عامان بلا موازنات سنوية.. تعثر التفاهمات بين بغداد وأربيل يعطل موازنة 2027 ويجمّد الاستثمار
المدى/خاص
تتعاظم الضغوط الاقتصادية في البلاد مع استمرار حالة الانسداد المالي الناتجة عن تأخر إقرار مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2027، نتيجة تباين الرؤى المالية بين بغداد وأربيل واعتراضات بعض المحافظات على حصصها. ويأتي هذا التأخير بعد عامين لم تشهد فيهما البلاد إقرار موازنات سنوية، ما أبقى مؤسسات الدولة خاضعة لنظام الصرف المؤقت. وفيما يدعو متخصصون إلى التمهل لدراسة متغيرات الأسواق والقطاع الصحي، يرى معنيون أن غياب التشريع يوقف المشاريع الاستثمارية كلياً.
أكد عضو اللجنة المالية النيابية، جمال كوجر، أن الخلافات بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية، إلى جانب اعتراض بعض المحافظات على حصصها المالية، تمثل السببين الرئيسيين وراء تأخر حسم مشروع موازنة عام 2027 وإرساله إلى مجلس النواب.
وقال كوجر، في حديث خاص لـ(المدى)، إن لديه معلومات عن عقد جلسة حاسمة لمجلس الوزراء بشأن الموازنة، لكنه لا يعلم ما إذا كانت ستنعقد أو ستُحسم خلالها التفاهمات بين الأطراف المعنية.
وأوضح أن الموازنة ستكون عامة، لكنها ستعتمد أسلوبين في إعدادها وتنفيذها، إذ سيُطبق النظام التقليدي القائم على البنود في جزء منها، فيما سيُعتمد أسلوب موازنة البرامج والأداء في جزء آخر.
وأضاف أن تطبيق موازنة البرامج والأداء سيشمل وزارات المالية والكهرباء وبعض المؤسسات الأخرى، إلى جانب محافظتي الديوانية وصلاح الدين، بينما ستُدار بقية المؤسسات والمحافظات وفق الأسلوب التقليدي القائم على البنود.
وبشأن فرص التوصل إلى اتفاق قريب وإرسال الموازنة إلى مجلس النواب، أشار كوجر إلى أنه لا يستطيع تحديد موعد لذلك، داعياً إلى وضع سقف زمني واضح لحسم الخلافات، وتحديد مهلة، مثل الأسبوعين المقبلين، مع تشكيل غرفة عمل ومواصلة عقد الاجتماعات لحين التوصل إلى اتفاق نهائي.
وحذر من أن استمرار تأخر الموازنة ينعكس على الوضع الاقتصادي والمالي، مبيناً أن غياب الموازنة المتكاملة يجعل الإنفاق محكوماً بقاعدة 1/12، بما يتيح تغطية النفقات التشغيلية فقط، في حين يبقى الجانب الاستثماري متوقفاً.
وفي ما يتعلق بتأمين رواتب الموظفين لعام 2027، أكد كوجر أنها ستكون مؤمنة، موضحاً أن الحكومة لا تستطيع المساس بها، لأن ذلك سيؤدي إلى انهيار البلد، على حد تعبيره.
أما بشأن زيادة شحنات الدولار إلى العراق، وما إذا كانت تمثل حلاً مستداماً أم إجراءً مؤقتاً، فقال كوجر إن تأثيرها يعتمد على حجم ضخ الدولار من قبل الولايات المتحدة، وطبيعة العلاقات بين بغداد وواشنطن، ومدى استمرار هذا الضخ.
وفي السياق، أفاد مصدر حكومي بتأجيل جلسة مجلس الوزراء المقررة اليوم للتصويت على الموازنة بسبب خلافات بشأن حصة إقليم كردستان.
وفي المنظور الاقتصادي، يبدي المتخصص الاقتصادي دريد العنزي قراءة تحليلية نقدية تحث على التمهل وعدم الانجرار وراء العجلة الحكومية لإقرار الموازنة، مستغرباً من اندفاع الإدارة التنفيذية لإحالة القانون إلى مجلس النواب قبيل نضوج ركائزه التخطيطية.
ويرى العنزي، في حديث خاص لـ(المدى)، أن المسودة الحالية تشهد تحولاً هيكلياً ونوعياً ينقل إدارة المال العام من النمط التقليدي القائم على موازنة البنود إلى نظام موازنة البرامج والأداء، وهو تحول بنيوي يقتضي دراسة ميدانية متأنية وعميقة لفهم آليات تطبيقه وتجنب الإرباك الإداري والمالي في مؤسسات الدولة.
وأوضح المتخصص الاقتصادي أن المشهد المالي والسياسي العراقي يقف وسط دوامة من المتغيرات والتحديات المتسارعة على المستويين المحلي والإقليمي، مشيراً إلى أن التبعات والآثار الناجمة عن قرار خفض قيمة العملة الوطنية وإعادة هيكلة السياسات النقدية والمالية فرضت واقعاً ملاحقاً يتطلب تدقيقاً رصيناً من صانع القرار قبل تثبيت التقديرات والأرقام الحاكمة في مسودة الموازنة. ونوّه العنزي إلى وجود حالة واضحة من التشتت والارتباك التنفيذي لدى الإدارات الحكومية في تحديد وسُلّم الأولويات التنموية، مبيناً أن التعهدات والتصريحات السابقة التي وضعت قطاع الطاقة والكهرباء في الصدارة سرعان ما تراجعت أهميتها أمام أزمات وإشكالات أكثر حرجاً ومساساً بالأمن الحياتي اليومي للمواطنين، وفي مقدمتها ملف الدواء والتأمين الغذائي.
وأشار العنزي إلى أن الرهان المالي الواجب تبنيه في الوقت الراهن يتلخص في التركيز المباشر على معالجة النقص الحاد في أدوية الأمراض المزمنة واختفائها المتواصل من رفوف المستشفيات والمراكز الصحية الوطنية، مشدداً على أن هذه الأزمة تشكل خرقاً للسياسة الصحية وتتطلب تخصيص سيولة نقدية عاجلة ومستقلة تتقدم على سائر أبواب الصرف الأخرى. واستعرض الخبير الاقتصادي تجربة الأعوام الثلاثة الماضية التي رافقت الحديث والإعلان عن الموازنة الثلاثية في عهد الحكومة الحالية، مؤكداً أن تلك الحقبة لم تشهد في واقع الحال صدور أو تطبيق موازنة جارية مكتملة الأركان وفق الأصول، الأمر الذي فسح المجال أمام اتساع دائرة النفقات التشغيلية غير المتبوبة، وارتفاع معدلات الاستدانة المحلية والدين العام إلى مستويات حرجة، دون تسجيل تجاوب أو استجابة ملموسة من قبل الجهات الحكومية والتشريعية مع المقترحات والحلول والدراسات التي تقدمت بها المراكز التخصصية والخبراء لمعالجة خلل المنظومة المالية الوطنية.
وتستند هذه القراءات النيابية والاقتصادية إلى أرضية ميدانية شهدت إعلان المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء علي الزيدي عدم انعقاد أي جلسة لمجلس الوزراء لغرض مناقشة أو إقرار مشروع قانون الموازنة العامة الاتحادية لعام 2027، ونفياً صريحاً لإدراج مشروع القانون ضمن برنامج الجلسة الحكومية الأخيرة.
وكانت مصادر حكومية قد كشفت في تصريح صحفي عن وجود تقاطعات وتفاوتات فنية وسياسية أعاقت بلورة التوافق حول الأطر الحاكمة للموازنة، وفي مقدمتها بنود التسوية المالية للمستحقات النفطية وغير النفطية المتعلقة بإقليم كردستان، فضلاً عن تحديد استحقاقات المحافظات المنتجة للنفط والمحررة، مشيرة إلى أن اللجان التفاوضية المشتركة بين بغداد وأربيل والجهات الاتحادية لم تتوصل حتى الساعة إلى صيغة توافقية متكاملة تضمن حشد التأييد النيابي اللازم لتمرير المشروع داخل القبة البرلمانية.
وتأتي هذه التطورات على خلاف المنحنى الإخباري والتوقعات الصادرة خلال الأيام الماضية، والتي روجت لتوجه الكابينة الحكومية برئاسة الزيدي لعقد جلسة استثنائية حاسمة لغرض تصويت الوزراء على مسودة القانون وإحالتها فوراً إلى البرلمان، لا سيما بعد أن أنهت وزارة المالية الاتحادية إعداد جداول ومواد مشروع الموازنة وأحالته رسمياً إلى المجلس الوزاري للاقتصاد في أواخر أيلول الماضي، حيث نال المصادقة الأولية هناك تمهيداً لرفعه إلى مجلس الوزراء.
وكانت اللجنة المالية في مجلس النواب قد بادرت في الرابع من تشرين الأول الماضي إلى استضافة وزير المالية فالح ساري داخل مقر اللجنة، لعقد اجتماع تداولي استهدف مراجعة الملامح الفنية لمسودة المشروع والاطلاع على التوقيتات المقترحة لإرسالها، حيث أبدى أعضاء اللجنة عتبهم الرسمي وشديد تحفظهم على عدم إطلاع اللجنة المالية والكوادر النيابية المتخصصة على مسودة القانون ومواده التحضيرية قبيل الشروع بإقراره داخل أروقة الحكومة التنفيذية.
وتتزامن تعقيدات مشروع موازنة عام 2027 مع انسداد مالي وتشريعي مستمر، تمثل بعدم إقرار جداول موازنة عام 2025 والامتناع الكامل عن تشريع قانون موازنة عام 2026، وهو الوضع المعقد الذي وضع مؤسسات الدولة العراقية ومرافقها الوزارية تحت حكم آلية الصرف المؤقت القائمة على قاعدة (1/12) المنصوص عليها في قانون الإدارة المالية رقم 6 لسنة 2019 المعدل، وهي الآلية التي حصرت الإنفاق الحكومي في نطاق تأمين الرواتب والنفقات التشغيلية الضرورية، وتسببت في شلل وتجميد كامل للتخصيصات والخطط الاستثمارية ومشاريع البنى التحتية والتنمية في بغداد والمحافظات.
The post عامان بلا موازنات سنوية.. تعثر التفاهمات بين بغداد وأربيل يعطل موازنة 2027 ويجمّد الاستثمار appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى