العمل الحر في العراق.. ملاذ للشباب من البطالة بلا ضمانات أو دخل مستقر
صعوبات التمويل والمدفوعات الإلكترونية وغياب الحماية الاجتماعية تعرقل تحول المشاريع الصغيرة نشر في: 13 أكتوبر, 2026: 12:09 ص بغداد / تبارك عبد المجيد مع تقلص فرص الحصول على الوظائف الحكومية، وصعوبة استيعاب القطاع الخاص للأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل، يجد كثير من الشباب العراقيين في العمل الحر والمشاريع الرقمية وسيلة لتأمين دخلهم. غير أن هذا المسار، الذي بدأ لدى بعضهم كحل مؤقت للبطالة، تحول إلى مصدر رزق أساسي، وسط غياب الحماية الاجتماعية واستقرار الدخل والخدمات المالية الملائمة لطبيعة هذه الأعمال. وفي ظل تذبذب المشاريع وصعوبة التخطيط المالي، يواجه العاملون لحسابهم الخاص تحديات في سوق عمل غير منظم، إذ يمكن أن يتحول المرض أو توقف أحد المشاريع أو تأخر دفعة مالية إلى سبب مباشر لاضطراب معيشتهم، في وقت لا تزال فيه التشريعات والخدمات المصرفية والضمانات الاجتماعية غير متكيفة بصورة كاملة مع واقع العمل الحر والرقمي في العراق.لم يكن العمل الحر بالنسبة إلى محمد عمار خيارا مخططا له، إذ دفعته صعوبة الحصول على وظيفة حكومية إلى البحث عن بدائل. فبعد تخرجه، تنقل بين طلبات التوظيف والمقابلات دون أن يحصل على فرصة عمل ثابتة، حتى وجد نفسه أمام شاشة حاسوبه، مستثمرا مهاراته في التصميم الكرافيكي والتسويق الإعلامي بحثا عن مصدر للدخل.كانت البداية، كما يصفها، «حلا مؤقتا»، لكن هذا الحل امتد ليصبح مصدر رزقه الأساسي. ويبدأ محمد يومه بتفقد بريده الإلكتروني ومنصات العمل، مترقبا رسالة من أحد العملاء أو فرصة للحصول على مشروع جديد، دون أن يمتلك جدول عمل ثابتا أو دخلا شهريا يمكن الاعتماد عليه.ويقول محمد لـ«المدى»: «أكو شهر يكون الدخل جيد وأتمكن من ترتيب وضعي، وأكو شهر أحتار شلون أغطي مصاريف»، موضحا أن هذا التذبذب يجعل التخطيط للمستقبل أو الادخار أمرا صعبا، إذ يمكن لأي تراجع في عدد المشاريع أن ينعكس مباشرة على قدرته على تغطية نفقاته. ولا تقتصر هشاشة العمل الحر على تذبذب الدخل، إذ يواجه العاملون فيه تحديات أخرى، أبرزها غياب التأمين الصحي والحماية الاجتماعية، ما يجعل أي ظرف صحي أو مشكلة تقنية تؤثر في قدرتهم على العمل سببا محتملا لأزمة معيشية.وفي هذا السياق، يقول الناشط علي القيسي إن «العمل الحر أصبح بالنسبة إلى شريحة من الشباب والشابات بديلا عن الوظيفة التقليدية، خاصة مع محدودية فرص التوظيف في القطاعين العام والخاص»، مبينا أنه «في الوقت ذاته لا يوفر دائما دخلا مستقرا، إذ ترتبط الإيرادات بعدد المشاريع والزبائن وطبيعة العمل، ما يجعلها متذبذبة في كثير من الأحيان».ويضيف القيسي، في حديث لـ«المدى»، أن «أبرز التحديات التي تواجه العاملين في الأعمال الحرة تتمثل في صعوبة الوصول إلى الخدمات المصرفية والمالية التي تتناسب مع طبيعة عملهم، واستمرار الاعتماد على التعاملات النقدية، فضلا عن مشكلات استلام المدفوعات من الخارج، خصوصا للعاملين من المنزل وأصحاب المشاريع الصغيرة».ويشير إلى أن ضعف اندماج هذه الأنشطة في المنظومة الاقتصادية الرسمية، إلى جانب محدودية فرص الحصول على التمويل، يجعل كثيرا من العاملين في الأعمال الحرة خارج أنظمة الحماية والتنظيم، موضحا أن «غياب الضمان الاجتماعي وضعف تطبيق قوانين العمل وصعوبات الوصول إلى السوق الرقمية والدفع الإلكتروني، إضافة إلى محدودية البنية التحتية للإنترنت والكهرباء، كلها عوامل تزيد من هشاشة العمل غير الرسمي».ويرى القيسي أن «معالجة هذه المشكلة تتطلب توفير حوافز تشجع العاملين على التسجيل والانخراط في الاقتصاد الرسمي، بدلا من فرض المزيد من الرسوم والإجراءات بصورة مفاجئة، مع تبسيط الإجراءات وتوفير خدمات مصرفية وتمويلية تتناسب مع طبيعة المشاريع الصغيرة والعمل الحر».ويتابع أن «تطوير العمل الحر في العراق يحتاج إلى بيئة قانونية ومصرفية أكثر مرونة، تبدأ بتبسيط إجراءات التسجيل والترخيص، وتوفير خدمات مصرفية وتمويلية تتناسب مع طبيعة المشاريع الصغيرة، إلى جانب توسيع استخدام الدفع الإلكتروني».ويؤكد أن «توفير هذه البيئة يمكن أن يساعد على انتقال العمل الحر من استجابة فردية لمشكلة البطالة إلى نشاط اقتصادي أكثر استقرارا، قادر على توليد الدخل وخلق فرص عمل جديدة، شرط أن يترافق ذلك مع حماية اجتماعية وتشريعات تتلاءم مع طبيعة العمل الرقمي والعمل من المنزل».من جانبه، يقول الباحث الاقتصادي أحمد عيد إن «الأعمال الحرة والمشاريع الصغيرة، بما فيها المشاريع الرقمية، أصبحت جزءا متناميا من النشاط الاقتصادي في العراق، لكنها لم تتحول حتى الآن إلى قطاع مستقل ومتكامل قادر على توفير فرص عمل واسعة ومستدامة».ويضيف عيد لـ«المدى» أن «توسع هذا النوع من الأعمال يرتبط إلى حد كبير بمحدودية الوظائف الحكومية وضعف قدرة القطاعين العام والخاص المنظم على استيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل، ما يدفع نسبة كبيرة منهم إلى العمل ضمن الاقتصاد غير الرسمي أو خارج المنظومة الاقتصادية المنظمة».ويوضح أن أصحاب المشاريع الصغيرة يواجهون مشكلات أساسية في الوصول إلى التمويل، نتيجة ضعف انفتاح المصارف على الأنشطة الصغيرة، وارتفاع متطلبات الضمانات، ومحدودية الائتمان المتاح لأصحابها، فضلا عن استمرار التعامل النقدي وضعف اندماج كثير من الأنشطة المنزلية والرقمية في النظامين المصرفي والضريبي. ويشير عيد إلى أن معالجة هذه المشكلة ينبغي ألا تقوم على إخضاع هذه الأنشطة بصورة مفاجئة لمزيد من الرسوم والإجراءات، لأن ذلك قد يدفع أصحابها إلى البقاء خارج الاقتصاد الرسمي، مبينا أن الأولوية تتمثل في توفير حوافز تشجع على التسجيل وفتح الحسابات المصرفية، إلى جانب تبسيط الإجراءات وإتاحة التمويل الصغير بشروط مناسبة.ويتابع أن توسيع استخدام المدفوعات الإلكترونية، وربط التمويل بحجم النشاط وقدرته على النمو، يمكن أن يساعدا في إدماج المشاريع الصغيرة والعمل الحر ضمن الاقتصاد الرسمي، مشيرا إلى أن التشريعات الحالية ما تزال بحاجة إلى تطوير بما يتناسب مع طبيعة الاقتصاد الرقمي والعمل من المنزل والعمل الحر. ويؤكد عيد أهمية تبسيط إجراءات التسجيل والترخيص والضرائب، ووضع إطار قانوني يحمي العاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، ويمنحهم فرصا أكبر للوصول إلى التمويل والأسواق، مبينا أن توفير هذه البيئة يمكن أن يحول العمل الحر من حل فردي لمشكلة البطالة إلى قطاع منتج يسهم في توليد الدخل وخلق فرص عمل جديدة ودعم الاقتصاد العراقي. تواصل معنا عبر
المصدر: المدى