ألف امرأة معيلة في العراق..إعانة لا تكفي وطريق شاق نحو الاستقلال!
بغداد/ فاطمة موسوي
تواجه آلاف النساء في العراق مسؤولية إعالة أسرهن في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية معقدة، تجعل تأمين الاحتياجات الأساسية تحدياً يومياً، خصوصاً للنساء اللواتي فقدن أزواجهن أو انفصلن عنهم، أو يواجهن المرض والإعاقة وكبر السن.
وبين محدودية فرص العمل وصعوبة دخول القطاع الخاص، تبقى الإعانات الاجتماعية مصدراً أساسياً للدخل لدى شريحة واسعة منهن، من دون أن تضمن لهن بالضرورة الاستقلال الاقتصادي أو الخروج من دائرة الفقر.
وتكشف بيانات دائرة الحماية الاجتماعية للمرأة عن حجم هذه المسؤولية، إذ قالت مدير عام الدائرة في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، عطور الموسوي، خلال حديثها لـ(المدى)، إن عدد النساء المعيلات لأسرهن يبلغ نحو 565 ألف امرأة، وهو رقم يعكس اتساع الشريحة التي تحتاج إلى برامج حماية اجتماعية وفرص اقتصادية مستدامة، تتجاوز تقديم المساعدة المالية إلى توفير سبل كسب العيش.
مسؤولية إعالة الأسرة
وتتجسد هذه التحديات في حياة النساء اللواتي يتحملن مسؤولية توفير احتياجات أسرهن، من الغذاء والسكن إلى التعليم والعلاج، في وقت لا تتناسب فيه الموارد المتاحة دائماً مع حجم الالتزامات. وتزداد الصعوبات عندما تكون المرأة مسؤولة وحدها عن أطفالها، أو تضطر إلى الاعتماد على أقاربها لتأمين السكن والمعيشة. وفي هذا السياق، يمكن أن تقدم تجربة سوسن علي صورة عن تفاصيل هذه المسؤولية، وما تفرضه من ضغوط يومية على النساء المعيلات، خصوصاً عندما تكون فرص العمل محدودة ومصادر الدخل غير مستقرة.
وتقول سوسن، خلال حديثها لـ(المدى)، إن "مسؤولية إعالة الأسرة لا تتوقف عند توفير الطعام والاحتياجات اليومية، إنما تشمل تأمين متطلبات الأطفال ومتابعة تعليمهم وتدبير النفقات الطارئة، في وقت لا تتناسب فيه الموارد المتاحة مع حجم الالتزامات".
وتضيف أن "الحصول على فرصة عمل مناسبة يمكن أن يخفف جانباً من الأعباء، لكن الوصول إليها ليس سهلاً، في ظل مسؤوليات رعاية الأطفال وتكاليف المواصلات والحاجة إلى رأس مال بسيط لبدء مشروع يوفر دخلاً مستمراً".
ولا تقتصر هذه التحديات على تأمين المال، إذ تضطر نساء كثيرات إلى الموازنة بين مسؤوليات المنزل ومتطلبات العمل، فيما قد تحول الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية دون انتقالهن إلى وظائف تتطلب ساعات طويلة خارج المنزل. كما أن بعض النساء المطلقات أو الأرامل يعشن مع أسرهن لعدم قدرتهن على تحمل تكاليف السكن المستقل.
معاملات تنتظر التخصيصات
وتقول الموسوي إن النساء المشمولات بالرعاية الاجتماعية ينتمين إلى فئات متعددة، بينها المريضات وكبيرات السن وذوات الإعاقة وزوجات السجناء والمتوفين، ولكل فئة ضوابطها القانونية.
وتشير إلى أن قلة التخصيصات المالية تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه برامج الحماية، في ظل وجود أكثر من 160 ألف معاملة مكتملة الإجراءات تنتظر التخصيص المالي، وقد مضى على بعضها نحو ثلاث أو أربع سنوات، فيما صدرت آخر دفعة من التخصيصات خلال عام 2024. وتطالب الموسوي بمنح النساء المشمولات بالرعاية أولوية في التمويل، نظراً إلى الصعوبات التي تواجههن في الحصول على فرص عمل مقارنة بالرجال، موضحة أن الظروف الاجتماعية وطبيعة المجتمع تحدان من الخيارات المتاحة أمام المرأة للعمل في الشوارع أو ممارسة بعض المهن البسيطة.
وتثير هذه الأرقام تساؤلات بشأن قدرة برامج الحماية الاجتماعية على الاستجابة للاحتياجات الفعلية للأسر الفقيرة، خصوصاً عندما تصبح الإعانة المصدر الأساسي للدخل، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الحصول على عمل مستقر.
التدريب لا يكفي لتحقيق الاستقلال
ولا تقف التحديات عند حدود الإعانة المالية، إذ تواجه النساء الراغبات في العمل معوقات تتعلق بالتدريب وتوفير مستلزمات المهنة وإطلاق المشاريع الصغيرة.
وتوضح الموسوي أن الدائرة تنظم دورات مهنية في مجالات الخياطة والتجميل وصيانة الهواتف وغيرها، لكن المشاركة في هذه البرامج لا تعني بالضرورة قدرة المرأة على دخول سوق العمل بعد التخرج.
وتشير إلى أن بعض النساء يواجهن صعوبة في حضور الدورات التي تستمر شهرين أو ثلاثة، بسبب عدم توفر من يرعى أطفالهن خلال تلك المدة. وحتى بعد اكتساب المهارة، قد تعجز المرأة عن شراء الأدوات اللازمة لممارسة المهنة، ما يدفع الدائرة أحياناً إلى التعاون مع المنظمات الدولية والجهات المعنية لتوفير مستلزمات العمل. كما أن محدودية العلاقات الاجتماعية وضعف الإمكانات المالية يحدان من فرص نجاح المشاريع النسائية، التي غالباً ما تبدأ بأعمال منزلية صغيرة، مثل الخياطة والتجميل، بدلاً من مشاريع قادرة على توفير دخل مستقر أو التوسع مستقبلاً.
التمكين الاقتصادي مسؤولية مشتركة
من جانبها، تقول الناشطة في حقوق المرأة، طيبة الدليمي، خلال حديثها لـ(المدى)، إن "تمكين المرأة المعيلة يتطلب معالجة العقبات الاقتصادية والاجتماعية التي تحد من قدرتها على العمل، وتوفير فرص التدريب والتمويل، وتسهيل الحصول على أدوات المهنة، إلى جانب مراعاة مسؤوليات رعاية الأطفال".
وتردف الدليمي أن "هذا المحور يكتسب أهمية في ظل اتساع شريحة النساء المعيلات وتأخر آلاف المعاملات المكتملة عن الحصول على التخصيصات، الأمر الذي يجعل سرعة الاستجابة الحكومية جزءاً أساسياً من الحماية الاقتصادية للأسر الأكثر هشاشة".
إلى ذلك، تشير الموسوي إلى أن التعاون بين المؤسسات الحكومية أسهم في توفير برامج مساندة للأسر المشمولة بالرعاية الاجتماعية، من بينها منحة الطلبة بالتعاون مع وزارة التربية، والتخفيضات الدراسية لطلبة الجامعات المشمولين بالرعاية، فضلاً عن التعاون مع وزارة الصحة في مشروع الضمان الصحي. وتبلغ منحة الطلبة، بحسب الموسوي، 30 ألف دينار شهرياً لطالب المرحلة الابتدائية، و50 ألف دينار لطالب المرحلة المتوسطة، و100 ألف دينار لطالب المرحلة الإعدادية، و150 ألف دينار لطالب الجامعة. وتقول إن هذه البرامج أسهمت في الحد من التسرب الدراسي وعمالة الأطفال في بعض الحالات، ولا سيما بين الأيتام وأبناء المطلقات.
The post ألف امرأة معيلة في العراق..إعانة لا تكفي وطريق شاق نحو الاستقلال! appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى