شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

باليت المدى: لون الرخام الأبيض

باليت المدى: لون الرخام الأبيض

 ستار كاووش

يتمتع ملايين الناس بمواهب مختلفة في أماكن عديدة ومتباعدة من هذا العالم. لكن عدداً محدوداً من هؤلاء يتمتع بمواهب إستثنائية لا تحدها حدود، مواهب تنبتُ في حديقة هذه المعمورة مثل زهور برية، لتترك شذىً فريداً لا تخطؤه العين. هذه المواهب العظيمة لا يمكن شراؤها ولا الحصول عليها كهدية أو هبة، بل هي موجودة بشكل طبيعي وأصيل عند بعض الأشخاص. هكذا ربما نجوبَ المتاحف وقاعات العروض وحتى الساحات المليئة بالأعمال الفنية، ولا يلفت انتباهنا شيء استثنائي وخارج المألوف، حتى تأتي اللحظة التي ينبثق فيها أمامنا عمل فني كأنه شهاب ينير المكان ويستقر في قلوبنا وعقولنا الى الأبد.
هذا ما خطر بذهني وأنا أقف في حضرة جمال فاق التصور، جمال يمتلك الحضور والقوة والتأثير. إنها أعمال الفنان الهولندي أرتوس كويلينوس، الذي يعتبر أعظم نحات هولندي على مرِّ التاريخ، والذي يصفه مؤرخو الفن بريمبرات النحت، حيث منحَ الفن الهولندي مستويات غير مسبوقة ولم يقترب من جمالها أحد. فمن هو هذا الفنان الذي يقام له الآن معرضاً مهماً في القصر الملكي بمدينة أمستردام؟ وما الذي جعل أعماله تحتل هذه المكانة وتترك هذا التأثير؟
نظرة واحدة يمكن أن يلقها الانسان على تمثال القديس بطرس تقول ما فيه الكفاية عن نوع الفن الذي أمامنا، حيث يقف بطرس متكئاً على صليب مقلوب، ينظر ساهماً الى البعيد، وعيناه الغائرتان تطرحان الكثير من الأسئلة. وبهيئته الرثة وشعره الأشعث وتعابير وجهه المترقبة، نعرف ما يريده الفنان هنا، انها لحظة المصير القادمة والحتمية التي كانت تقلقه.
تقنية النحت في هذا التمثال تضع بين أيدينا نوعية هذه الموهبة العالية، حيث نكاد نتحسس طيات الملابس، أو توشك هي أن تتحرك من ذاتها أثر نفحة هواء جانبية. كيف تحولت قطعة الحجر الى كل هذا الترف والرقة وهي تنسدل كثوب يعود بنا الى أيام بعيدة؟
أتأمل الوجه المُتعب للتمثال، والذي يكاد أن يخترق الصمت ويُرينا الخط الفاصل بين الإيمان وعدمه، فيما تفصح اليدان المتشابكتان عن قلق رهيب يمزج بين الخوف وطلب الغفران. أمرر عيني على بقية تفاصيل التمثال فأرى نوعاً من التراجيديا التي تنبعث منه مثل قوة خفية. تُرى كيف تحول الحجر الأصم الى كل هذه الحياة؟ وكيف كتب الأزميل تفاصيل هذه الحكاية كأنه قلم مفوَّه؟ كيف صار اللون الأبيض للرخام تدرجات وتناغمات وتضادات لا تتوقف، بل وتحَّولَ الى تعبيرات تنقل لنا الأحداث بكل هذا الجمال وهذه القوة. كيف فعل النحات هذا التأثير الذي لا يمكن ان تنساه الذاكرة أبداً. هذا هو الابداع الذي تجاوز المألوف.
لكن لم يكتفِ المعرض بالأعمال العديدة المذهلة التي إستضافها القصر الملكي، بل أن جوهرة المعرض الحقيقية هي عمله الأعظم (قاعة المحكمة) الموجود أصلاً في القصر الملكي ذاته، وهذا العمل يمثل محكمة أمستردام في القرن السابع عشر، والتي تحتوي على أربعة أرائك واحدة للقاضي والثانية للشهود والثالثة للمدعي والثالثة للمدعى عليه. هنا كانت تقام محاكمات هولندا قبل بضعة مئات من السنين، وفي هذه القاعة كانت تنقطع الأنفاس ويشتد التوتر قبل إعلان النتيجة. على الجدار الخلفي للقاعة هناك ثلاثة تماثيل رخامية تمثل شعار المحكمة، حيث ينتصب تمثال الحكمة يساراً وتمثال العدالة يميناً ويتوسطهما تمثال الرحمة.
وهناك تمثالان ايضاً، احدهما بهيئة امرأة تشبك يديها خلف ظهرها، وهو يشير الى الذنب، فيما تبدو المرأة في التمثال الثاني تغطي وجهها بأصابعها، وهو يمثل التوبة. في أعمال المحكمة هذه، وصل كويلينوس الى قمة مستواه، حتى قارنَ مؤرخو الفن هذا العمل بلوحة الحراسة الليلية لريمبرات، كذلك تمت مقارنته بمنحوتات مايكل أنجلو، وهو قد سافر بالفعل في بداياته الى روما ودرس أعمال مايكل أنجلو، ثم تأثر أيضاً بالفنان برنيني وإستقى منه هذه الرشاقة والديناميكية والحيوية. كذلك لا يُخفى تأثره بأعمال روبنز الذي إهتم به كثيراً في بداياته وهو الذي ساعدة في الذهاب الى روما، ليعود بعدها الى الأراضي المنخفضة وهو يحمل تقنيات وطموحات وأفكار عظيمة حوَّلها الى أعمال ظلت حتى هذه اللحظة محط إعجاب الجميع.

The post باليت المدى: لون الرخام الأبيض appeared first on جريدة المدى.

المصدر: المدى