شفق نيوز..وزارة الذكاء الاصطناعي بالعراق.. فكرة بلا قرار وجاهزية غائبة
يؤكد متخصصون أهمية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لتطوير مؤسسات الدولة العراقية، لكنهم يشددون على ضرورة تهيئة البنية التحتية والكوادر والبيانات قبل التوسع المؤسسي، في وقت يقول فيه نائب في البرلمان إن مجلس النواب لم يتلق حتى الآن أي مقترح رسمي بشأن استحداث وزارة متخصصة، وسط جدل بشأن كلفة الوزارات الجديدة وأولويات الإنفاق الحكومي. ويأتي النقاش بعد تداول مقترحات سياسية لاستحداث وزارات جديدة وفصل وزارة الثقافة والسياحة إلى وزارتين، في ظل ضغوط مالية ودعوات إلى ترشيد النفقات وإعادة هيكلة الجهاز الحكومي، فيما لم يتضح بعد ما إذا كانت فكرة وزارة الذكاء الاصطناعي ستتحول إلى مشروع حكومي رسمي. وفي هذا السياق، يقول عضو لجنة الكهرباء والطاقة النيابية ورئيس كتلة النهج الوطني النيابية، حسن وريوش الأسدي، إن موضوع استحداث وزارة للذكاء الاصطناعي لم يُطرح بشكل رسمي داخل مجلس النواب. ويضيف الأسدي لوكالة شفق نيوز، إن إنشاء وزارة بهذا التخصص يتطلب هيكلية إدارية ونظام عمل واضحين، معتبراً أن الظروف الاقتصادية الحالية ومبدأ التقشف لا يشجعان على استحداث وزارات أو فصل وزارات قائمة. ويشير إلى إمكانية إدارة ملف الذكاء الاصطناعي ضمن وزارتي الاتصالات أو التعليم العالي والبحث العلمي، بالنظر إلى ارتباطه بالتقنيات الرقمية والبحث العلمي، لافتاً إلى أن أزمة الكهرباء في العراق تمثل تحدياً إضافياً أمام تطوير هذا القطاع وتشغيل الأنظمة الحاسوبية. وفي السياق ذاته، يؤكد مصدر طلب عدم الكشف عن هويته لعدم تخويله بالتصريح، أن الفكرة طُرحت من بعض الشخصيات السياسية بهدف مواكبة التطورات العالمية، لكنها لا تمثل في الوقت الحاضر مشروعاً حكومياً معتمداً، ولا توجد نية حالية لتسمية وزير أو استحداث الوزارة ضمن الحكومة الحالية. ويضيف المصدر لوكالة شفق نيوز، إن الفكرة قد تعود إلى النقاش في حكومات مقبلة، إذا اتجهت الدولة إلى توسيع الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي. وحاولت وكالة شفق نيوز الحصول على تعليق من الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية، حيدر العبودي، بشأن المقترح، لكنها لم تتلقَّ رداً حتى ساعة إعداد التقرير. من جهته، يرى الأكاديمي المتخصص في الإعلام والاتصال، حيدر شلال متعب، أن إنشاء مؤسسة وطنية للذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد العراق على مواكبة التحولات التكنولوجية العالمية، لكنه يتطلب تقييماً واقعياً لقدرات البلاد في مجالات البنية التحتية والاتصالات والتعليم وتكامل البيانات. ويقول متعب لوكالة شفق نيوز، إن نجاح هذا التوجه يستلزم رؤية تدريجية تحدد الأولويات وفق الإمكانات المتاحة، وتستفيد من الجامعات ومراكز البحث العلمي، إلى جانب تطوير المهارات الرقمية وتأهيل الكوادر المتخصصة. ويضيف أن الذكاء الاصطناعي يتيح فرصاً لتطوير الإعلام والتعليم والخدمات الحكومية، لكنه يطرح تحديات تتعلق بدقة المعلومات والتضليل الرقمي وحماية البيانات. ويشدد على أن نجاح المشروع لا يتحقق بمجرد إنشاء وزارة أو مؤسسة جديدة، بل بقدرتها على تحويل الخطط إلى تطبيقات عملية، تستند إلى بنية تحتية مناسبة وتمويل مستدام وكفاءات وطنية ومؤشرات واضحة لقياس النتائج. بدوره، يقول الباحث والأكاديمي، سيف الكرعاوي، إن التجارب الدولية لا تقدم نموذجاً موحداً لإدارة الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن بعض الدول دمجته مع ملفات التحول الرقمي والحكومة الإلكترونية والاتصالات، فيما اعتمدت دول أخرى أطر عمل وطنية مشتركة بين مؤسسات متعددة. ويوضح الكرعاوي لوكالة شفق نيوز، أن كازاخستان أنشأت وزارة الذكاء الاصطناعي والتنمية الرقمية، وهي مؤسسة تتولى ملفات تشمل الحكومة الإلكترونية والبيانات والاتصالات والأمن المعلوماتي، فيما تتولى الإمارات الملف من خلال وزير دولة للذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بُعد، وليس وزارة مستقلة مخصصة للذكاء الاصطناعي وحده. وفي الولايات المتحدة، أعلنت الإدارة الأميركية في 22 تموز/ يوليو 2026 التزامات اتحادية تتجاوز خمسة مليارات دولار لدعم مبادرة "Genesis"، المخصصة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، بمشاركة أكثر من 15 وكالة اتحادية، وفقاً للكرعاوي. ويلفت الانتباه إلى أن هذا المبلغ لا يمثل إجمالي الاستثمارات الأميركية في الذكاء الاصطناعي، بل تمويل المبادرة وتوسيع نطاقها، وفق الإعلان الرسمي. وفي المنطقة، تستهدف الاستراتيجية الوطنية السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي جذب استثمارات تقارب 75 مليار ريال، وتأهيل أكثر من 20 ألف متخصص وخبير، ودعم إنشاء أكثر من 300 شركة ناشئة في المجال، بحسب الباحث. ويرى أن هذه التجارب تبرز أهمية بناء منظومة متكاملة للبيانات والبحث والتطوير والتحول الرقمي، بدلاً من التركيز على إنشاء وزارة تحمل اسم التكنولوجيا وحدها. وفيما يتعلق بواقع العراق، يشير الكرعاوي إلى أن المركز الوطني العراقي للذكاء الاصطناعي يذكر في بياناته المنشورة بشأن قياس جاهزية المؤسسات الحكومية، أن 19 مؤسسة فقط من أصل 64 مؤسسة شملها التقييم تمتلك خططاً واضحة لرفع جاهزيتها في هذا المجال. وتُظهر بيانات المركز، وفقاً لما ينقل الكرعاوي، أن النسخة المحدثة من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي أُعدّت تمهيداً لإرسالها إلى الوزارات والهيئات، بعد إعداد نسخة أولية وتحديثها وفق متطلبات وزارة التخطيط. ويطرح ذلك، بحسب الكرعاوي، تساؤلات بشأن الأولويات التي ينبغي أن تسبق استحداث وزارة مستقلة، وفي مقدمتها تطوير مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية، ورقمنة المؤسسات الحكومية، وتأهيل الكفاءات ودعم البحث العلمي. ويقول إن النقاش ينبغي أن يتجاوز تسمية المؤسسة إلى تحديد موازنتها وأوجه الإنفاق فيها، وما إذا كانت الموارد ستُوجَّه إلى بناء القدرات التقنية والبحثية أم إلى إنشاء هيكل إداري جديد يضم مناصب ومديريات ومخصصات تشغيلية. ويخلص إلى أن استكمال التحول الرقمي وتكامل قواعد بيانات الدولة يمكن أن يشكلا أساساً لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي، معتبراً أن السؤال الأهم هو مدى جاهزية المؤسسات العراقية للاستفادة من هذه التقنيات قبل إنشاء جهاز إداري مستقل لإدارتها. جدير بالذكر أن العراق يحتل المرتبة الـ12 عربياً والـ107 عالمياً في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي من بين 188 دولة في العام 2024، وفق تقرير أعدته مؤسسة "أوكسفورد إنسايتس" في آذار/ مارس 2025. وأوضح التقرير أن العراق حصل على 40.91 نقطة من أصل 100 نقطة، مبيناً أن مؤشر الحكومة حصل على 32 نقطة ومؤشر التكنولوجيا على 35.87 نقطة، ومؤشر البيانات والبنية التحتية على 54.25 نقطة.
المصدر: شفق نيوز