الفصائل تتقدم داخل حكومة الزيدي بـ «سيناريو الشرع».. والتنازلات المنتظرة غامضة
بغداد/ تميم الحسن
بعد أيام من زيارة سريعة إلى بغداد أجراها توم باراك، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، دخلت فصائل مسلحة إلى مواقع متقدمة في الحكومة، بينها منصب نائب رئيس الوزراء، إثر تصويت البرلمان، الخميس الماضي، على توسيع حكومة علي الزيدي، بعد 5 أشهر من التعثر.
وفي بلد تحاول فيه واشنطن دفع الجماعات المسلحة إلى تسليم سلاحها وتقليص النفوذ الإيراني، يثير توقيت التصويت سؤالاً: هل حصلت بغداد على ضوء أخضر أميركي، أم أن المناصب الجديدة جزء من صفقة تنتظر واشنطن في مقابلها تنازلات من الفصائل؟
على الأرجح، لم تكن زيارة باراك بعيدة عن هذا المشهد. فقد التقى الزيدي ومسؤولين عراقيين آخرين، وسط اعتقاد بأن المبعوث الأميركي جاء لاختبار قدرة الحكومة على تنفيذ تعهداتها، أو إنقاذ مشروع تسليم السلاح وملاحقة الفساد، خصوصاً مع انتقال موعد نزع السلاح إلى الصيف المقبل.
لكن الموافقة الأميركية، إن كانت قد حصلت بالفعل، لا تعني بالضرورة أن واشنطن قررت التعامل بلا تحفظ مع حكومة الزيدي التي باتت تضم شخصيات مدرجة على قوائم العقوبات الأميركية. وقد يكون الاختبار الحقيقي هو ما ستقدمه الفصائل في المقابل، وما إذا كانت المناصب ستقود إلى تغيير في سلوك هذه الجماعات أم ستمنحها وقتاً إضافياً لترتيب أوراقها.
“شيء مقابل شيء”.. ماذا تنتظر واشنطن؟
يقول عقيل عباس، الباحث في الشأن السياسي الأميركي، إنه لا يملك معلومة مؤكدة عن وجود ضوء أخضر، لكنه يرجح هذا الاحتمال. ويضيف لـ(المدى) أن توم باراك ربما أبلغ العراقيين بأن التشكيلة يمكن أن تمضي، وأن المناصب قد تكون جزءاً من صيغة “شيء مقابل شيء”، تُمنح فيها الفصائل مواقع حكومية لقاء تنازل آخر.
ويطرح عباس احتمال أن تكون جهات عراقية تتواصل مع الأميركيين قد اقترحت هذه الصيغة لطمأنة الفصائل بأنها ليست مستهدفة، وأنها تستطيع الوصول إلى مناصب مثل نائب رئيس الوزراء. لكن السؤال، كما يقول، يبقى معلقاً: “ننتظر ما الذي سيقدمه الطرف الآخر، الفصائل”.
وكان تعيين ليث الخزعلي، شقيق قيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق، نائباً لرئيس الوزراء، من أبرز نتائج التصويت.
فالمنصب الذي ظل معطلاً 5 أشهر على الأقل عاد إلى الواجهة في وقت تتحدث فيه الحكومة عن تفاهمات مع فصائل مسلحة بشأن السلاح، بينما لا تزال العلاقة بين تلك الجماعات وواشنطن محكومة بتاريخ من المواجهات والعقوبات.
وكان الزيدي قد قال إن 5 فصائل وافقت على تسليم السلاح، وإن 3 منها سلّمته بالفعل. وتذهب تسريبات إلى أن بعض الفصائل تعهدت بعدم استهداف المصالح الأميركية والاستثمارات، في مقابل ما حصلت عليه من مناصب.
لكن هذه الرواية تصطدم بمواقف جماعات أخرى، في مقدمتها “كتائب حزب الله”، التي ترفض تسليم السلاح وتواصل توجيه التهديدات إلى واشنطن.
وقبل يوم واحد من التصويت البرلماني، تحدث أبو مجاهد العساف، المسؤول الأمني في كتائب حزب الله، عن تحديد يوم لحرق العلم الأميركي.
وفي الشهر الماضي، اعتقلت السلطات ما بين 8 و10 أشخاص على خلفية احتفال بخروج القوات الأميركية، بعدما دهست عجلات، بعضها تابع للحشد الشعبي، العلم الأميركي.
ترامب لا يختار الحكومة.. لكنه يضع خطوطاً حمراء
يرى كاتو سعد الله، الباحث في العلاقات العراقية-الأميركية، أن إدارة ترامب لا تريد التدخل في كيفية حكم الدول، ما دامت لا تعتدي على المصالح الأميركية أو تهدد الأمن القومي للولايات المتحدة.
ويستشهد سعد الله في حديثه لـ(المدى) بتجربة ترامب في ولايته الأولى، حين ترك للأفغان تقرير مصيرهم واختيار طالبان، ثم قبوله بالرئيس السوري أحمد الشرع في ولايته الأخيرة. ويضع العراق في السياق نفسه، بعد انسحاب القوات الأميركية منه.
ويقول إن واشنطن ليست معنية، في رأيه، بمن يتولى الحكومة العراقية، مشيراً إلى أن الفصائل التي قبلت نزع السلاح ودمج قواتها والانخراط في العملية السياسية كانت، بحسب معلوماته، تتصدرها عصائب أهل الحق، التي أصبحت جزءاً من الحكومة.
لكن هذا التفسير يواجه أسئلة يصعب تجاوزها. فقد اعترض ترامب، قبل أشهر، على تولي نوري المالكي رئاسة الحكومة، فيما تحدث سياسيون عن أن الزيدي عُرض على الرئيس الأميركي عبر باراك وحصل على موافقته. وكان الزيدي أول اسم يُطرح بعد محمد شياع السوداني، الذي ارتبطت قضيته بمحاولة اغتيال صحفي أميركي كان محتجزاً بالعراق.
كما اعترضت واشنطن على تمرير قانون الحشد الشعبي، وعلى وصول فصائل مسلحة إلى مواقع حكومية. وكان دبلوماسي غربي سابق قد قال لـ(المدى) إن الولايات المتحدة لديها خياراتها، مثلما أن للعراق خياراته، لكن عليه أن يعرف مع أي جهة يقف.
أموال إلى طهران.. اختبار آخر للتفاهمات
في الجمعة الماضية، أضاف تصريح أميركي جديد طبقة أخرى إلى هذا التناقض. فقد قال قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إن جماعات مسلحة في المنطقة، بينها فصائل عراقية، بدأت تحويل أموال إلى الحرس الثوري الإيراني لتخفيف الضغوط الاقتصادية التي يواجهها بعد 9 أشهر من الحرب.
وفي الوقت نفسه، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على مصرف التنمية الدولي للاستثمار والتمويل. وقالت الوزارة إن المصرف استخدم رؤوس أموال إيرانية في أنشطته، وحوّل أرباحاً إلى إيران بالدولار شهرياً.
تضع هذه التطورات التفاهمات المفترضة بين بغداد والفصائل أمام اختبار مختلف. فحتى إذا وافقت بعض الجماعات على تسليم السلاح أو خفض التصعيد، فإن استمرار تدفق الأموال إلى إيران، وفق الاتهامات الأميركية، يشير إلى أن الروابط المالية والسياسية لم تنقطع.
ومن هنا يأتي تفسير سياسيين عراقيين لما يجري باعتباره محاولة لكسب الوقت، إلى حين التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران.
ويرى سياسيون أن حسم ملف السلاح يبقى صعباً ما دامت الحرب في المنطقة مستمرة، وهو موقف يطرحه أيضاً النائب بهاء الأعرجي.
أسماء على قوائم العقوبات.. ومقاعد داخل الحكومة
تزداد حساسية التعيينات الجديدة بسبب الأسماء التي وصلت إلى الحكومة. فليث الخزعلي هو شقيق قيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق. والأخوان مدرجان على قائمة واشنطن للإرهابيين العالميين، وتصفهما الولايات المتحدة بأنهما “وكيلان عنيفان لإيران”. كما تتهمهما بشن هجمات على القوات الأميركية عقب غزو العراق عام 2003، بينها هجوم وقع في 2007 وأدى إلى خطف 5 جنود أميركيين وقتلهم.
ولم تقتصر مكاسب العصائب على منصب نائب رئيس الوزراء. فقد حصلت أيضاً على وزارة العمل، فيما شملت التوسعة الحكومية حقائب إضافية، بينها وزارة السياحة التي ذهبت إلى “أبو آلاء الولائي”، زعيم كتائب سيد الشهداء.
وفي نيسان الماضي، أعلنت الولايات المتحدة مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن قائد كتائب سيد الشهداء، هاشم فنيان رحيم السراجي، المعروف باسم أبو آلاء الولائي.
وهنا يظهر سؤال آخر: كيف ستتعامل الإدارة الأميركية مع مسؤولين عراقيين يشغلون مناصب رسمية، فيما تفرض عليهم أو على جماعاتهم عقوبات أو تصنفهم ضمن قوائمها الأمنية؟
يقول سعد الله إن هذا السؤال سيتضح في المستقبل، لكنه يشير إلى أن القانون الأميركي يثير إشكالاً بشأن لقاء الدبلوماسيين الأميركيين أو اجتماعهم بأشخاص خاضعين لعقوبات وزارة الخزانة.
ومع ذلك، لا يعتقد سعد الله أن هوية المسؤولين الذين يديرون الحكومة هي العامل الحاسم في حسابات ترامب. فالإدارة الأميركية، بحسب قراءته، تدرك أن غالبية الحكومة العراقية تميل إلى إيران، لكنها تملك أدوات اقتصادية تتيح لها الضغط عند الحاجة. ويضيف أن مبيعات النفط العراقي، وهي العمود الفقري للاقتصاد، ترتبط بالنظام المالي الذي تستطيع الولايات المتحدة التأثير فيه، بما في ذلك عبر العقوبات التي يمكن فرضها عندما ترى واشنطن أن هناك خروقات تستدعي ذلك.
The post الفصائل تتقدم داخل حكومة الزيدي بـ «سيناريو الشرع».. والتنازلات المنتظرة غامضة appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى