شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

السريانية في العراق.. آلاف يقبلون على تعلمها ولغة الحياة اليومية تتراجع!

السريانية في العراق.. آلاف يقبلون على تعلمها ولغة الحياة اليومية تتراجع!

 نينوى / سيزر جارو

رغم استمرار تدريس اللغة السريانية في المدارس العراقية وافتتاح أقسام جامعية متخصصة بها، تواجه اللغة تحديات متزايدة تتعلق بتراجع حضورها في الحياة اليومية، وقدرتها على الانتقال من المناهج الدراسية إلى البيوت والمجتمعات المحلية، في ظل الهجرة والتغيرات السكانية وضعف فرص العمل المتاحة للمتخصصين فيها.

وتشير بيانات منشورة خلال عام 2025 إلى أن أكثر من 15 ألف تلميذ يدرسون اللغة السريانية في العراق، يتركز معظمهم في محافظة نينوى وإقليم كردستان، إلى جانب أعداد أخرى في بغداد وكركوك والبصرة. غير أن ارتفاع أعداد المتعلمين لا يعكس بالضرورة زيادة مماثلة في استخدام اللغة بالحياة اليومية، وهو ما يضع مستقبلها أمام تحديين متلازمين، يتمثلان في استمرار التعليم وتراجع الاستخدام الاجتماعي.
ويقول مدير عام الدراسة السريانية في وزارة التربية، نزار حنا، في حديث خص به «المدى»، إن «اللغة السريانية بسبب الظروف السياسية والاقتصادية أصبحت تتقلص وصارت لغة مناطقية»، مشيرا إلى أن مرحلة ما بعد عام 1991 شهدت تأسيس مديرية التعليم السرياني وافتتاح مدارس تعتمد اللغة السريانية، إلى جانب تنظيم دورات لتعليمها في عدد من مناطق إقليم كردستان.
وتعكس هذه التحولات تغيرا في النطاق الجغرافي لاستخدام اللغة، إذ ما تزال السريانية حاضرة في المدارس والمؤسسات والمجتمعات المحلية، لكنها باتت ترتبط بصورة أكبر بمناطق محددة، مثل سهل نينوى ودهوك وبعض القرى في أربيل، بالتزامن مع اتساع استخدام اللغتين العربية والكردية في المدن والبيئات المختلطة.
وفي كانون الثاني 2026، خصصت مديرية تربية نينوى حصة أسبوعية للغة السريانية في الصف السادس الإعدادي، إلى جانب حصة للتربية الدينية المسيحية، وشمل القرار أقسام التربية في الحمدانية وبعشيقة وتلكيف والممثليات المؤقتة في أربيل ودهوك. ويعكس القرار استمرار الاعتراف الرسمي بتدريس اللغة، فيما يثير تساؤلات بشأن حجم حضورها الفعلي في المناهج الدراسية ومدى كفاية الحصص المخصصة لها.
وفي البيئة التعليمية، ترتبط التحديات التي تواجه السريانية بطريقة تدريسها وعدد ساعاتها الدراسية وكفاءة الكوادر المكلفة بتعليمها، إلى جانب مدى استكمال مناهجها في مختلف المراحل الدراسية. ويقول الناشط أبلحد حنا ساكا، عضو مجلس بيث نهرين القومي، إن المشكلة تشمل «عدم الاهتمام الجدي في عملية تأهيل وإعداد مدرسين للغة السريانية»، مشيرا إلى تكليف مدرسين من اختصاصات علمية وأدبية أخرى بتدريسها. وينتقد اقتصار بعض المراحل الدراسية على مناهج محدودة، وعدم استكمال التسلسل التعليمي للغة في جميع الصفوف. وتضع هذه الملاحظات وزارة التربية أمام تحديات تتعلق بتطوير المناهج وزيادة الحصص وإعداد مدرسين متخصصين، إذ يتأثر الحضور الفعلي للغة داخل المدارس بموقع المادة في الجدول الدراسي، فضلا عن رغبة الطلبة وأسرهم في استخدامها خارج الصفوف. وعلى المستوى الأكاديمي، يعود تأسيس قسم اللغة السريانية في كلية اللغات بجامعة بغداد إلى عام 2004، فيما استحدثت جامعة الموصل قسما للغة السريانية في كلية التربية للعلوم الإنسانية عام 2025، في خطوة أعادت هذا التخصص إلى جامعة تقع وسط منطقة ارتبطت تاريخيا باللغة السريانية.
وتوضح جامعة الموصل أن القسم يدرّس اللغة بلهجتيها الشرقية والغربية، ويمنح شهادة البكالوريوس، ويهدف إلى إعداد كوادر متخصصة في التعليم والبحث العلمي، إلى جانب دراسة النصوص والنقوش والمخطوطات وترجمتها.
وفي تشرين الثاني 2025، نظمت الجامعة ندوة تعريفية بمناسبة افتتاح القسم واستقبال طلبة المرحلة الأولى، بعدما استقبل نحو 30 طالبا وطالبة من مناطق مختلفة في محافظة نينوى، بينهم طلبة من القوش وتلكيبا وبغديدى وبرطلة وبعشيقة والشيخان ومدينة الموصل.
ويرى بنيامين شليمون، وهو طالب في القسم، خلال حديثه لـ«المدى»، أن دراسة السريانية في الجامعة تختلف عن تعلمها بوصفها مادة مدرسية، لأنها تتيح للطالب التعمق في اللغة، بدءا من القراءة والقواعد، وصولا إلى تاريخها ونصوصها ومخطوطاتها.
ويشير شليمون إلى أن مستقبل هذا الاختصاص سيبقى مرتبطا بتوافر فرص العمل بعد التخرج، خصوصا في المدارس والمؤسسات الثقافية، وهو ما يعكس اهتمام الطلبة بالمسارات المهنية التي يمكن أن يوفرها التخصص بعد أربع سنوات من الدراسة، إلى جانب دوره في الحفاظ على اللغة.
ومن جانبه، يقول الأستاذ في قسم اللغة السريانية بجامعة الموصل، عماد أسمرو، في حديث لـ«المدى»، إن التحدي الأكاديمي يتجاوز تخريج مدرسين إلى بناء جيل قادر على التعامل مع اللغة بوصفها مجالا للبحث العلمي والترجمة وتحقيق المخطوطات ودراسة التراث.
ويشير أسمرو إلى أن وجود القسم في الموصل يمنحه ميزة خاصة، نظرا لقربه من المناطق التي ارتبطت وما تزال بالتقاليد السريانية، لكنه يؤكد أن نجاح التجربة يتطلب تطوير المناهج، وتوفير مصادر علمية حديثة، وتشجيع الطلبة على البحث والكتابة باللغة، وعدم حصر دراستها في الجوانب النظرية. وبحسب جامعة الموصل، يسعى القسم إلى تنمية مهارات الطلبة في القراءة والمحادثة والتواصل الكتابي والشفهي، فضلا عن رفد المؤسسات التربوية والثقافية بكوادر متخصصة، بما يوسع مجالات التعامل مع اللغة داخل المؤسسات التعليمية وخارجها.
غير أن التحدي الأبرز يبقى مرتبطا بقدرة السريانية على الانتقال من الصفوف الدراسية إلى الحياة اليومية، إذ يمكن للطالب تعلم القراءة والكتابة والقواعد في المدرسة، فيما يتطلب استمرار استخدامها وجود أسر تتحدث بها، وبيئات اجتماعية تتيح تداولها، ومؤسسات إعلامية وثقافية تنتج محتوى باللغة نفسها.
وتقول اثا ايشو، وهي طالبة تدرس السريانية في إحدى مدارس سهل نينوى، لـ«المدى»، إن تعلم اللغة داخل المدرسة لا يعني بالضرورة استخدامها بصورة مستمرة في المنزل، مشيرة إلى أن الحديث اليومي بين الطلبة يجري غالبا بالعربية، بينما تحضر السريانية بصورة أكبر في الدروس والمناسبات الدينية والثقافية.
وتكشف هذه الفجوة بين التعليم والاستخدام اليومي عن إحدى أبرز المشكلات التي تواجه السريانية، فوجود آلاف الطلبة الذين يتعلمونها يعكس استمرار حضورها في النظام التعليمي، بينما تبقى قدرتهم على ممارستها خارج المؤسسات التعليمية عاملا مؤثرا في مستقبلها كلغة حية.
كما تركت الهجرة والنزوح خلال العقود الماضية آثارا مباشرة على المجتمعات التي كانت تحتضن اللغة، إذ غادر عدد كبير من المسيحيين العراق منذ عام 2003، قبل أن تتعرض مناطق واسعة من سهل نينوى للنزوح عقب سيطرة تنظيم داعش عام 2014.
وأسهمت هذه التحولات في تفكك أجزاء من المجتمعات المحلية التي شكلت حاضنة طبيعية للسريانية، ما جعل إعادة بناء البيئة الاجتماعية اللازمة لتداول اللغة أكثر تعقيدا من إعادة افتتاح مدرسة أو تأسيس قسم جامعي. فاستمرار استخدامها يتطلب وجود محيط يسمع فيه الأطفال السريانية داخل المنزل والشارع ومختلف تفاصيل حياتهم اليومية.
ويرى ناشطون في مجال اللغة أن الهجرة أدت إلى فقدان المجتمعات المحلية جزءا من المتحدثين بالسريانية، وانتقال آخرين إلى بيئات لغوية جديدة، ما يضيف تحديا يتعلق بالحفاظ عليها لدى الأجيال التي تنشأ في بلدان المهجر.
وتتداخل قضية الحفاظ على اللغة مع مستقبل العمل لخريجي أقسامها الجامعية، إذ يتطلب استمرار تدريس السريانية وجود فرص فعلية للمتخصصين فيها بمجالات التعليم والترجمة والبحث العلمي ودراسة المخطوطات والإعلام والمؤسسات الثقافية.
وفي حزيران 2026، بحث وفد من المديرية العامة للدراسة السريانية مع البطريرك بولس الثالث نونا واقع تعليم اللغة، فيما أكد البطريرك دعمه للمديرية ولكل ما يخدم أبناء المكون ويعزز وجودهم في العراق، ولا سيما في مجالي فرص العمل والتعيينات.
ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة بالنسبة إلى طلبة الأقسام الجامعية، الذين يرتبط اختيارهم دراسة السريانية بالتوقعات المتعلقة بمستقبل شهاداتهم وفرصهم المهنية. كما أن محدودية مجالات التوظيف قد تزيد صعوبة استمرار هذه الأقسام واستقطاب طلبة جدد، رغم الحاجة إلى مدرسين ومترجمين وباحثين متخصصين.
وعلى المستوى القانوني، يحظى حق العراقيين في تعليم أبنائهم بلغاتهم الأم باعتراف دستوري وقانوني، كما أقر العراق قانون اللغات الرسمية رقم 7 لسنة 2014، في إطار الاعتراف بالتنوع اللغوي في البلاد.
ومع ذلك، يتطلب الحفاظ على السريانية توفير مدارس مستقرة ومناهج حديثة وكوادر تدريسية مؤهلة وأقسام جامعية قادرة على الاستمرار، إلى جانب فرص العمل والإنتاج الثقافي والإعلامي الذي يتيح استخدامها خارج المؤسسات التعليمية.
وتتقاطع آراء المسؤولين والأساتذة والطلبة والناشطين عند أهمية توسيع المساحة المتاحة لاستخدام السريانية في المجتمع، في ظل استمرار تدريسها وتراجع حضورها في بعض تفاصيل الحياة اليومية.

The post السريانية في العراق.. آلاف يقبلون على تعلمها ولغة الحياة اليومية تتراجع! appeared first on جريدة المدى.

المصدر: المدى