن استغلالها. وهناك مشكلة أخرى تكمن في الاعتماد على السمعة الأكاديمية. فالجامعة المعروفة تستفيد من حضور تاريخي يجعلها أكثر ظهورًا لدى الباحثين. وقد تنشأ حلقة تدعم فيها الشهرةُ الجاذبيةَ، والعكس بالعكس، دون تحسن في جودة التعليم. من جهة أخرى، تركز التصنيفات على عدد الاستشهادات العلمية: رغم أهمية هذا العامل فإنه لا يصلح كمقياس شامل للجودة. ومن العيوب الأخرى، أن الأبحاث المنشورة بالإنكليزية تحظى بانتشار أكبر من أبحاث جيدة منشورة بلغات أخرى، خاصة في المجالات التي يرتبط جزء مهم من إنتاجها العلمي بالسياق الوطني، كالعلوم الإنسانية والتاريخ والقانون والتربية. إذا نظرنا مثلا إلى تصنيف “كيو إس” فإننا نجد السمعة الأكاديمية تمثّل 30% من رتبة الجامعة، والاستشهادات لكل عضو هيئة تدريس 20%، بينما تبلغ حصة نسبة أعضاء هيئة التدريس إلى الطلبة 10%. فهل هذا يفيد في معرفة مدى جودة التعليم؟ لا! لذلك، لا ينبغي التعامل مع الرتبة النهائية لمؤسسة باعتبارها قياسًا للجودة. نشير أيضا إلى أن الفوارق في الموارد تؤثر في نتائج التصنيف: الجامعات الغنية لها قدرة أكبر على تمويل المخابر والتجهيزات، واستقطاب أشهر الباحثين، وتمويل التعاون الدولي، ودعم حضورها في قواعد البيانات والمنصات العلمية. لذا فالخلط بين الموارد والنتائج قد يظلم جامعات تحقق تكوينًا جيدًا رغم محدودية إمكانياتها. وتظهر مشكلة منهجية أخرى تتمثل في عدم التمييز بين مستوى الطلبة عند الالتحاق بالجامعة. فالجامعة التي تنتقي طلبة متفوقين قد تحقق نتائج مرتفعة عند التخرج دون أن يعني ذلك أنها طورت قدراتهم أكثر من جامعة تستقبل طلبة متفاوتي المستويات وتحقق تقدمًا كبيرًا في تكوينهم. 3. هل من تصنيف يراعي جودة التعليم والتحصيل؟ لا تقتصر عيوب التصنيفات على تلك النقائص، بل تتضمن أيضًا تأثيرها في سلوك المؤسسات: عندما تتحوّل المرتبة الدولية إلى هدف استراتيجي، تعطي الجامعة الأولوية للأنشطة التي تحسّن موقعها، مثل زيادة المنشورات القابلة للاستشهاد ودعم السمعة الدولية وذلك على حساب مهام أخرى لا تظهر بوضوح في المؤشرات، وفي مقدمتها تحسين التدريس ومرافقة الطلبة. إن الجامعة لا تؤدي وظيفة علمية فحسب، بل تقع على عاتقها مسؤوليات وطنية واجتماعية، منها تكوين الكفاءات التي يحتاج إليها المجتمع، ونشر المعرفة، والمساهمة في التنمية الاقتصادية والثقافية. ومن هذا المنظور، قد نجد مؤسسة جامعية ذات أثر كبير في تنمية بلدها رغم أنها لا تحقق حضورًا دوليًا يضاهي دور مؤسسات تتمتع بموارد ضخمة وشبكات بحث علمي واسعة. هذا النقد للتصنيفات الدولية لا يعني أنها عديمة الفائدة إذ تساعد على التعرف على المؤسسات ذات الحضور القوي في مجال البحث العلمي، وتساعد على إيجاد شركاء ومتعاونين علميين، وتسمح بإجراء مقارنات أوّلية. لكن استخدامها يصبح مضللًا عندما تتحوّل إلى أحكام شاملة على جودة الجامعات. والسؤال الأهم ليس: أين تقع جامعتنا في التصنيف؟ بل الأمر يتعلق بعدة تساؤلات لا نجدها في تلك التصنيفات، وهي: ماذا يتعلم طلبتها؟ وما مدى التقدم الذي يحققونه؟ وما جودة بحوثها؟ وما مدى استجابتها لاحتياجات مجتمعها؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة أكثر فائدة لتطوير التعليم العالي من السعي وراء مرتبة قد ترتفع دون تحسن حقيقي في جودة التكوين.

المصدر: الشروق