الهندسة البيداغوجية بالتعليم الثانوي التأهيلي من تراكم المرجعيات والتصورات إلى تعثر ورش إعادة الهيكلة
شكلت الهندسة البيداغوجية للتعليم الثانوي التأهيلي، على امتداد المحطات الإصلاحية التي عرفتها المنظومة التربوية المغربية، أحد المداخل الأساسية لإعادة تنظيم العرض المدرسي، وتطوير المسارات الدراسية، وتحقيق التكامل بين مكونات منظومة التربية والتكوين. ولم يكن هذا الرهان منفصلا عن التحولات التي عرفتها وظائف المدرسة، ولا عن الانتظارات المتزايدة المرتبطة بالإنصاف والجودة وتكافؤ الفرص، أو بضرورة تمكين المتعلمين من بناء مشاريعهم الشخصية واتخاذ قرارات دراسية وتكوينية منسجمة مع مؤهلاتهم وميولاتهم وآفاقهم المستقبلية. وقد شكل الميثاق الوطني للتربية والتكوين محطة تأسيسية في إعادة النظر في تنظيم الأسلاك والمسارات، قبل أن تأتي الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 لتؤكد أهمية التكامل والمرونة واستدامة التعلم، ثم القانون الإطار رقم 51.17 ليمنح الاختيارات الإصلاحية سندا تشريعيا ملزما، ويؤكد ضرورة إعادة تنظيم المنظومة وهيكلتها بما يستجيب لمتطلبات الإنصاف والجودة والارتقاء. وتعزز هذا المسار بإرساء إطار مؤسساتي للتجديد والملاءمة المستمرين للمناهج والبرامج والتكوينات، وبصدور نصوص تشريعية وتنظيمية جديدة، من بينها القانون رقم 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي، والمرسوم المنظم للتوجيه المدرسي والمهني والإرشاد الجامعي. وفي سياق تنزيل هذه التوجهات، أعادت خارطة الطريق 2022-2026 طرح إشكالية الهندسة البيداغوجية للتعليم الثانوي التأهيلي من خلال البرنامج التاسع، الذي جعل من ترشيد المسالك الدراسية بالبكالوريا أحد الأوراش الإصلاحية المرتبطة بتنويع المسارات وتحسين نجاعتها. وقد أفرز هذا الورش مجموعة من الدراسات والتصورات التقنية واللقاءات التداولية، خاصة خلال سنتي 2023 و2024، تناولت تشخيص اختلالات الهيكلة القائمة، واقتراح بدائل لإعادة تنظيم الجذوع المشتركة والشعب والمسالك، ومراجعة العلاقة بين التعليم العام والتكنولوجي والمهني، وتعزيز الارتباط بين المسارات الدراسية والمشروع الشخصي للمتعلم. غير أن أهمية هذا التراكم لم يفض الى إحداث تحول فعلي في البنية البيداغوجية للتعليم الثانوي التأهيلي. فمع بلوغ خارطة الطريق أفقها الزمني سنة 2026، يبرز سؤال حول المسافة الفاصلة بين ما تم تشخيصه واقتراحه وتداوله، وبين ما تم اعتماده وتنزيله في صورة هيكلة نظامية جديدة. وهي مسافة تستدعي مساءلة تتجاوز حدود التأخر الإجرائي، لتشمل طبيعة الاختيارات البيداغوجية، وآليات التحكيم بين البدائل، وأدوار المؤسسات المتدخلة، وشروط تحويل التصورات إلى قرارات إصلاحية قابلة للتنفيذ والتقويم. وتزداد أهمية هذه المساءلة إذا استحضرنا أن الهندسة البيداغوجية ليست مجرد ترتيبات إدارية للجذوع والشعب والمسالك، أو عملية حسابية لتقليص عدد التخصصات، وإنما هي تعبير عن تصور تربوي لوظائف وهوية التعليم الثانوي التأهيلي، ولنوعية التعلمات والكفايات المستهدفة، وللفرص التي ينبغي أن يوفرها للمتعلمين من أجل بناء مسارات دراسية وتكوينية مرنة ومنصفة وذات معنى. من هذا المنطلق، تسعى هذه المقالة إلى مساءلة واقع الهندسة البيداغوجية بالتعليم الثانوي التأهيلي المغربي، انطلاقا من قراءة متقاطعة للمرجعيات التشريعية والتنظيمية، والتقارير الموضوعاتية، والتصورات التقنية، وذلك في أفق الإجابة عن سؤال مركزي: كيف يمكن تفسير استمرار الفجوة بين التراكم المرجعي والتصوري المرتبط بتجديد الهندسة البيداغوجية للتعليم الثانوي التأهيلي، وبين محدودية تحوله إلى هيكلة نظامية جديدة، وما الشروط الكفيلة بالانتقال من إنتاج التصورات إلى بناء القرار التربوي وتنزيله بصورة ناجعة ومستدامة؟ وتقتضي معالجة هذه الإشكالية اعتماد مقاربة تحليلية ونقدية واستشرافية، تنطلق من تحديد مفهوم الهندسة البيداغوجية ووظائفها، وتستحضر تطور تأطيرها التشريعي والمؤسساتي، قبل الوقوف عند اختلالات الهيكلة الحالية والتشخيصات والتصورات المنتجة، ومساءلة حصيلة البرنامج التاسع لخارطة الطريق، وتحليل العوامل المحتملة المفسرة للفجوة بين التصور والتنفيذ، وصولا إلى استشراف مرتكزات هندسة بيداغوجية متجددة تستجيب لتحولات المدرسة والمجتمع. أولا: الهندسة البيداغوجية بالتعليم الثانوي التأهيلي بين وظائف المرحلة وتراكم المرجعيات الإصلاحية تقتضي مساءلة واقع الهندسة البيداغوجية بالتعليم الثانوي التأهيلي الانطلاق من ضبط مفهومها وحدودها، خاصة أن النقاش المرتبط بإعادة الهيكلة غالبا ما ينصرف إلى تنظيم الجذوع المشتركة والشعب والمسالك والتخصصات، وما يرتبط بها من مواد دراسية ومعاملات وأغلفة زمنية. ورغم أهمية هذه المكونات في تحديد بنية العرض التربوي، فإن اختزال الهندسة البيداغوجية فيها قد يحجب أبعادا أكثر عمقا تتعلق بوظائف المرحلة التعليمية، وطبيعة التعلمات والكفايات المستهدفة، ومرونة المسارات، وعلاقتها بالمشروع الشخصي للمتعلم وبالامتدادات الدراسية والتكوينية والمهنية السابقة واللاحقة. فالهندسة البيداغوجية، في مدلولها الشامل، لا تقتصر على توزيع المتعلمين بين مسالك مختلفة، بل تشمل المبادئ والاختيارات التي تحكم تنظيم التعلمات، والتدرج في بناء الكفايات، والتكامل بين الحقول المعرفية، وشروط الانتقال بين المسارات، وآليات التقويم والتوجيه وإعادة التوجيه والتخطيط. وبذلك تصبح الهيكلة البيداغوجية أحد تجليات الهندسة البيداغوجية، وليست مرادفا لها. ويكتسي هذا التمييز أهمية خاصة بالنسبة للتعليم الثانوي التأهيلي، بالنظر إلى موقعه المفصلي داخل المسار الدراسي للمتعلم. فهو من جهة امتداد للتعليم الإعدادي، بما يقتضيه ذلك من ترصيد المكتسبات وتوسيع التكوين العام؛ ومن جهة ثانية مرحلة للإعداد للتعليم العالي والتكوين المهني، بما يستلزمه ذلك من بناء المعارف والكفايات الضرورية لمتابعة الدراسة أو التكوين؛ كما يمثل فضاء لتبلور الاختيارات الدراسية والمهنية وبناء المشروع الشخصي للمتعلم. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى مساءلة التوازن بين التكوين العام والتخصص، وبين وحدة التعلمات وتنوع المسارات، وبين متطلبات الاستعداد للدراسات العليا وضرورة تجنب التخصص المبكر الذي قد يحد من إمكانات الانتقال وإعادة التوجيه. ولا يتعلق الأمر بالدعوة إلى إلغاء التخصص، وإنما بإعادة التفكير في توقيته ودرجته ووظيفته، وفي مدى استجابته للحاجات الفعلية للمتعلمين. ولا يمكن تناول هذه الإشكالية بمعزل عن تراكم الإصلاحات الذي عرفتها المنظومة التربوية المغربية، والتي جعل من إعادة تنظيم الأسلاك والمسارات وتطوير المناهج والتوجيه وتحقيق التكامل بين مكونات التربية والتكوين رهانات متكررة في مختلف المحطات الإصلاحية. فقد أسس الميثاق الوطني للتربية والتكوين لتصور يقوم على إعادة تنظيم المسارات التعليمية والتكوينية، وتوسيع إمكانات الانتقال بينها، بما يضمن استمرارية التعلم ويستجيب لتنوع مؤهلات المتعلمين وميولاتهم. وجاءت الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 لتعمق هذا التوجه، من خلال ربط الإنصاف والجودة والارتقاء بضرورة تجديد النموذج البيداغوجي، وتمكين المتعلمين من بناء مشاريعهم الشخصية، وإرساء جسور بين مختلف مكونات منظومة التربية والتكوين. غير أن التحول الأبرز يتمثل في الانتقال من المرجعيات الإصلاحية ذات الطابع التربوي التوجيهي إلى التأطير التشريعي الملزم، خاصة مع صدور القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي. وتكتسي المادة 15 من هذا القانون أهمية مركزية بالنسبة لموضوعنا، إذ تنص على أن مكونات منظومة التربية والتكوين تنتظم في شكل أطوار وأسلاك ومسالك دراسية ومسارات مهنية، مع ضرورة مراعاة مبادئ الانسجام والتنسيق والتنوع والتكامل ومد الجسور واستدامة التعلم والاندماج في هيكلتها وتنظيمها وهندستها البيداغوجية. وتكمن أهمية هذا المقتضى في أنه لا يحصر الهندسة البيداغوجية في إعادة توزيع المسالك، وإنما يربطها بمجموعة من المبادئ التي ينبغي أن تحكم تنظيم المنظومة في مختلف مستوياتها. فالانسجام يفترض وضوح العلاقة بين مكونات الهيكلة، والتكامل يستدعي تجنب التكرار والتداخل غير المبرر، والتنوع ينبغي أن يستجيب لاختلاف المؤهلات والميولات، بينما يقتضي مد الجسور توفير إمكانات فعلية للانتقال بين المسارات. ويتعزز هذا المنظور باستحضار المقتضيات المتعلقة بالتوجيه المدرسي والمهني والإرشاد الجامعي، والتي تجعل من مساعدة المتعلم على بناء مشروعه الشخصي واتخاذ قراراته الدراسية والتكوينية جزءا من وظائف المنظومة التربوية. فالتوجيه لا يمكن أن يحقق أهدافه إذا ظل محصورا في توزيع المتعلمين على مسالك محددة وفق النتائج الدراسية والطاقة الاستيعابية، دون توفير عرض تربوي متنوع وممرات وجسور وآليات مرنة لإعادة التوجيه. وفي هذا السياق، يطرح مرسوم التوجيه المدرسي والمهني والإرشاد الجامعي رقم 2.20.471 الصادر سنة 2026 إمكانات جديدة لمساءلة العلاقة بين التوجيه والهندسة البيداغوجية، خاصة من حيث تنظيم المسارات والممرات والجسور، وإقرار المواكبة التربوية للمتعلمين. كما يكتسي القانون رقم 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي أهمية ضمن هذا المسار، باعتباره محطة تشريعية جديدة تستدعي قراءة مقتضياتها في علاقتها بتنظيم التعليم المدرسي وبنية المسارات والاختيارات البيداغوجية. وعلى المستوى المؤسساتي، يبرز دور اللجنة الدائمة للتجديد والملاءمة المستمرين للمناهج والبرامج والتكوينات، باعتبارها أحد مكونات الإطار المؤسساتي المرتبط بتجديد المناهج والبرامج. وهو ما يطرح ضرورة تحديد العلاقة بين الجهات التي تعد التصورات التقنية، والجهات المختصة بدراستها وإبداء الرأي بشأنها، والسلطات المخولة لاعتماد القرارات التنظيمية وتنفيذها. وهنا تتجاوز المساءلة مجرد البحث عن وجود النصوص المرجعية، إلى فحص مدى وضوح العلاقات بينها، وتكامل مقتضياتها، وفعالية الآليات المؤسساتية الكفيلة بترجمتها إلى اختيارات بيداغوجية ملموسة. فالتحدي لا يبدو مرتبطا فقط بتوفير المرجعيات القانونية والتنظيمية، وإنما أيضا بقدرة المنظومة على بناء سلسلة متماسكة تصل بين الاختيار التشريعي والتصور البيداغوجي والقرار التنظيمي والتنفيذ الميداني. ثانيا: الهيكلة البيداغوجية الحالية اختلالات متراكمة ومحاولات متجددة للمراجعة اعتمدت الهيكلة البيداغوجية الحالية للتعليم الثانوي التأهيلي منذ سنة 2005، في سياق تفعيل مقتضيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وشكلت آنذاك محطة لإعادة تنظيم العرض التربوي من خلال الجذوع المشتركة والشعب والمسالك، بما يستجيب لمتطلبات تنويع المسارات الدراسية والتخصصات. وقد تعزز تنظيمها بالمذكرة رقم 43 بتاريخ 22 مارس 2006 بشأن تنظيم الدراسة بالتعليم الثانوي، قبل أن تعرف تعديلات وإضافات لاحقة، خاصة في سياق المستجدات التي انطلقت منذ سنة 2013، ومنها المسالك الدولية للبكالوريا المغربية، وإحداث مسالك البكالوريا المهنية، فضلا عن مسالك رياضة ودراسة… غير أن هذه الهيكلة، رغم ما عرفته من تعديلات، ظلت في بنيتها العامة محكومة بالاختيارات التنظيمية والبيداغوجية التي تأسست عليها قبل نحو عقدين. وقد اتخذت التعديلات المتعاقبة، في جانب منها، طابعا إضافيا وتراكميا أكثر من كونها مراجعة شمولية تعيد النظر في منطق بناء المسارات وتكاملها ووظائفها، مما أفرز مجموعة من الاختلالات والإكراهات التي أصبحت تحد من انسجام العرض التربوي ومرونته ونجاعته. وتتجلى أبرز هذه الاختلالات في تعدد الشعب والمسالك والتخصصات، ووجود تقاطعات وتداخلات بين بعضها على مستوى المضامين الدراسية والمواد المميزة والامتدادات التكوينية، دون أن يقترن هذا التعدد دائما بتمايز نوعي واضح في الكفايات المستهدفة أو الآفاق الدراسية والتكوينية والمهنية. ويتجلى ذلك، على سبيل المثال، في التقارب بين الجذعين المشتركين العلمي والتكنولوجي، وبين مسلكي الآداب والعلوم الإنسانية، وبين مسالك علوم الحياة والأرض والعلوم الزراعية والعلوم الفيزيائية، وكذا بين مسلكي العلوم الرياضية « أ » و »ب »، فضلا عن التقاطعات القائمة بين بعض المسالك الاقتصادية والتدبيرية.ويضاف إلى ذلك محدودية تغطية بعض الحقول المعرفية ذات الأهمية العلمية والمجتمعية، ولا سيما العلوم الاجتماعية والقانونية، فضلا عن عدم وضوح التمايز بين بعض مسالك التعليم العام والتكنولوجي والمهني، سواء من حيث المضامين والكفايات المستهدفة أو من حيث الامتدادات الدراسية والتكوينية والمهنية. وهو ما يستدعي إعادة النظر في منطق تنظيم هذه المسالك، بما يضمن وضوح الهوية البيداغوجية لكل منها، ويحد من تكرار المضامين والتخصصات وتداخلها، ويعزز انسجام العرض التربوي وتكامله وتنوعه الوظيفي. وتتعمق هذه الاختلالات بفعل محدودية المرونة الأفقية بين الشعب والمسالك، وصعوبة إعادة التوجيه وترصيد المكتسبات عند تغيير الاختيارات الدراسية، فضلا عن التفاوتات المجالية في تنوع العرض التربوي، والتي قد تجعل إمكانات الاختيار مرتبطة بما توفره المؤسسات والأحواض المدرسية أكثر من ارتباطها بميولات المتعلمين ومؤهلاتهم ومشاريعهم الشخصية. كما يطرح تعدد المسالك إكراهات مرتبطة بتدبير الخريطة المدرسية، وتوزيع الموارد البشرية، وتوفير التجهيزات والتأطير البيداغوجي، وضمان استدامة بعض المسارات ذات الأعداد المحدودة، بما قد يؤثر في شروط الإنصاف والنجاعة. وتزداد الحاجة إلى مراجعة هذه الهيكلة بالنظر إلى التحولات التي عرفتها منظومة التعليم العالي والتكوين المهني، وبروز حقول معرفية وتخصصات جديدة، وتسارع التحولات العلمية والتكنولوجية والمجتمعية، في مقابل استمرار تنظيم بيداغوجي لم يخضع لمراجعة شمولية تضمن ملاءمته مع هذه المستجدات. وضمن هذا السياق، تبرز أهمية بلورة تصورات جديدة، تنطلق من تشخيص الاختلالات القائمة، واقتراح هندسة بيداغوجية جديدة، تفضي الى إعادة تنظيم الجذوع والشعب والمسالك ضمن نموذج بيداغوجي منسجم ومتكامل ومرن، مع تفادي التخصص المبكر، وتوسيع الحقول المعرفية، وضمان امتدادات أكثر وضوحا نحو التعليم العالي، مع استحضار التجارب الدولية الناجحة في هذا الصدد. واللافت في نقاش من هذا القبيل، أنه طرح بصورة صريحة مسألة حدود الالتقاء والاختلاف بين ترشيد وتجميع المسالك وبين المراجعة الجذرية لهيكلة التعليم الثانوي التأهيلي. ولعل هذه التصورات ستحمل دلالة إصلاحية عميقة، لأنها تنخرط في مستويين متكاملين: مستوى أول يروم تحسين البنية القائمة عبر التقليص والدمج وإعادة التوزيع، ومستوى ثان يسعى إلى إعادة التفكير في وظائف التعليم الثانوي التأهيلي وفي طبيعة المسارات والتعلمات والكفايات التي ينبغي أن يوفرها. ثالثا: البرنامج التاسع لخارطة الطريق 2022-2026 من دينامية إنتاج التصورات إلى إشكالية القرار والتنزيل شكل إدراج ترشيد المسالك الدراسية بالبكالوريا ضمن البرنامج التاسع لخارطة الطريق 2022-2026 محطة جديدة في مسار إعادة الهيكلة البيداغوجية للتعليم الثانوي التأهيلي. فقد انتقل هذا الورش من مستوى التوجهات الإصلاحية العامة إلى مستوى البرمجة الإجرائية، بما يفترضه ذلك من تحديد الأهداف والنتائج المنتظرة، وضبط العمليات والآجال والمسؤوليات، وتوفير شروط التتبع والتقويم. وتبرز أهمية هذه المحطة في كونها جاءت في سياق إصلاحي جعل من تحسين جودة التعلمات وتنويع المسارات والحد من الهدر المدرسي وتطوير التوجيه مداخل أساسية لتجديد المدرسة العمومية. ومن ثم، لم يكن ترشيد المسالك إجراء معزولا، بل كان يفترض أن يندرج ضمن تصور أوسع لتحسين المسارات الدراسية والتكوينية، وتعزيز قدرتها على الاستجابة لحاجات المتعلمين وانتظاراتهم. وقد عرفت سنتا 2023 و2024 دينامية ملحوظة في إعداد التصورات ومناقشتها، تجلت في بلورة أرضيات تقنية ومقترحات لإعادة تنظيم الجذوع والشعب والمسالك. وتكشف هذه الدينامية أن الورش عرف تقدما على مستوى التفكير والتشخيص وإنتاج البدائل، وهو تقدم لا ينبغي التقليل من أهميته عند تقييم الحصيلة. غير أن السؤال يظل مرتبطا بمدى تحول هذه المخرجات إلى قرارات تنظيمية معتمدة وإجراءات تنفيذية ملموسة. غير أن تقييم الحصيلة يقتضي التمييز بين أربعة مستويات متكاملة: مستوى بناء التصور، الذي يتعلق بإنتاج الدراسات والتشخيصات والبدائل التقنية؛ ومستوى الإنجاز المؤسساتي، المرتبط بعرض التصورات على الجهات المختصة ودراستها والتحكيم بينها؛ ومستوى الإنجاز التنظيمي، الذي يهم اعتماد الهيكلة الجديدة وإصدار النصوص والقرارات اللازمة لإرسائها؛ ثم مستوى الإنجاز الميداني، الذي يتعلق بتفعيل الهيكلة داخل المؤسسات التعليمية، وتوفير الموارد اللازمة لها، وتقويم آثارها في المسارات والتعلمات. ويسمح هذا التمييز بتجاوز الأحكام الإجمالية التي قد تساوي بين عدم اعتماد هيكلة جديدة وغياب أي إنجاز، كما يحول دون اعتبار إنتاج التصورات والوثائق دليلا كافيا على تحقق الإصلاح. ومن زاوية أخرى، يطرح إدراج هذا الورش ضمن خارطة الطريق سؤال العلاقة بين زمن البرنامج المحدود والزمن الإصلاحي الممتد. فإعادة بناء الهندسة البيداغوجية ليست إجراء محدود الأثر يمكن إنجازه بمجرد تعديل بنية المسالك، وإنما عملية مركبة تتطلب تشخيصا دقيقا، وتحكيما بين البدائل، وتطويرا للمناهج والبرامج، وإعدادا للموارد البشرية، وتكييفا لآليات التوجيه والتقويم، وتوفيرا لشروط التنفيذ والتتبع. ولذلك، فإن تحديد أفق زمني لإنجاز إعادة الهيكلة ينبغي أن يراعي طبيعة التحولات المطلوبة ودرجة تعقيدها، دون أن يتحول ذلك إلى مبرر لتأجيل الإصلاح أو تمديد آجاله دون تعليل واضح. وهنا يبرز سؤال الحكامة المؤسساتية بوصفه أحد أهم مداخل التحليل. فإعادة الهيكلة البيداغوجية تستدعي تدخل جهات متعددة، بالنظر إلى ارتباطها بالمناهج والتوجيه والتخطيط والموارد البشرية والتقويم، فضلا عن علاقتها بالتعليم العالي والتكوين المهني. ولا يمثل تعدد المتدخلين، في حد ذاته، عائقا أمام الإصلاح، بل قد يشكل مصدر غنى للتصورات وجودة الاختيارات، شريطة وضوح الأدوار والمسؤوليات وآليات التنسيق والتحكيم. كما يطرح هذا الورش سؤال العلاقة بين الخبرة التربوية وصناعة القرار. فقد تنتج اللجان والفرق التقنية دراسات وتصورات تستند إلى تشخيصات دقيقة ومقترحات عملية، لكنها تظل في حاجة إلى مسار مؤسساتي واضح يسمح بدراستها والمفاضلة بينها واعتماد ما يلزم منها. وفي غياب هذا المسار، أو عند عدم وضوح مراحله ومخرجاته، قد تتحول المعرفة التربوية المتراكمة إلى رصيد وثائقي لا ينعكس بالضرورة على بنية النظام التعليمي. ولا يقل عن ذلك أهمية سؤال المشاركة والتوافق حول الاختيارات. فإعادة الهيكلة لا تمس فقط تنظيم المسالك، وإنما تؤثر في عمل المؤسسات التعليمية، وفي مهام الأطر التربوية، وفي اختيارات المتعلمين والأسر، وفي العلاقة بين التعليم الثانوي التأهيلي وباقي مكونات منظومة التربية والتكوين. ومن ثم، لا ينبغي أن تختزل المقاربة التشاركية في جمع الملاحظات والاقتراحات، بل يتعين أن تتطور إلى آلية لبناء توافق حول المبادئ الأساسية، ومناقشة البدائل، وتبرير الاختيارات المعتمدة، واستباق الصعوبات المحتملة أثناء التنفيذ. كما تطرح إعادة الهيكلة إكراهات بنيوية ومجالية لا يمكن إغفالها. فقد تبدو بعض البدائل منسجمة من الناحية النظرية، لكنها تتطلب شروطا يصعب توفيرها بصورة متكافئة في جميع المؤسسات والمجالات الترابية. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى دراسة الأثر المحتمل للقرارات المقترحة في توزيع العرض المدرسي، وحركية المتعلمين، وحاجات التأطير والتجهيز، وإمكانات الولوج إلى مختلف المسارات. إن الدرس الذي يمكن استخلاصه من هذا المسار هو أن إنتاج التصورات، مهما بلغت جودتها، لا يشكل في حد ذاته ضمانة لتحقيق الإصلاح. فالتحدي الحقيقي يكمن في بناء قدرة مؤسساتية على تحويل المعرفة التربوية إلى اختيارات واضحة، وترجمتها إلى قرارات نظامية، وتوفير شروط تنفيذها وتقويمها وتطويرها. وعليه، فإن مساءلة حصيلة البرنامج التاسع لخارطة الطريق ينبغي ألا تنحصر في السؤال عما إذا كانت الهيكلة الجديدة قد اعتمدت أم لا، بل يتعين أن تمتد إلى تحليل المسار الذي سلكه الورش، وتحديد ما تحقق في مختلف مراحله، وفهم طبيعة الفجوة بين البرمجة والتصور والقرار والتنزيل. رابعا: نحو هندسة بيداغوجية متجددة للتعليم الثانوي التأهيلي: من ترشيد المسالك إلى تجديد النموذج وآليات الإصلاح إن مساءلة واقع الهندسة البيداغوجية بالتعليم الثانوي التأهيلي لا تستهدف الوقوف عند حدود تشخيص الاختلالات أو تفسير صعوبات إعادة الهيكلة، وإنما تروم الإسهام في بلورة أفق إصلاحي يسمح بتجاوز المقاربة التقنوية الضيقة نحو تصور متكامل لتنظيم المسارات والتعلمات. ويقتضي هذا الانتقال، في المقام الأول، إعادة تحديد وظائف التعليم الثانوي التأهيلي ومواصفات المتخرج منه، قبل الحسم في البنية التنظيمية للجذوع والشعب والمسالك. فبدل الانطلاق من عدد المسالك التي ينبغي الإبقاء عليها أو دمجها أو حذفها، يتعين تحديد المعارف والكفايات والقيم التي ينبغي أن يمتلكها المتعلم عند نهاية هذه المرحلة، والقدرات التي تؤهله لمتابعة الدراسة والتكوين، واتخاذ قرارات واعية بشأن مساره المستقبلي. ومن شأن هذا الاختيار أن يمنح الهيكلة البيداغوجية أساسا وظيفيا واضحا، وأن يجعل من تنظيم المسالك وسيلة لتحقيق مخرجات تربوية محددة، لا غاية في حد ذاته. كما تستدعي الهندسة البيداغوجية المتجددة تجاوز التنظيم الجامد للمسارات، نحو بنية تسمح بالتدرج في التخصص، وترصيد المكتسبات، وإعادة توجيه الاختيارات عند الحاجة. ويمكن أن يشكل توسيع التكوين المشترك، وإدراج مجزوءات اختيارية، وتحديد مكونات تخصصية مميزة، وتطوير آليات الانتقال بين المسارات، مداخل لإرساء هذه المرونة. غير أن نجاح هذه الاختيارات يتوقف على وضوح شروطها البيداغوجية والتنظيمية، وعلى قدرتها على الجمع بين التكوين المشترك والتخصص الضروري. فالتأخر في التخصص لا ينبغي أن يتحول إلى إضعاف للتكوين العلمي أو التقني المتقدم، كما أن توسيع الحقول المعرفية لا ينبغي أن يفضي إلى مسارات عامة تفتقر إلى هوية تكوينية واضحة. ومن جهة أخرى، ينبغي إعادة النظر في موقع التوجيه داخل الهندسة البيداغوجية، بحيث لا يظل وظيفة لاحقة لتنظيم المسارات، تتولى توزيع المتعلمين على العرض المتاح، بل يصبح مكونا بنيويا يساهم في بناء هذا العرض نفسه. ويقتضي ذلك استحضار الميولات والمؤهلات والمشاريع الشخصية للمتعلمين عند تصميم المسالك، وضمان إمكانات فعلية لإعادة التوجيه، وتطوير آليات المواكبة الفردية والجماعية، وربط المسارات الدراسية بامتداداتها في التعليم العالي والتكوين المهني. كما ينبغي أن يشكل الإنصاف معيارا ناظما لإعادة الهيكلة. فلا يمكن الحكم على جودة الهندسة البيداغوجية من خلال درجة عقلنتها التنظيمية أو كلفتها المالية فقط، بل يتعين تقييمها أيضا في ضوء أثرها في تكافؤ الفرص، وإمكانات الاختيار، وتوزيع العرض المدرسي بين المجالات الترابية. فقد يؤدي تقليص بعض المسالك أو تجميعها إلى تحسين جودة العرض وترشيد الموارد، لكنه قد يفضي، في بعض السياقات، إلى تضييق فرص الاختيار أو زيادة الأعباء المرتبطة بالتنقل والتمدرس. ولذلك، ينبغي أن تستند قرارات إعادة الهيكلة إلى دراسات للأثر البيداغوجي والاجتماعي والمجالي، وأن تقترن بتدابير تضمن استفادة مختلف فئات المتعلمين من مسارات متنوعة وذات جودة. وعلى المستوى المؤسساتي، تبرز الضرورة إلى إرساء منهجية واضحة لصناعة القرار البيداغوجي، تحدد مسؤوليات التشخيص وإعداد التصورات والتحكيم والاعتماد والتنفيذ والتقويم، وتضمن التكامل بين مختلف المتدخلين. كما يتعين اعتماد معايير معلنة للمفاضلة بين البدائل، تشمل الانسجام البيداغوجي، وجودة التعلمات، والمرونة، والإنصاف، والنجاعة، وقابلية التنفيذ والاستدامة. ومن شأن ذلك أن يساعد على تحويل تراكم التصورات إلى قرارات واضحة، وأن يضمن استثمار نتائج الدراسات والتقارير بدل إعادة إنتاج التشخيصات نفسها في كل محطة إصلاحية. وفي هذا السياق، يمكن التفكير في اعتماد مقاربة تدريجية لإعادة الهيكلة، تقوم على إعداد سيناريوهات بديلة، ودراسة آثارها المحتملة، وتجريب بعض مكوناتها في سياقات مختلفة، وتقويم نتائجها قبل اتخاذ قرارات التعميم. ولا ينبغي أن يكون التجريب مجرد مرحلة شكلية لتأكيد اختيارات سبق الحسم فيها، بل آلية علمية لاختبار الفرضيات، وقياس الأثر، وتعديل التصورات استنادا إلى النتائج. كما يتعين أن تستند عملية التتبع والتقويم إلى مؤشرات تتجاوز عدد المسالك المحدثة أو المدمجة، لتشمل تطور نتائج التعلمات، ونسب الانتقال والنجاح، وحركية إعادة التوجيه، ومدى رضا المتعلمين عن اختياراتهم، ودرجة انسجام المسارات مع امتداداتها الدراسية والتكوينية، وأثر إعادة الهيكلة في الإنصاف المجالي والاجتماعي. ومن شأن هذه المقاربة أن تسمح بالانتقال من تصور جامد للهندسة البيداغوجية إلى هندسة قابلة للتجديد المستمر، تتفاعل مع التحولات العلمية والتكنولوجية والمجتمعية، وتستجيب للتغيرات التي تعرفها منظومة التعليم العالي والتكوين المهني. وبذلك، فإن الرهان المطروح في أفق ما بعد 2026 لا ينبغي أن ينحصر في استكمال ورش ترشيد المسالك، بل في بناء هندسة بيداغوجية متجددة، وإرساء منهجية مؤسساتية مستدامة لإعدادها واعتمادها وتنفيذها وتقويمها، بما يجعل من جودة التعلمات والإنصاف ومرونة المسارات والمشروع الشخصي للمتعلم مرتكزات أساسية للقرار الإصلاحي. خامسا: من سؤال الهيكلة إلى سؤال القدرة المؤسساتية على الإصلاح تكشف مساءلة واقع الهندسة البيداغوجية بالتعليم الثانوي التأهيلي المغربي، في ضوء المرجعيات الإصلاحية والتشريعية والتنظيمية والتصورات التقنية المتراكمة، عن مفارقة تستحق التأمل؛ فبينما شهد التفكير في إعادة الهيكلة تطورا ملحوظا على مستوى تشخيص الاختلالات وتحديد المبادئ الموجهة واقتراح البدائل، ظل سؤال الانتقال من هذا التراكم إلى هيكلة نظامية جديدة مطروحا بإلحاح مع بلوغ خارطة الطريق 2022-2026 أفقها الزمني. ولعل أهم ما تكشفه هذه التجربة هو أن إعادة الهيكلة البيداغوجية لا يمكن اختزالها في عملية تقنية لتقليص المسالك أو دمج التخصصات أو إعادة توزيع المواد والأغلفة الزمنية، مهما كانت أهمية هذه التدابير في عقلنة العرض المدرسي. فالأمر يتعلق، في العمق، باختيار تربوي ومجتمعي يستدعي إعادة التفكير في وظائف التعليم الثانوي التأهيلي، وطبيعة التعلمات والكفايات المستهدفة، وموقع المتعلم داخل المسارات الدراسية، ومدى قدرة المنظومة على التوفيق بين التنوع والمرونة والإنصاف والجودة والنجاعة. كما تبرز هذه المساءلة أن توفر المرجعيات القانونية والتنظيمية وإنتاج الدراسات والتصورات، على أهميتهما، لا يشكلان شرطا كافيا لتحقيق التحول الإصلاحي، ما لم يقترنا بوضوح الرؤية البيداغوجية، وتكامل الأدوار المؤسساتية، وفعالية آليات التحكيم واتخاذ القرار، وتوفير شروط التنفيذ والتتبع والتقويم. ومن هذا المنظور، لا ينبغي أن ينحصر تقييم ورش إعادة الهيكلة ضمن البرنامج التاسع لخارطة الطريق في قياس ما تحقق من عمليات ترشيد المسالك، بل يتعين أن يمتد إلى تحليل مسار إعداد التصورات وتداولها واعتمادها، وتحديد ما أفرزته من مكتسبات وما واجهته من صعوبات، واستثمار الدروس المستخلصة في تطوير منهجية إعداد الإصلاحات البيداغوجية وتنفيذها. إن التحدي المطروح اليوم لا يتمثل فقط في استكمال ورش إعادة الهيكلة، وإنما في الانتقال من منطق الإصلاح القائم على إنتاج التصورات المتعاقبة إلى منطق مؤسساتي يجعل من التشخيص والتخطيط والتحكيم والقرار والتنفيذ والتقويم حلقات مترابطة في سيرورة مستدامة للتجديد البيداغوجي. ولعل هذا الانتقال يقتضي، قبل كل شيء، إعادة الاعتبار للسؤال البيداغوجي في صلب القرار الإصلاحي، بحيث يصبح تنظيم المسالك والشعب والتخصصات نتيجة لتصور واضح لوظائف التعليم الثانوي التأهيلي ومخرجاته، لا مجرد استجابة لإكراهات العرض المدرسي أو متطلبات ترشيد الموارد. وعليه، فإن أفق ما بعد 2026 ينبغي أن يشكل فرصة لتجاوز حدود المعالجة الجزئية للهيكلة القائمة، نحو بناء هندسة بيداغوجية متجددة، تتأسس على التكامل بين المناهج والتوجيه والتقويم والتخطيط، وتضمن مرونة المسارات واستدامة التعلم، وتستجيب لتحولات المعرفة والمجتمع، وتضع حق المتعلم في تعليم منصف وذي جودة في صلب الاختيارات التربوية. ويبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه ورش مراجعة الهيكلة البيداغوجية: هل نحتاج فقط إلى هيكلة بيداغوجية جديدة للتعليم الثانوي التأهيلي، أم نحتاج، قبل ذلك وبموازاته، إلى تجديد منهجية التفكير في الإصلاح البيداغوجي وصناعة القرار التربوي وشروط تحويله إلى واقع مؤسساتي وميداني؟
المصدر: اليوم 24