العمودالثامن: مَن هو الكافرُ؟
علي حسين
أجمل ما كتب وغنّى زياد الرحباني هذه الكلمات الموجعة:
أنا مش كافر، بس الجوع كافر
أنا مش كافر، بس المرض كافر
أنا مش كافر، بس الفقر كافر
والذل كافر، أنا مش كافر.
تذكرت هذه الأغنية الشهيرة التي غناها الرحباني عام 1985 ، وأنا أشاهد قبل أيام حلقة من برنامج سياسي تناوب فيه اثنان من "مهرجي" الفضائيات، على السخرية من الحزب الشيوعي العراقي واصفين المنتمين له بأنهم كفرة. المحلل السياسي عباس غدير وتابعه عبد الرحمن االجزائري تحولا إلى عضوين في محاكم التفتيش، يمنحان صكوك الغفران لمن يشاءون ويمنعونها عن الذين لا يصفقون للفساد ولا يتغنون بالمحاصصة، ولهذا فإن حزباً مثل الحزب الشيوعي لم يدخل إلى العملية السياسية من بوابة المحاصصة الطائفية والانتهازية السياسية، ولم يتورط مسؤولوه بقضايا فساد، مثل هذا الحزب يُصبح غريباً على جوقة المحللين السياسيين الذين ينتظرون نهاية كل شهر أن يُملأ "الماستركارد" الخاص بهم بأموال منهوبة من جيوب فقراء العراق.
منذ انطلاقة الحزب الشيوعي العراقي الأولى قبل 90 عاماً لم يفصل أبناء الحزب بين ذواتهم ومآثر وطنهم وقضاياه. وظلوا يعيدون صياغة حياتهم ليصبحوا أكثر استعداداً لتكريسها في تحديد مسارات الحرية لبلادهم والارتقاء بشعبهم، فقدموا آلاف الشهداء لتكريس مفاهيم الوطنية والترفع عن كل ما يضعف القيم النضالية.
أصحاب شعار "أنتم كفرة"، لم يناقشوا ما فعله "حجاج" المحاصصة بفرعيها السني والشيعي منذ ثلاثة وعشرين عاماً، لأنهم لم يفكروا إلا بغريزة البقاء التي تعني بالنسبة لهم البحث عن عدو، والعدو من يقف ضد شهوتهم للسلطة واتهامه بالتهمة الجاهزة: إنهم كفار، ولهذا نجدهم لا يقولون شيئاً عن الفساد وعصابات النهب المنظم سوى كلمة واحدة، إن كل ما يحدث من خراب في العراق سببه الحزب الشيوعي "الكافر".
وأنا أنظر إلى "سحنة" عباس غدير وأتمعن بابتسامة عبد الرحمن الجزائري الماكرة، تراءت لي الصفحات التي قرأتها من كتاب المثقف اليساري المصري عبد الرحمن الشرقاوي "إمام المتقين" عن الإمام علي بن أبي طالب "ع"، وكيف كان يرى أن الحكم ليس سلطة يقاضي بها مخالفيه في الرأي، ولكنه يقاضي بها أعداء الفقراء، فمهمته إقامة الحق ودفع الباطل، يقول لابن عباس: "هذه النعل أحب إلي من إمارتكم هذه، إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً"، وأنا أعيد قراءة كتاب عبد الرحمن الشرقاوي "إمام المتقين"، قلت لنفسي: هل تساءل أحد من هؤلاء الساسة "الدراويش" كيف مارس علي "ع" السلطة في أعوام خلافته الأربعة؟، لم يجد في الخلافة حقاً استثنائياً في المال والأرض، فساوى نفسه مع الجميع.
لقد رأينا نواباً يطالبون بسن قوانين تقيد حريات الناس وتحارب البهجة والسعادة والفرح، في الوقت الذي نجد فيه عوائلهم تستمتع بكل ملذات الحياة في دول أوروبا "الكافرة".
The post العمودالثامن: مَن هو الكافرُ؟ appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى